رسمت واشنطن الإطار الذي ينبغي أن يلزمه المفاوض الفلسطيني في حال استؤنفت المفاوضات. ووضعت من خلال شروطها التسعة التي بلورها فريق غرينبلات الخطوات التي ينبغي على قيادة السلطة تنفيذها كي تتراجع الإدارة الأميركية عن نعيها «حل الدولتين» وتعود إلى سياسة الإدارة السابقة في دعم هذا «الحل».

وبحسب «الصفقة» الأميركية، ستكون المفاوضات بمسار إقليمي عبر مشاركة خمس دول عربية دون أن تتحدد مرجعية هذه المفاوضات ولا إطارها الزمني، ومن الطبيعي ربطا بالتطورات العاصفة في المنطقة أن توضع على الطاولة ملفات كثيرة تتجاوز الموضوع الفلسطيني لتغوص في آليات تطبيق الرؤية الأميركية تجاه مآلات الصراعات الدائرة، بما يعزز حضور واشنطن التي غابت عن التحكم في مسار الأحداث خلال الأعوام القليلة السابقة.

 ضمن هذه المعادلات تأتي زيارة الرئيس عباس إلى واشنطن ولقاؤه الرئيس ترامب بعدما هدأت هواجس قيادة السلطة من استمرار تجاهلها من قبل الإدارة الأميركية الجديدة.

 «التمهيد» الأميركي لزيارة الرئيس عباس أوضح بشكل جلي ماذا تريد واشنطن من قيادة السلطة، ويلفت الانتباه أن فريق غرينبلات قدم للشروط التسعة بتعبير «إظهار حسن النوايا»، والمقصود هنا بالطبع نوايا السلطة تجاه الاحتلال: بينما كانت الإدارة الأميركية السابقة تتوجه إلى الحكومة الإسرائيلية للقيام بـ «بادرات ثقة»، تشجع المفاوض الفلسطيني على الدخول مجدداً إلى حلبة التفاوض، ويتمكن في الوقت نفسه من تسويق مبررات هذا الدخول.

وتحت يافطة إحياء التسوية تكرر إدارة ترامب ما طالبت به إدارات أميركية سابقة في «حث» قيادة السلطة على إجراء إصلاحات «جوهرية» في مؤسساتها وتحديداً المؤسسة الأمنية بأجهزتها المختلفة. لكن الإدارة الجديدة تطالب بشكل ملموس بأن تقوم هذه الأجهزة بدور مباشر في قمع كافة أشكال مقاومة الاحتلال بما فيها المقاومة الشعبية، والتي وصفتها شروط غرينبلات بـ «الإرهاب المحلي». ولم يعد مقبولاً أن تصدر السلطة بيانات تدين بها عمليات مقاومة الاحتلال، بل المطلوب أن تمارس دوراً «فعالاً»، وهذا بالتأكيد يمر عبر تعزيز التنسيق الأمني مع الاحتلال ورصد تحركات نشطاء المقاومة ليصل الأمر إلى وقف الفعاليات الشعبية المناهضة للاحتلال، ومن الطبيعي القول، أن واشنطن ستطالب بتنفيذ ذلك على الأرض مباشرة قبل التفكير بدفع عملية التسوية نحو الأمام.

ومن الطبيعي أيضاً القول إن اللواء ماجد فرج مدير جهاز المخابرات العامة في السلطة والمشارك في التحضير لزيارة الرئيس عباس قد سمع هذا الكلام من جاريد كوشنر الذي يقود فريق غرينبلات، مبعوث الرئيس ترامب.

وعبر الشروط التسعة، ومحصلة لقاءات ترامب بعدد من الرؤساء والملوك العرب، قالت الإدارة الأميركية ما تريده، وهي الآن في معرض أن تعرف مدى التجاوب مع مطالبها وربما هذا هو المنحى الذي سيحكم لقاء الرئيسين عباس وترامب.

