لم تخف تل أبيب خشيتها من تحول فعاليات التضامن مع الأسرى في إضرابهم عن الطعام إلى إنتفاضة تعم الأراضي الفلسطينية المحتلة.ويدل القمع الوحشي للمسيرات التضامنية التي خرجت في أنحاء الضفة على عمق هواجس الإحتلال من التأثير المتعاظم لـ «ثورة السجون» على المشهد السياسي والميداني الفلسطيني مع دخول الإضراب أسبوعه الثالث وإنضمام المئات من الأسرى إلى زملائهم المضربين.

لذلك، تقتحم إدارات السجون زنازين الأسرى وتصادر الملح في محاولة لكسر الإضراب. لكن صمود المضربين عن الطعام وإصرارهم على الإستمرار حتى تحقيق مطالبهم، أربك الإحتلال، ووضعه أمام سيناريوهات صعبة في حال إستشهاد بعضهم جراء هذه المصادرات وشطب معادلة «ماء و ملح» التي تنظم مسار الإضراب عن الطعام الذي أشهره الأسرى أكثر من 1800 أسير في السجون الإسرائيلية.

هي معركة مفتوحة يخوضها الأسرى يتوقف إنتصارهم فيها ليس فقط على صمودهم ..وإنما أيضاً على مستوى الدعم السياسي والميداني الذي يمكنهم من تحقيق مطالبهم وصولاً إلى خروجهم إلى شمس الحرية.

تبدأ حملة دعم الأسرى وشق طريقهم إلى الحرية من التعريف الصحيح لقضيتهم في جوانبها المتكاملة، السياسية والحقوقية والإنسانية. وأية محاولة (في الفهم والسلوك) لتفكيك هذه المعادلة ستهبط بقضية الأسرى وتقترحها وتفك إرتباطها الجوهري بالبرنامج الوطني التحرري للشعب الفلسطيني، وهم في الأساس وصلوا إلى حيث هم قابعون في سياق نضالاتهم تحت راية هذا البرنامج.

لذلك، شكلت الحركة الأسيرة إحدى روافع العمل الوطني الفلسطيني ولعبت دوراً فاعلاً في مساره. وهي ربما الخاصية الفريدة التي تميز حركة التحرر الوطني الفلسطيني عن باقي حركات التحرر الوطني في المنطقة والعالم. وبحكم الظروف القاهرة التي يعيشها الأسرى على إختلاف إنتمائاتهم الحزبية والفكرية، ساهمت وحدة المعاناة في تظهير وحدة المواجهة، وهو ما عبرت عنه الإضرابات المتعددة التي قامت بها الحركة الأسيرة ومكنتها من تحقيق الكثير من مطالبها.

وبالتالي، شكلت نموذجاً أمام عموم الحالة السياسية الفلسطينية، وإستطاعت الحركة الأسيرة من خلال ذلك الدخول بقوة على خط محاولات إنقاذ الوحدة الوطنية وتعزيزها. ومن ضمن هذا الدور الوثيقة التوحيدية التي بلورتها الحركة وقدمتها أمام الحالة الفلسطينية عبر «وثيقة الأسرى» وتوافق حولها ممثلو فتح والجبهتين الديمقراطية والشعبية وحركة حماس والجهاد في السجون الإسرائيلية.

وإلى جانب العامل السياسي الجوهري الذي يحكم قضية الأسرى، يلعب الجانب الإجتماعي ــــــ الإنساني دوراً مهماً في تحديد موقع هذه القضية في صدارة الأجندة الفلسطينية، ربطاً بالعدد الهائل من الفلسطينيين الذين طاولتهم حملات الإعتقال، وليس من المبالغة القول أنها قضية كل أسرة فلسطينية في الأراضي المحتلة.

