بأسرع مما توقعنا، تهاوت ذرائع رئيس الحكومة في السلطة الفلسطينية في تبرير أسباب السطو على رواتب الموظفين. فبعد أن أدعى أن السطو [الحسم] تمّ بناء على توجيه وقرار من الإتحاد الأوروبي، الممول الرئيس لكتلة الرواتب في السلطة، أصدر «الإتحاد» بياناً نفى فيه، نفياً تاماً أية علاقة له بالقرار، وأكد أنه قرار اتخذته الحكومة الفلسطينية وحدها. وبعد أن حاول أن يدعي أن السطو تمّ بسبب نقص في التمويل، فشل في تفسير أن يكون السطو لرواتب غزة وحدها، ولا يطال رواتب الضفة. وأن يكون السطو طال رواتب صغار الموظفين وأصحاب الرتب الوسطى، وأعفى الكبار [من الرئيس إلى رئيس الحكومة إلى الوزراء والنواب والوكلاء وجيش العاطلين عن العمل في مقر المقاطعة وفي جوقة المحيطين بالرئاسة] من واجب هذا السطو. وحين حاول الدفاع عن حكومته بالإدعاء أنها، ومنذ الانقسام، صرفت على القطاع 17 مليار دولار، فشل في توضيح أوجه الصرف هذا، وأين ذهبت، وفي أية جيوب صبت هذه الكتلة الضخمة من الدولارات، خاصة وأن القطاع مازال يشكو الفقر الشديد في البنية التحتية، وفي توفير الخدمات العامة، وغيرها من مستلزمات العيش الكريم.

وحين حاولت فتح أن «تحمي» الرئيس من مسؤولية القرار الجائر، وتوجهت إليه باعتباره طرفاً محايداً، و«الأب» المعني بحماية أبنائه، خاصة وأن معظم المتضررين من قرار السطو هم من قاعدة فتح الحركية والإنتخابية، جاءت قرارات اللجنة المركزية لحركة فتح، بالربط بين السطو على الرواتب، وقضية الإنقسام، واشتراط عودة حماس عن الإنقسام، كمقدمة للعودة عن قرارات السطو، لتؤكد أن مصدر القرار الأول، هو الرئاسة، وليس الحكومة، وأن قراراً كبيراً وخطيراً بحجم قرار السطو على الرواتب، ليس بإمكان الحمدلله أن يتخذه منفرداً، وأن موافقة اللجنة المركزية لفتح على القرار جاء ليغطي قرار الرئيس عباس الذي عملت على تنفيذه حكومة الحمد لله.

هنا بات علينا أن نطرح السؤال: ما علاقة السطو على الرواتب، بقضية الإنقسام، خاصة وأن الإنقسام بدأ يدخل عامه الحادي عشر، وكيف يمكن للسلطة التي تشكو النقص في التمويل، كما تدعي، أن تسد ثغرة التمويل هذه في حال استجابت حماس لشروط اللجنة المركزية لفتح لإنهاء الإنقسام، ولماذا الآن، والآن تحديداً، فُتح هذا الملف بهذا الشكل الفج، وما هي الإجراءات القاسية التي هدد الرئيس عباس باللجوء إليها في حال لم تستجب حماس لشروطه لإنهاء الإنقسام. [كما جاء في كلمته أمام سفراء فلسطين في اجتماعات المنامة في البحرين]. ولماذا القفز عن كل مبادرات إنهاء الإنقسام والآليات المقترحة في العديد  من جلسات الحوار، الثنائي والجماعي، والانتقال فوراً لوصف القطاع بأنه الاقليم المتمرد، وكذلك الانتقال فوراً إلى الشروط الحاسمة والتي لا نقاش فيها: حل اللجنة الإدارية لحركة حماس لإدارة شؤون القطاع، بسط سيادة ومسؤولية الحكومة على كامل مؤسسات السلطة دون أية عوائق، وتسليم المعابر، وخاصة معبر رفح، للحرس الرئاسي دون أية شروط. أسئلة عديدة عن مواقف وإجراءات برزت فجأة، في سياق سياسي بات واضح الملامح، وإن كانت رئاسة السلطة، وخلفها اللجنة المركزية لفتح، تحاول أن تموه عليه وتنشر حوله المزيد من موجات الضباب.

