حقق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فوزاً بفارق ضئيل في الاستفتاء حول تعزيز صلاحياته والانتقال بتركيا نحو النظام الرئاسي. وأظهرت نتائج شبه نهائية أن نسبة المؤيدين للتعديلات الدستورية بلغت 51,3%، مقابل معارضة 48,7 %، فيما بلغت نسبة المشاركة في الاستفتاء نحو 86 %.

لكن وعلى رغم ذلك، فقد يؤدي الاستفتاء إلى أكبر عملية تغيير في نظام الحكم في البلاد منذ تأسيس الجمهورية الحديثة قبل أكثر من قرن.. فضلاً عن أنه قد يسدل الستار على «حقبة زمنية من تاريخ الانقلابات العسكرية، وتدخل المؤسسة العسكرية في صناعة الرؤساء».

وكان أردوغان ألقى بكلّ ثقله في «معركة الاستفتاء»، ولكن الفوز المحدود الذي حققه، والذي شكّكت فيه المعارضة، كشف عن مدى الانقسام في المجتمع التركي بعد 15 عاماً من حكم حزب «العدالة والتنمية». وفيما قال أردوغان وأنصاره إن التعديلات ضرورية لإصلاح الدستور الحالي الذي كتبه جنرالات في أعقاب انقلاب عسكري عام 1980، إضافة إلى تفادي الحكومات الائتلافية الهشّة، التي تشكلت في الماضي، ومواجهة تحديات أمنية وسياسية تقف أمام تركيا، رأى المعارضون أنها خطوة نحو المزيد من الاستبداد، وخصوصاً منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي أعقبها توقيف عشرات الآلاف من الأشخاص، فضلاً عن توقيف معارضين مؤيدين للأكراد بتهمة الإرهاب، وكذلك الكثير من الصحافيين المعارضين.

وقد خاض أردوغان هذا التحدي للمرة الأولى من دون الكثيرين من أنصاره وأعوانه، بمن فيهم قياديون بارزون في حزبه الحاكم، بينهم الرئيس السابق عبدالله غل ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو اللذان أشارا مرات إلى رفضهما المشروع.

ورأى مراقبون أن ما بعد الاستفتاء سيختلف عما قبله. فبعد عقد ونصف من حكم «العدالة والتنمية»، ذي الخلفية الإسلاموية، تغيرت أشياء كثيرة في تركيا. ومنها «رفع مستوى التوتر الداخلي على نحو بات يهدد اللحمة الداخلية الاجتماعية التي حكمت البلاد منذ ظهور الدولة الأتاتوركية في عشرينات القرن الماضي». كما بات التشكيك في «أوروبية تركيا» هو القاعدة هذه الأيام، ذلك أن الخطاب الرسمي يضخ في عقول الشباب ثقافة تتحدث عن عداء أوروبا لتركيا، ويدفع نحو التخلي عن الالتحاق بالاتحاد الأوروبي.

تركيا المنقسمة على ذاتها

كما أنّ تركيا أصبحت الآن منقسمة، ليس فقط إلى «علمانية أتاتوركية» و«إسلامية أردوغانية»، بل أيضاً إلى «إسلام سياسي» ممثلاً في حزب العدالة والتنمية، و«إسلام اجتماعي»، ممثلاً في جماعة فتح الله غولن، التي باتت تطرح التحدي الأكبر أمام أردوغان، وأصبحت «كياناً إرهابياً موازياً»، بحسب توصيف النظام لها.

وتمنح التعديلات الدستورية المقرّة، وعددها 18، الرئيس صلاحيات واسعة لم يتمتع بها أي رئيس منذ تأسيس مصطفى كمال أتاتورك للجمهورية التركية الحديثة. وتقضي بإلغاء منصب رئيس الوزراء، منح الرئيس سلطة وضع مشروع الميزانية، إعلان حالة الطوارئ، إصدار المراسيم للإشراف على الوزارات دون موافقة البرلمان.

ويبدو أنّ أردوغان المهيمن على السياسة التركية مصممٌ على ترك بصمته في تاريخ بلاده على غرار أتاتورك. ومثلما قام الأخير بهندسة المشهد الاجتماعي السياسي، «يريد هو كذلك تحويل تركيا، ولكن في اتجاه معاكس تماماً، أي لتصبح مجتمعاً مسلماً في العمق»، هذا ناهيك عن تطلعه إلى البقاء في السلطة حتى عام 2023 عندما تحتفل تركيا بالذكرى المئوية لتأسيسها.

وعلى ذلك، فقد وصف أردوغان فوزه بأنه «قرار تاريخي، سيفتح صفحة جديدة في تاريخ تركيا الديمقراطي»، فيما اتهمت المعارضة السلطات التركية بـ«التلاعب وتزوير» نتائج الاستفتاء، ورأت أنّ التعديلات تشكل «جنوحاً إلى الاستبداد من قبل رجل يعتزم إسكات كل صوت منتقد له». واعتبرتها «تهديداً صريحاً للديمقراطية وانقلاباً عليها»، وقالت إن «تركيا تقف عند مفترق طرق، بين نظام برلماني ديموقراطي ونظام رجل واحد».

واعتبر حزب الشعب الجمهوري أن التعديل «سيطلق يد النظام الحاكم نحو المزيد من التنكيل بكل الأصوات المعارضة وإلجامها، وخاصة بعد سيطرة العدالة والتنمية على كل مفاصل الدولة واختراقه لكل المؤسسات الحساسة، والتي بلغت أوجها إثر عملية التطهير الواسعة التي أطلقها النظام عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في الصيف الماضي». وشبّه زعيم الحزب، كمال كيلتشيدار أوغلو، النظام الذي تريده سلطات أردوغان بأنه يضع الشعب التركي «في حافلة من دون مكابح لا تعرف وجهتها»!.

