قبل أيام قليلة من الدورة الأولى لانتخابات الرئاسية الفرنسية (23/4)، يتراجع الفارق بين المرشحين الأربعة الأوائل إلى أدنى مستوى، وسط تردّد الناخبين بشأن مرشّحهم المفضّل في هذه الانتخابات، هذا التردّد الذي بلغ مستوى قياسياً هذه السنة، حيث أن ثلث الناخبين لم يحسموا خيارهم بعد، فضلاً عن أن هناك ناخبين آخرين قد يبدّلون خيارهم في اللحظة الأخيرة، مما يزيد الغموض بشأن النتائج المتوقعة، فيما تشير استطلاعات الرأي إلى تقارب كبير بين رباعي المقدمة في هذا السباق؛ وهم إيمانويل ماكرون ومارين لوبن وفرنسوا فيون وجان لوك ميلانشون.

وتبدو المنافسة على أشدّها بين الوسطي إيمانويل ماكرون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن، يتبعهما المحافظ فرنسوا فيون وممثل اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون، بفارق إجمالي بين الأربعة يتراوح بين ثلاث وست نقاط، ما يترك المجال مفتوحاً لأي تبدل في الوضع، ولا سيما مع الأخذ بعين الاعتبار هامش الخطأ الممكن.

ويقول محللون إن نظام الاقتراع يحض الناخبين على «التصويت المفيد» لقطع الطريق على مرشح لا يرغبون بفوزه، و«منح أصواتهم للمرشح الأقل سوءاً الذي يحظى بفرصة في الفوز»، بحسب ما أوضح خبير في هذا الشأن.

ناخبون متردّدون ومرشحون تلاحقهم الفضائح

وفي بلد شهد اعتداءات إرهابية عدة، ويعاني من بطالة مرتفعة واقتصاد متباطئ، يبدو الناخبون ضائعين في حملة انتخابية خارجة عن الأنماط المعروفة وطبعتها فضائح.

وفي هذا السياق، واجه ناخبو اليمين تراجع شعبية مرشحهم المحافظ فيون بعدما كان يتصدر التوقعات، بعد الكشف عن وظائف وهمية استفاد منها أفراد من عائلته.

ومع ذلك لا يزال فيون، الذي أثار مفاجأة بفوزه في الانتخابات التمهيدية اليمينية، يحتفظ بنسبة تأييد تتراوح بين 18 و20 % من الناخبين، غير أنه لا يملك نسبة تأييد بين المترددين، ما يقلّل كثيراً من فرص انتقاله إلى الدورة الثانية، في وقت يلوّح فيه أنصاره بـ«خطر انتقال مرشحين متطرفين إلى الدورة الثانية، محذرين من مستوى التأييد للوبن».

ويزداد التردّد بين ناخبي اليسار أمام تباعد مرشحيهم، حيث يعاني «الاشتراكي» بونوا آمون، الذي أثار مفاجأة بفوزه في الانتخابات التمهيدية اليسارية، من تقدّم ميلانشون وانضمام شخصيات اشتراكية بارزة إلى ماكرون. وعلى رغم ذلك، فإنه يواصل حملته محاولاً تحفيز أتباعه وحملهم على التصويت بأعداد كبيرة.

ومن جهته يثير ميلانشون، (المرشح اليساري المعادي للعولمة، والذي ينتقد أوروبا)، انقساماً شديداً في الرأي العام، و«يواجه اتهامات بالشعبوية، نافياً أن يكون من اليسار المتطرف، ويصف نفسه بأنه رجل متحمس ومتمرد على النظام الرأسمالي وعلى الليبرالية». وهو يأمل في الوصول إلى الدورة الثانية، في حين يخشى أنصاره من «أن التقدّم الكبير الذي حققه في الأسابيع الأخيرة قد لا يصب في صالحه، إذ قد يثير التعبئة مجدداً بين ناخبي اليمين ضده».

أما ماكرون، أصغر المرشحين سناً (39 عاما)، والذي «يجسّد التجديد» في نظر أنصاره، فهو يسعى إلى تفادي أي مجازفة، مؤكداً أنه «ليس من اليسار ولا من اليمين»، ويقول إنه «يلتقي الفرنسيين بهدوء وتصميم».

ومع بروزه في الحملة الانتخابية، بات هدفاً للعديد من خصومه ولا سيما لوبن، التي اعتبرت أن وصوله إلى السلطة، سيعني «انطلاقة الإسلاميين إلى الأمام».

وخلال أكبر تجمع انتخابي في حملته (17/4)، دافع فيه عن «فرنسا منفتحة وواثقة .. وعن ضرورة تسلّم جيل جديد المسؤوليات»، نفى الوزير السابق، ومرشح حركة «إلى الأمام» (آن مارش)، أن يكون تلقى ارثاً بملايين اليورو من صديق له توفي في الخريف، وقام بتفصيل أرباحه ومصاريفه للفترة ما بين 2009 و2014، وقال إنه انفق 700 الف يورو في تلك الفترة.

أما مرشحة اليمين المتطرف، مارين لوبن، فهي ما تنفك تؤكد عزمها على «إنهاء اتفاقات شنغين حول حرية تنقل الأشخاص في 26 دولة أوروبية»، وهي اتفاقات ترى أنها «جعلت فرنسا محطة لجميع حركات الهجرة في العالم»، على حد تعبيرها. وفي حال انتخابها، أعلنت نيتها بأن «تتخذ قراراً بتعليق الهجرة القانونية من أجل وقف هذا الجنون»، حسب وصفها.

