أثارت زيارة وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس إلى المنطقة تساؤلات كثيرة حول ما تحضّر له واشنطن في هذه المنطقة المسمّاة بـ«الشرق الأوسط»، في وقت تُؤذن فيه العديد من المؤشرات على وجود استراتيجية أميركية جديدة تجاهها، علماً أنّ ماتيس ليس غريباً عنها، إذ أنه شغل من قبل قائد القيادة المركزية الأميركية، المسؤولة عن العمليات والعلاقات العسكرية الأميركية فيها.

وعلى رغم أن هناك من وصف جولته بـ«الاستطلاعية»، إلا أن هناك من رأى، في المقابل، أن واشنطن تسعى، في ظل الإدارة الجديدة، إلى بلورة «تحالف إقليمي وعربي في مواجهة النفوذ الإيراني المتصاعد، إضافة إلى محاربة داعش والقضاء على مكامن الإرهاب».

وبالنظر إلى أن الجولة شملت كلاً من السعودية ومصر وإسرائيل، إضافة إلى قطر وجيبوتى، اللتين أضيفتا لاحقاً إلى جدول الزيارة، فقد استنتج المحللون أن مثلث الارتكاز الجديد، للسياسة الأميركية في المنطقة، سيتكون أغلب الظن من الدول الثلاث السابقة، بينما قد تخرج تركيا من المعادلة، لأسباب عدة لا يتسع المجال لبحثها الآن. وكانت دول الخليج، وكذلك إسرائيل، اتهمت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بـ«التخلي عن حلفاء أميركا التقليديين في المنطقة، وعدم اتخاذ مواقف حازمة تجاه إيران».

الرياض والقاهرة

وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن زيارة ماتيس جاءت بعد أن عادت المياه إلى مجاريها بين واشنطن والرياض، وخاصة إثر زيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، واجتماعه مع أركان الإدارة الأميركية، بمن فيهم الرئيس دونالد ترامب نفسه، والإشادة الكبيرة (المشتركة من الجانبين) بنتائج هذه الزيارة، في ظل ما بدا خلالها من «توافق وانسجام عام» بين السياستين السعودية والأميركية، تجاه العديد من الملفات المطروحة، علماً أنّ السعودية لطالما شكلت على العموم أحد أهم ركائز السياسة الأميركية في المنطقة، وإن كانت العلاقات الثنائية بين البلدين شهدت تقارباً وتباعداً في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما السابقة، على خلفية التباين في الموقف من الاتفاق النووي الذي سعى الرئيس أوباما إلى توقيعه مع طهران.

أما فيما يخص مصر، فقد أظهرت الزيارة عودة مصر لمكانتها الطبيعية في المنطقة، كأهم ركائز السياسة الأميركية أيضاً. وذلك وفقاً لنهج الإدارة الجديدة المغاير لنهج الإدارة السابقة، وخصوصاً بعد زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الأميركية، والحفاوة التي استقبل بها من قبل نظيره الأميركي. والإعلان بعدها عن استئناف المعونة العسكرية الأميركية لمصر، البالغة 1,3 مليار دولار، بعدما طالها التجميد قرابة أربع سنوات متتالية في عهد أوباما، هذا فضلاً عن توقيع عددٍ من الاتفاقات العسكرية بين الجانبين، وهذا يتطلب بداهة تجاوز مرحلة الركود التي خيّمت على العلاقات بينهما في عهد الإدارة السابقة.

وكشفت مصادر سياسية مصرية أن القاهرة قد تكون «مستعدة للتجاوب مع واشنطن في الكثير من القضايا، شريطة زيادة المساعدات العسكرية الأميركية، ومساعدتها على تخطي الصعوبات الاقتصادية، التي تشكل بيئة مساعدة لتنامي الجماعات الإرهابية في مصر».

وفي المقابل، قالت المصادر إن الولايات المتحدة تعوّل على مصر كثيراً لتكون في «صدارة تحالف عسكري أميركي ـ عربي تحت مسمّى «تحالف إقليمي لمواجهة الإرهاب»، على أن يكون أيضاً «طرفاً محورياً في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، ووقف ما تصفه واشنطن بـ«التدخل الإيراني السافر في عدد من الدول العربية، مثل اليمن والعراق وسوريا ولبنان».

وفي ضوء ذلك، لفت محللون إلى احتمال وجود تباينات بين العاصمتين الأميركية والمصرية، بشأن الأولويات المطروحة من قبل كلٍّ منهما. فالملف الليبي يقع على رأس اهتمامات الإدارة المصرية، وهو ما دفعها إلى مطالبة واشنطن بتعزيز جهودها لإيجاد حل دبلوماسي للوضع في ليبيا دون تدخل عسكري، «إذ أنّ استقرارها يمثل استقراراً لمصر، باعتبارها الامتداد الغربي لها، وإحدى دوائر الأمن القومي المصري، مثلما تمثل ليبيا صمام الأمان لدول أوروبا، على سواحل البحر الأبيض المتوسط المقابلة لليبيا».

أما زيارة ماتيس إلى جيبوتي، فهي ترتبط كما رجّح المحللون، بوجود قاعدتين عسكريتين فيها، إحداهما أميركية والأخرى فرنسية، تعملان تحت مظلة حلف الناتو، ومكلفتان بتأمين الملاحة البحرية في مضيق باب المندب، باعتباره الشريان الحيوي لتدفق الطاقة من الخليج إلى أوروبا.