ومن خلال هذه الشروط، تجاوزت واشنطن سياساتها المعهودة في التدخل المباشر في هيكلية السلطة ومؤسساتها، لتدخل على خط منظمة التحرير ومؤسساتها، ويتبدى ذلك في طلبها «وقف صرف رواتب أسر الشهداء والأسرى» تماشياً مع «قانون تايلولر فوس الذي سنه الكونغرس الأميركي بشان المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية»، كما ورد في نص أحد الشروط.

وعبر هذه الشروط، تدخل واشنطن على خط الانقسام الفلسطيني باتجاه نقله إلى صراع مباشر بين طرفي الانقسام، وقد عبر عن ذلك بالمطالبة بوقف تحويل الأموال من السلطة إلى قطاع غزة. لأنه بنظر الإدارة الأميركية ليس التزاماً من قبل السلطة تجاه القطاع وأهله بل «تمويل لمصروفات حركة حماس المدرجة على لائحة الإرهاب»، كما ورد في شرط آخر من الشروط التسعة.

على الرغم مما سبق، هناك الكثير مما يبغي أن يسمعه الرئيس ترامب وإدارته. أولا التذكير بمآلات السياسات التي اتبعتها الإدارات الأميركية السابقة تجاه عملية التسوية، بدءاً من رسم أسسها وقواعدها المجحفة بحق الفلسطينيين، مرورا بالتواطؤ مع تل أبيب في نشر الاستيطان والتغاضي عن جرائمها المتواصلة، وصولاً إلى حشر المفاوض الفلسطيني ومرجعيته السياسية بين ثنائية العصا (الحاضرة) والجزرة (الوهمية). وبالتالي بقيت التسوية مجرد يافطة تغطي السياسات التوسعية والعدوانية الإسرائيلية.

ومن أبرز خطايا السياسات الأميركية كان حشر المقاومة الفلسطينية في خانة الإرهاب، وكان ذلك بمثابة وسادة تتكئ عليها الحكومات الإسرائيلية في تبرير استهدافها للحالة الفلسطينية (السياسة والشعبية)، وجهر بذلك آرائيل شارون في العام 2001 بعيد تفجيرات واشنطن ونيويورك محاولا تقديم تل أبيب كأحد أركان «التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب» التي أنشأتها واشنطن في ذلك الوقت لمحاربة «القاعدة» و«طالبان». والأمر ذاته يقوم به نتنياهو من خلال تقديم حكومته كطرف فاعل في محاربة الإرهاب المعنون بـ «داعش» وغيره. لذلك، لم يكن صدفة محاولاته إلصاق تهمة الانتماء لهذا التنظيم الإرهابي بعدد من المقاومين الفلسطينيين.

عبر تلك السياسات، خرقت الإدارات الأميركية قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية ومنها القرارات التي قالت بحق الشعوب في تقرير مصيرها وحقها في مقاومة الاحتلال واعتبرت هذه المقاومة مشروعة لتمكين هذه الشعوب من ممارسة حقها في تقرير المصير.

وقبل تولي ترامب مهام منصبه رسمياً، أعلن عن عزمه «تصويب» الموقف الأميركي الذي مرر ترسيم قرار مجلس الأمن الذي رفض الاستيطان وفي حال استمرت هذه السياسة، فإن ذلك يعني أن الولايات المتحدة في ظل إداراتها المتعاقبة تقف في مواجهة الأمم المتحدة، وهي العضو الدائم في مجلس الأمن.

لذلك، نعتقد أن الإجابة الصائبة على مطالب وشروط إدارة ترامب هي وضعها، أمام التزامها القانوني والسياسي من موقعها في المنظمة الدولية عبر احترام قراراتها ذات الصلة بالقضية الفلسطينية. وفي سياق الإجابة تظهير البرنامج الوطني الفلسطيني كبرنامج تحرري منسجم مع ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها.

من دون ذلك، سنبقى ننتقل من وهم الرهانات الخاسرة، إلى فخ الصفقات المهلكة.