يدخل إضراب الأسرى في سجون الإحتلال أسبوعه الثاني، وقد تبلور المشهد في الأسبوع الأول حاملاً علامات، كل منها يؤشر إلى سياسة معينة تنتهجها الأطراف المعنية بالإضراب.

• فالأسرى (أولاً) مصممون على مواصلة الإضراب المفتوح، دون تحديد سقف زمني معين ، متمسكين  بمواقفهم ومطالبهم التي باتت ترقى إلى مستوى الكرامة الوطنية، لهم ولأبناء شعبهم في أماكن تواجده كافة. وتنبئ علامات الأسبوع الثاني أن أفواجاً جديدة من الأسرى بدأت تنخرط في الإضراب، في تصعيد واضح وإصرار متين على مواصلة المعركة أياً كانت المخاطر التي تهدد حياتهم، علماً أن إضراب «الماء والملح» بدأ منذ الآن يعطي نتائجه السلبية على حياة الأسرى، مما زادهم إصراراً على الصمود، وهو ما يذكرنا بالإضراب الإسطوري الذي إلتزمه الأسير سامر عيساوي (9 أشهر كاملة) في تحدٍ جبار لسلطات الإحتلال وسلطات السجون.

• سلطات السجون، ومن خلفها حكومة نتنياهو، إتخذت من إضراب الأسرى موقفاً متعنتاً، وشعارها في ذلك «دعوهم يموتون جوعاً». إذ ترفض حكومة أقصى اليمين أن تستجيب للحد الأدنى من مطالبهم، خاصة وأنها تعتقد أنها تخوض معركة ضد الأسرى، في ظرف سياسي، تعمل الأطراف المعنية، إقليمياً، ودولياً، على بلورة «صفقة» لقضية المنطقة، وبالتالي هي لا تريد أن تبدو، في عيون حلفائها الأمريكيين، والأوروبيين، وفي عيون أعدائها الفلسطينيين والعرب طرفاً ضعيفاً، يرغمه إضراب للأسرى على التراجع والإستجابة للضغوط.

لذلك من المتوقع أن تزداد حكومة نتنياهو عناداً، وأن يزداد الأسرى تماسكاً وإصراراً على مواقفهم البطولية، وهو الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة، تتحمل حكومة نتنياهو مسؤوليتها كاملة. إذ نعتقد أن إستشهاد أسير واحد، في معركة الأمعاء الخاوية، من شأنه أن يشعل المناطق المحتلة.

• رد الفعل لدى الشارع الفلسطيني، في الضفة والقطاع، وفي الشتات، كان سريعاً، فأقيمت خيم الإعتصام التي لعب فيها أهالي الأسرى قبل غيرهم دور الرافعة. وإذا كانت القوى والفعاليات قد أصدرت ما يكفي من بيانات وتصريحات لدعم الأسرى إعلامياً، إلا أن الحركة في الشارع مازالت تتطلب المزيد من الزخم، والتطوير، وصولاً إلى التصادم اليومي مع سلطات الإحتلال. والتصادم هنا لا يأخذ شكله «العنيف» على الحواجز فقط. بل يجب أن يأخذ أشكاله الأخرى. كتصعيد الدعوة إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية، ومطالبة رجال الأعمال الفلسطينيين بإحترام المشاعر الوطنية ووقف تعاملهم مع رجال الأعمال الإسرائيليين، والضغط على السلطة لوقف تعاونها الأمني مع سلطات الإحتلال. ومطالبة السلطة بتدويل قضية الأسرى أمام محكمة الجنايات الدولية، ومجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، وعدم الرضوخ للضغوط الأمريكية التي دعت «القيادة» الفلسطينية إلى وقف تحركاتها الدبلوماسية كشرط «لبلورة» عناصر الصفقة السياسية مع الجانب الإسرائيلي.

. الحركة الشبابية كانت أكثر الجهات تجاوباً مع الأسرى. إذ يلاحظ، ومنذ أن أعلن أسرانا إضرابهم عن الطعام، يكاد لا يمر يوم إلا وحدثت فيه حالة صدام مع سلطات الإحتلال أو مع المستوطنين، سقط فيها شهيد أو جريح فلسطيني. وبنظرة موضوعية لإنتفاضة الشباب، علينا أن نعترف أنها لم تتوقف، بل أخذت شكل الموجات المتلاحقة. لكن علينا أن نعترف أيضاً أن إحتضان القوى السياسية الفلسطينية لهذه الإنتفاضة، وأن زج القوى الشعبية في دعم هذه الإنتفاضة هو أقل بكثير من المطلوب. بالمقابل «لم تقصّر» السلطة الفلسطينية في «أداء واجبها»، في محاصرة الإنتفاضة، ومطاردة أبطالها، وحجزهم «إحتياطياً» لإبعادهم عن الشارع، بالتعاون الوثيق مع سلطات الإحتلال.

*       *      *

الإستقبال البارد للسلطة الفلسطينية لثورة الأسرى في السجون، واضح ولا يحتاج لكثير عناء لتظهيره. ولا نذيع سراً إذا قلنا أن السلطة لا ترى في إضراب الأسرى «ما يخدم» تحركها السياسي في هذه المرحلة، خاصة في ظل مشاوراتها المفتوحة مع الجانب الأمريكي لبلورة الآليات والأسس الخاصة بإستئناف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.