وإزاء مخاطر قيام دورة ثانية بين اليمين المتطرف واليسار الراديكالي، وجّه الرئيس المنتهية ولايته والذي لم يترشح لولاية ثانية، فرنسوا هولاند، «تحذيراً من مخاطر مثل هذا الاحتمال بالنسبة لأوروبا»، وقال: «دعونا نحافظ عليها (أوروبا) بدل أن نجعل منها كبش فداء لإخفاقاتنا»!.

 

استطلاعات الرأي

أظهر آخر استطلاع لصالح صحيفة «لوموند» الفرنسية، أن كلاً من ماكرون ولوبن سيحصلان على 22 % في الجولة الأولى، بينما سيحصل ميلانشون على 20 %، ويحصل فيون على 19 %. ما يعني أن المنافسة في الجولة الثانية ستكون بين لوبن وماكرون. وأظهر الاستطلاع أن ماكرون سيفوز في هذه المواجهة بنسبة 63 % من الأصوات، وهو ما يتسق مع معظم استطلاعات الرأي الأخرى.

 

اليساري ميلانشون يفرض نفسه

نجح جان لوك ميلانشون، الخطيب المفوه والاشتراكي السابق الذي أصبح وجه اليسار الراديكالي في فرنسا، في فرض نفسه تدريجياً على الحملة الانتخابية كمرشح اليسار الجذري للرئاسة الفرنسية.

ويثير ميلانشون مشاعر متعارضة لدى الأوساط السياسية الفرنسية، ففيما يندّد خصومه بـ«شعبويته اليسارية»، فإن أنصاره يشيدون به كـ«مدافع عن الشعب بوجه القلة الحاكمة»، وقد اختار هذا السياسي المعجب باليسار الأميركي اللاتيني شعاراً لحملته هو «فرنسا المتمردة».

و«ميلوش»، كما يلقبه البعض، معجب بالثوري الفرنسي ماكسيميليان روبسبيير، كما بالرئيس الفنزويلي الراحل أوغو تشافيز. وكان من مسؤولي الحزب الاشتراكي على مدى ثلاثين عاماً، قبل أن يخرج منه عام 2008، ويتحول إلى أشد منتقديه ولكن من على يساره، فيما ينتقده إيمانويل ماكرون من على يمينه.

وفي سن الـ65 لم يفقد ميلانشون أياً من مواقفه الراديكالية، غير أنه بات أكثر ميلا للفكاهة، متخلياً عن نوبات غضبه العنيفة التي شكلت لفترة طويلة إحدى أبرز سماته. وهو يقول: «اليوم إنني أكثر تعقلاً من أي وقت مضى، وأقل نزقا. الصدام أثبت حدوده».

لوبن عدوته اللدّودة

وبفضل الإنترنت تمكّن ميلانشون من نشر أفكاره بدون المرور عبر وسائل الإعلام التي يقيم معها علاقات صعبة وعاصفة. كما أنه يكشف خلال التجمعات الانتخابية عن براعة خطابية، فيأسر الحضور ملقياً كلماته بدون الاستعانة بأي ملاحظات.

يقول عنه أحد رفاقه السابقين، «أصبح استعراضياً. هذا الأسلوب يسمح له بتفادي توجيه انتقادات عنيفة للغاية. بات يتبع نهجاً تعليمياً، إنه الأستاذ السابق الذي يلقي درساً عن العالم وكيفية تغييره».

تحالف في الانتخابات الرئاسية السابقة 2012، مع الشيوعيين وحصل على 11,1% من الأصوات في الدورة الأولى، متخذا موقفاً «إلى يسار اليسار»، وموجهاً هجمات عنيفة إلى الليبرالية الجديدة.

غير أنه فشل في الانتخابات التشريعية التي واجه فيها زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن في معقلها بشمال فرنسا، «منافساً عدوته اللدودة على أصوات الناخبين الشعبيين».

لكنه، وعلى رغم عدائه للوبن، فإنه يتقاطع معها، شكلياً على الأقل، في عدد من المواقف، منها عدائه للعولمة ومناهضته للاتحاد الأوروبي، فهو يحمل باستمرار على «أوروبا الليبرالية داعياً إلى وقف العمل بالمعاهدات الأوروبية، ويوجّه انتقادات لاذعة إلى ألمانيا المحافظة بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل، كما يدعو إلى الخروج من الحلف الأطلسي وتبني فرنسا سياسة عدم انحياز إلى القوى الكبرى».

 

زعيمة اليمين المتطرف مهددة بفقدان حصانتها الأوروبية

هيمن طلب القضاء الفرنسي من البرلمان الأوروبي رفع الحصانة عن مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبـن، على حملة حزبها الانتخابية، وذلك على خلفية «تحقيق بشأن وظائف وهمية لمساعدين برلمانيين لحزبها باستخدام أموال عامة عائدة إلى البرلمان الأوروبي».

وكانت لوبن، العضو في البرلمان الأوروبي، رفضت الشهر الماضي تلبية استدعاء للمثول أمام القضاء بشأن هذه القضية، متذرعة بحصانتها البرلمانية، علماً أن هذا التحقيق لم يؤثر على شعبيتها كما تشير الاستطلاعات.

وقللت لوبن من أهمية طلب القضاة رفع حصانتها البرلمانية. وقالت: «هذا أمر عادي. إنها الإجراءات التقليدية ولا أستغرب ذلك». لكن محاميها رودولف بوسلو عبّر لوكالة الصحافة الفرنسية عن «استغرابه لأن لوبن قطعت وعداً بالمثول أمام القضاة بعد الانتخابات التشريعية، وتبعا لنتائج الانتخابات الرئاسية».