لذلك، من الطبيعي أن أي تطور داخل السجون الإسرائيلية، وبخاصة الإضراب عن الطعام وتعرض حياة الأسرى للخطر سينعكس فوراً في المجتمع الفلسطيني حراكاً واسعاً ونشطاً ودعماً وإسناداً لصمود الأسرى في مواجهة عسف الجلاد. وهذا الأمر يسلط الضوء على ضرورة توجيه هذا الحراك وفق برنامج وطني موحد يعطي الزخم الشعبي والسياسي الداعم لنضالات الأسرى. ونعتقد أن ذلك لا يتم من دون تكامل الدورين السياسي والشعبي الميداني. وهنا، يتسلط الضوء على الدور المفترض أن تقوم به القيادة الرسمية الفلسطينية التي بيدها مفاتيح التحرك السياسي والديبلوماسي والمعنية بالأساس بإتخاذ خطوات جدية تدعم الحركة الأسيرة في معركتها مع السجان.

فمن غير المعقول والممكن الحديث عن دعم الأسرى والوقوف جانبهم دون إرتباط  ذلك بتثمير عضوية فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية وإنضمامها إلى إتفاقية جنيف الرابعة بخصوص أسرى الحرب: ومن دون التوجه مباشرة إلى هذه المحكمة وتقديم شكاوي فورية بخصوص الإنتهاكات الواسعة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون من تعذيب وعزل وإهمال طبي وقطع صلاتهم بأسرهم .. وفي ظل إستمرار لجوء الإحتلال للإعتقال الإداري وتمديده لمرات عدة.

ومنة غير المعقول الحديث عن دعم الأسرى من دون إطلاق يد الحركة الشعبية في فعاليات تضامنها وإسنادها لقضيتهم، في مواجهات مباشرة مع الإحتلال: ومن دون الإقلاع عن التضيق الذي تقوم به أجهزة السلطة الأمنية تجاه هذه الفعاليات. لكن الأهم في الموقف المطلوب من القيادة الرسمية الفلسطينية هو وقف التنسيق الأمني مع الإحتلال، والذي شكل إحدى دعامات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في مواجهة الإنتفاضة الشبابية الفلسطينية والسعي إلى إجهاضها والحد من إتساعها. ومن المؤسف أن يتم «التفاخر» من قبل البعض بقدرته على «إحباط» الكثير من العمليات الفلسطينية في مقاومة الإحتلال ومستوطنيه. ومع ذلك، لا يبدو أن تل أبيب وواشنطن تكتفي بهذا الدور، وتطالبان السلطة بإعادة تأهيل أجهزتها الأمنية بما يمكنها من القيام بمهمة قمع الحركة الشعبية المناهضة للإحتلال؛ كل ذلك فوراً.

 ويجري في ظل تغييب قرارات الإجماع الوطني وخاصة «المركزي» الذي دعا إلى وقف التنسيق مع الإحتلال، وربما من المهم التأكيد على أن دعم الأسرى في إضرابهم يتصل مباشرة بتوسيع جبهة الإشتباك مع الإحتلال سياسياً وديبلوماسياً وميدانياً، ودعم الحملات الشعبية والسياسية في مقاطعته إقتصادياً حتى تكتمل حلقات المقاطعة وطنياً وإقليمياً ودولياً، والقطع مع محاولات تهميش هذه المقاطعة تحت إدعاءات مختلفة. وفيما كان الأسرى هم المبادرون في محاولتهم رأب الصدع الفلسطيني الداخلي، يواصل كل من طرفي الإنقسام تمسكه بحساباته وسياساته الخاصة، ويتجاهل قرارات الحوارات الوطنية الشاملة، ومنها «وثيقة الوفاق الوطني» التي يكفل تنفيذها إنهاء الإنقسام وإستعادة الوحدة.

 وما نشهده من سجالات بين حركتي فتح وحماس يلقي بظلاله القائمة ليس فقط على مستقبل العلاقات الوطنية الداخلية، بل وأيضاً على الدور المفترض أن ينهض به الجميع لإسناد الأسرى في معركتهم المفتوحة ضد عسف الجلاد. ودعم الأسرى لا يتم بالإكتفاء بإعتصام هنا وندوة حقوقية هناك، بل هو إلتزام البرنامج الوطني التحرري بكافة محاوره، وهي متكاملة؛ وهو ما يقفل إنهاض الحالة الفلسطينية وتعزيز قدرتها على الفعل والتأثير في الميدان والسياسة، وهو يمكنها في السياق من تقديم الدعم السياسي الجدي لقضية الأسرى والتعجيل في حريتهم