 

إسرائيل تشيد بـ «المقاربات الأميركية الجديدة» للمنطقة

قد يبدو للوهلة الأولى أنه ليس ثمة ما هو جديد في زيارة ماتيس لإسرائيل (21/4)، فالأخيرة كانت ومازالت وستظل، الحليف الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، وفقاً للثوابت الأميركية المعروفة. ولكن من يقرأ الزيارة ضمن أفق أوسع ورؤية أرحب للأهداف التي تتطلع لها واشنطن في الوقت الراهن، سيصل إلى استنتاج إضافي ، كما يذهب محللون، إلى أنّ الزيارة ليست عادية، ولا تندرج كسابقاتها في إطار العلاقة المعهودة بين الطرفين!.

وفي الواقع، فإن الحكومة الإسرائيلية لم تكتف بالترحيب البالغ بجيم ماتيس، الذي كان أول وزير في إدارة الرئيس ترامب يزورها، بل لقد انبرى أركانها، وفي مقدّمهم رئيسها بنيامين نتنياهو، إلى الإشادة بـ«مقاربات واشنطن الجديدة» تجاه الملفات الساخنة المطروحة في المنطقة، وفي طليعتها الملفان؛ الإيراني والسوري، اللذان كانا محور لقاءات الوزير الأميركي مع أركان تلك الحكومة.

ورأى نتنياهو أنّ ثمة «تغييرات جوهرية في السياسة الأميركية»، اعتبر أنها تمثل «تغييراً استراتيجياً مبارَكاً»، من قبل حكومته، مشيراً في هذا الصدد إلى الهجوم الصاروخي الأميركي على قاعدة الشعيرات الجوية في سورية، الذي ينمّ، حسب زعمه، عن «تغيير استراتيجي وكفاءات قيادية وسياسة أميركية جديدة». من دون أن ينسى الإشارة إلى «تحالف قوي وكبير» يتجسّد «في هذه الفترة» بين إسرائيل والولايات المتحدة، في إشارة كما يبدو إلى عملية «الشدّ والجذب» التي شابت العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية في عهد الرئيس باراك أوباما، على رغم حرص الإدارة السابقة على تقديم كل أشكال الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي إلى تل أبيب!.

وأشاد معلقون إسرائيليون بـ«المواقف المتشدّدة التي يتبنّاها ماتيس، وخصوصاً تجاه إيران»، مستذكرين تصريحات سابقة له أكد فيها أن «المشكلات الثلاث التي تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هي إيران ثم إيران ثم إيران»!!.

«غلطة فظيعة»

وكانت واشنطن دعت مجلس الأمن الدولي أخيراً إلى «تخفيف تركيزه على النزاع الإسرائيلي الفلسطيني وإعطاء الأولوية لنشاطات إيران»، التي وصفتها بـ«التدميرية».

واعتبرت سفيرة الولايات المتحدة لدى المنظمة الدولية، نيكي هايلي، أنّ إيران «السبب الرئيسي للنزاعات في الشرق الأوسط، متوعدة بالعمل لمطالبتها بالالتزام بقرارات الامم المتحدة». وجاءت تصريحات المسؤولة الأميركية غداة وصف وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون الاتفاق النووي الايراني بأنه «فاشل»، وبعد يومين من إصدار الرئيس دونالد ترامب «أمراً بإجراء مراجعة لهذا الاتفاق»، والموقف الواجب اتخاذه حياله.

واتهمت هايلي المجلس مراراً بالانحياز ضد إسرائيل. ووصفت اجتماعاته الشهرية حول القضية الفلسطينية بأنها «جلسات لانتقاد إسرائيل»، منتقدة بشدة حكومة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، لرفضها في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، استخدام حق النقض الفيتو لمنع صدور قرار «طالب اسرائيل بوقف توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة»، واصفة هذا القرار بأنه «غلطة فظيعة»!.

 

 

قطر تحت مجهر المراقبة الغربية

دعا مسؤولون أميركيون سابقون إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى الضغط على قطر لوقف دعمها لـ«متشدّدين إسلاميين يقاتلون في سوريا وليبيا»، بالتزامن مع اتصالات واسعة تجريها بإيران.

وقال مراقبون إن قطر ستجد نفسها في وضع صعب مع المؤشرات القوية التي تبديها إدارة ترامب لـ«ضرب التيارات المتشددة وعدم السماح لأي جهة بتوظيف المتطرفين لخدمة أجنداتها، والحصول على اعتراف دولي بدورها»، معتبرين أن «سياسة اللعب على الحبال التي كانت تقوم بها الدوحة لم تعد ممكنة الآن».

وارتفعت أصوات أميركية كثيرة بعد صعود ترامب مطالبة بوضع حد لعلاقة قطر بالتيارات المتشدّدة. وقالت مصادر أميركية إن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس حذر أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني خلال لقائهما الأخير (22/4)، من استمرار بلاده بدعم جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المرتبطة بها.

ويتهم مسؤولون غربيون قطر بعدم القيام بما يكفي «لمحاربة تمويل شبكات إسلامية متطرفة»، لكن الدوحة تنفي ذلك. واقتصاديا، ترتبط واشنطن والدوحة بعلاقات وثيقة، وأعلنت شركة الخطوط الجوية القطرية أخيراً عن شراء نحو مئة طائرة بوينغ بقيمة 18,6 مليار دولار.