الصورة: أردوغان

 

المعارضة تشكك

حسب بيانات وكالة «الأناضول»، شبه الرسمية، تصدّرت الأصوات المعارضة للتعديلات في أكبر ثلاث مدن، وهي إسطنبول وأنقرة وإزمير، إضافة إلى جنوب شرق البلاد الذي تقطنه أغلبية كردية.

وبدت نتائج الاستفتاء مفاجئة، في نظر أحزاب المعارضة، إذ تضمنت ارتفاع نسبة الموافقة على النظام الرئاسي خصوصاً في جنوب شرقي تركيا ذي الغالبية الكردية إلى ما يقارب الـ70 %، علماً أن استطلاعات الرأي أجمعت على أن الـ «نعم» هناك لن تتجاوز الـ50 %. وتزامن ذلك مع تقارير عن تجاوزات عدة سجلت في أنحاء البلاد، من بينها اقتراع أنصار أردوغان بأكثر من بطاقة في آن. كذلك أتت النتيجة الأولية في محافظة هاتاي ذات الغالبية العربية والعلوية المجاهرة بالمعارضة لأردوغان صادمة، بعدما أفادت وسائل الإعلام الموالية بأن نسبة تأييد التعديلات هناك بلغت 70 % أيضاً.

وقال حزب الشعب الجمهوري المعارض، إن المعارضة ستطالب بإعادة فرز ما يصل إلى 60 % من الأصوات بعد «ممارسات غير قانونية»، تمّت في صالح الحكومة. وركزت المعارضة على تآكل أصوات الحكومة والقوميين، وذلك أن مجموع أصوات هذا التحالف في الانتخابات الأخيرة بلغ نحو 65 %، فيما نتيجة التصويت كانت متقاربة جداً، وهو ما قد يشعل النقاش داخل حزب الحركة القومية الذي دعم المشروع، لكن قاعدته الانتخابية خذلته ودعا المنشقون عنه إلى رفض التعديلات.

 

أبرز التعديلات

في ما يلي أبرز التعديلات الرئيسية التي جرى الاستفتاء عليها:

ـ منح سلطات تنفيذية معزّزة للرئيس الذي سيتمكن من تعيين وإقالة الوزراء وكبار الموظفين الحكوميين. كما سيُلغى منصب رئيس الوزراء، الذي سيشغله الرئيس على أن يعين له نائباً أو أكثر عوضاً عنه.

ـ ستسمح التعديلات للرئيس بالتدخل مباشرة في عمل القضاء، كما سيختار بشكل مباشر أو غير مباشر ستة أعضاء في المجلس الأعلى للقضاة، الذي يتولى التعيينات والإقالات في السلك القضائي، فيما يعين البرلمان سبعة أعضاء.

ـ سيكون الرئيس صاحب قرار فرض حالة الطوارئ، قبل عرضه على البرلمان الذي يحق له اختصارها أو تمديدها أو رفعها عندما يرى ذلك مناسباً.

ـ سيرتفع عدد نواب البرلمان من 550 إلى 600، وسيتم خفض الحد الادنى لسنهم من 25 إلى 18 سنة. كما سيتم تنظيم انتخابات تشريعية مرة كل خمس سنوات بدلاً من أربع، بالتزامن مع الاستحقاق الرئاسي.

ـ سيحتفظ البرلمان بسلطة إقرار وتعديل وإلغاء القوانين والتشريعات. وستكون لديه صلاحيات الإشراف على أعمال الرئيس لكن الأخير سيحظى بسلطة اصدار المراسيم الرئاسية بشأن كل المسائل المتعلقة بسلطاته التنفيذية. وإذا اتهم الرئيس أو حامت حوله شبهات بارتكاب جنحة، فيجوز للبرلمان أن يطلب فتح تحقيق على أن يكون ذلك بغالبية ثلاثة أخماس الأعضاء.

هل يبقى رئيساً حتى 2029؟

ينص مشروع التعديلات على تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة بشكل متزامن في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر 2019. وسينتخب الرئيس لولاية من خمس سنوات يمكن تجديدها مرة واحدة. ولن يكون مرغماً على قطع علاقاته مع حزبه. وفي حال بدأ تطبيق المادة المتعلقة بالعدد الأقصى للولايات الرئاسية اعتباراً من 2019، فقد يبقى أردوغان في السلطة حتى العام 2029.

 

أوروبا على كلمة سواء من الاستفتاء

بعد أن اعتبرت دول أوروبية عدة أن خطوة التعديل الدستوري تكرّس نظام الحزب الواحد، وتحول النظام التركي من مسار ديمقراطي إلى مسار دكتاتوري، دعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الرئيس التركي إلى السعي لإجراء «حوار قائم على الاحترام مع كل الأحزاب السياسية بعد الفوز الذي حققه بفارق ضئيل في الاستفتاء». معتبرة أن «الفارق الضئيل يدلّ على عمق انقسام المجتمع التركي».

وتدهورت العلاقات بين تركيا وأوروبا إلى مستوى متدنٍ خلال حملة الاستفتاء بعدما منعت دول بالاتحاد الأوروبي، من بينها ألمانيا وهولندا، وزراء أتراكاً من تنظيم لقاءات جماهيرية للدعاية للتعديلات الدستورية. ووصف أردوغان هذا المنع بأنه «أفعال نازية»، وقال إن تركيا قد تعيد النظر في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بعد سنوات كثيرة من سعيها للانضمام إليه.

وجاء في بيان للاتحاد الأوروبي إن «التعديلات الدستورية وخصوصا كيفية تطبيقها سيتم تقييمها في ضوء التزامات تركيا بوصفها دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي وعضواً في مجلس أوروبا».