فالسلطة ترى إن الإضراب من شأنه أن يشوش وأن يضغط عليها. وهي تريد أن تكون متحررة من كل الضغوط. والسلطة ترى أن الإضراب من شأنه أن يضعف خطابها السياسي نحو العملية السياسية. والسلطة، وهذا هو الأهم، تنظر بعين القلق إلى النهوض الشعبي، وتتخوف من أية تطورات مفاجئة، قد تفجر الأوضاع في المناطق المحتلة، بحيث تبدو عاجزة عن ضبط الموقف وتأكيد جدارتها «الأمنية» في عيون الإسرائيليين والأميركيين.

ومما لا شك فيه أن السلطة تنظر بعين القلق إلى الدور القيادي الذي يلعبه مروان البرغوثي، زعيم تيار الشباب في فتح وتتخوف من أن تتحول الحركة الأسيرة هي القائدة للحركة الشعبية وبحيث تسير الأمور بإتجاهات تتعاكس مع الإستراتيجية السياسية للسلطة وقيادتها.

إذ من المعروف أن ثمة عدم ثقة تحكم العلاقة بين البرغوثي وقيادة السلطة وقيادة فتح، وذلك منذ أن رحل الرئيس عرفات. رشح البرغوثي نفسه منافساً لمحمود عباس في رئاسة السلطة الأمر الذي أربك فتح، ما دفع أمين سر لجنتها المركزية (آنذاك) فاروق القدومي للتهديد بفصل البرغوثي ورفاقه من فتح. وفي صفقة معينة تراجع البرغوثي (الأسير) عن ترشيحه، مقابل وعود بترؤسه لائحة فتح في الإنتخابات التشريعية.

مفاجأة البرغوثي في «التشريعية» (2006) أنه من داخل السجن، شكل لائحة نافست اللائحة التي شكلها الرئيس عباس. وبعد مفاوضات مريرة، تمّ الإتفاق على دمج اللائحتين بزعامة البرغوثي، وإستبعاد شخصيات معينة بطلب من البرغوثي (بعض هذه الشخصيات إنتخب عضواً في اللجنة المركزية لفتح في مؤتمرها الأخير)

في مؤتمر فتح الأخير، فاز البرغوثي بعضوية اللجنة المركزية بأعلى الأصوات، لكن «الصدمة» التي فاجأت تياره أنه إستبعد من أية مناصب داخل اللجنة المركزية. وصار هو العضو الوحيد في قيادة فتح بلا مهمات محددة، بذريعة أنه أسير، الأمر الذي أثار حفيظة مروان وتياره، معلنين إنتقادهم الصريح لهذه الخطوة الإستبعادية المكشوفة، في مؤتمر صحفي عقدته زوجته فدوى.

تزعم مروان (الآن) لإضراب الأسرى داخل فتح، وإعتباره، من قبل وسائل الإعلام، زعيم الثورة الجديدة، يثير حفيظة السلطة ويوتر لها أعصابها، خاصة وأنها ترى في ذلك نزاعاً داخل فتح، ونزاعاَ سياسياً يضعف من صدقية إستراتيجيتها السياسية، بل ويعرضها للخطر، إذ من شأن هذا أن يوفر العناصر والإحتمالات لنقلة نوعية في الحراك الشعبي، من التضامن مع الأسرى، إلى إشعال إنتفاضة جديدة، تفتح مساراً لمرحلة أخرى من المقاومة الشعبية.

*      *      *

معركة الأسرى في لحظة مفصلية.

• فهم من جانبهم يدعون إلى التصعيد، ويعملون على تحويل الأسبوع الثاني للإضراب إلى عملية صدامية  أكثر إتساعاً من خلال إنخراط مئات جديدة منهم، تضع نهاية لحالة التردد لدى بعض الأطراف التي مازالت تترقب نتائج الأسبوع الأول.

• والشارع من جهته يرفع شعار التحدي لسلطات الإحتلال ويزج بالمزيد من القوى الشعبية في معركة التضامن مع الأسرى وإعتبار معركتهم معركة وطنية من الطراز الأول، يجب ألا تقف عند حدود مطالبهم المشروعة، بل تطويرها لتطال مطالب عموم الحركة الوطنية في الحرية والإستقلال.

• أما السلطة فلا تخفي رغبتها في إنهاء الإضراب. وذريعتها في ذلك أن رحلة الرئيس عباس إلى واشنطن، لمقابلة الرئيس ترامب، يجب أن تتم في أجواء من الهدوء. وأن ثورة السجون، والحركة في الشارع، والشعارات الداعية إلى الإنتفاضة والمقاومة، ووقف التنسيق الأمني، ومقاطعة الإقتصاد الإسرائيلي، وتدويل القضية الوطنية.. كلها عناصر من شأنها أن تضعف موقف الرئيس عباس وأن تشوش على محادثته مع ترامب، خاصة وأن موضوع اللقاء، كما تأكد، سوف يتناول: مفاوضات جديدة بلا شروط، لا وقف للإستيطان، تطوير التعاون الأمني، تطوير العلاقات الإقتصادية، وقف العمل في المحافل الدولية وإعتبار المفاوضات السبيل الوحيد للحل، وقف رواتب ومخصصات الأسرى والشهداء والجرحى والمفقودين. أي إستراتيجية سياسية مضادة لإستراتيجية الحركة الشعبية.

في هذا الأسبوع المفصلي، يفترض أن تتوقف كل النزاعات الجانبية، وأن تتركز الجهود على المزيد من الدعم للأسرى، وعلى تطوير فعالية الحركة الشعبية.

وجميعنا أمام الإمتحان.