*      *      *

قد تكون حكومة السلطة تعاني عجزاً في الموازنة، قد يصل إلى حوالي 30% كما تقول بياناتها ومصادرها. لكن حصر قرارات الحسم والتخفيض، وإقتراحات التسريح المبكر للموظفين، في قطاع غزة، دون غيره، أمر يدعو إلى الشك في صحة النوايا، وفي حقيقة الإستهدافات. خاصة وأن ما سبق القرارات الجائرة هذه من تحركات من شأنه أن يساعد على إلقاء الضوء على حقيقة النوايا من قرارات السطو، وعلى حقيقة الإستهدافات.

فمنذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض، ومراكز الأبحاث الأميركية، التي من شأنها أن تسهم في رسم سياسات الإدارة الجديدة، وفي مقدمها معهد واشنطن، تدعو، في تقاريرها، إلى الضغط على السلطة الفلسطينية وفي إطار إعادة تأهيلها للدخول في عملية التسوية الجديدة في إطارها الإقليمي، الذي بات معروفاً، والذي يقوم على الفصل التام بين الضفة والقطاع، .. ووقف دفع رواتب الموظفين، وتوفير مصاريف الخدمات لقطاع غزة، لأن هذه الأمور تصب في خدمة حركة حماس. توصيات مراكز البحث الأميركية، تهدف إلى زيادة التعقيد، وزرع المزيد من العراقيل أمام حماس، للضغط عليها سياسياً في إطار التسوية الإقليمية. مثل هذه التوصيات وضعت الشعب في القطاع، وحركة حماس في سلة واحدة، وفرضت العقوبات على الشعب، بذريعة أنها تفرضه على حماس، وأطلقت النار على الشعب، بدعوى أنها تطلق النار على حماس.

هذا جانب لم يعد مخفياً، وقد صدرت مثل هذه الإقتراحات والتوصيات في أكثر من دراسة، خاصة للباحثين في معهد واشنطن دنيس روس وديفيد ماكوفسكي.

الجانب الآخر من المشهد يقول، حسب ما بات معروفاً ومكشوفاً، أن المبعوث الأميركي إلى المنطقة، جيسون غرينبلات، والذي إلتقى مطولاً الرئيس عباس ليبحث معه قضايا المفاوضات والتسوية، قدم له 9 طلبات، إعتبرها شروطاً ضرورية للتمهيد لإطلاق العملية التفاوضية.

من بين هذه الطلبات عدم اللجوء بعد الآن إلى المؤسسات الدولية في طرح القضية الفلسطينية [وهذا ما يفسر لماذا توقفت الجوقة الرسمية عن الحديث عن اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية، خاصة لبحث قضية الأسرى الذين يعلنون الآن إضراباً مفتوحاً عن الطعام]، ومن بين الطلبات هذه وقف التحريض ضد إسرائيل وضد الإحتلال. [وهذا ما يفسر الصوت المنخفض والمنخفض جداً للسلطة في دعم إضراب الأسرى]. وإلى جانب قضايا التنسيق والتعاون الأمني، وغيره من مستلزمات تغذية إتفاق أوسلو بعناصر الحياة، طرح غرينبلات ضرورة «وقف تدفق أموال السلطة إلى قطاع غزة» ، وأن أموال، السلطة التي ترسل إلى «القطاع المتمرد»، وعلى رأسه حماس، إنما تساهم في تغذية «الإرهاب».

كذلك طلب إليه إعادة النظر بنظام دفع رواتب ومخصصات شهرية لعائلات الشهداء، ولعائلات الأسرى، لأن هذا من شأنه أن يشجع على «الإرهاب». ومع ضرورة التنبه إلى أن مطالب غرينبلات المالية هذه، إنما وردت في كثير من الأحيان على لسان العديد من وزراء حكومة نتنياهو. وها هي تتحول إلى شروط أميركية مسبقة على السلطة أن تلتزمها إذا ما رغبت في أن يتواصل تمويلها من الجهات المانحة، وإذا ما رغبت أيضاً أن تبقى في إطار المعادلة السياسية الإقليمية، وفقاً لحسابات واشنطن وتل أبيب.

*      *     *

لم يعد مفيداً أن نتجاهل أننا بتنا بعد ربع قرن من مسيرة أوسلو، وبعد حوالي 12 سنة من رحيل الرئيس عرفات، أمام سلطة تقودها الشرائح العليا من البيروقراطية المتحالفة، إلى حد الإندماج تقريباً، مع الكومبرادور الفلسطيني، الذي يعتاش على تبعيته الإقتصادية لإسرائيل، والذي يرى في إستقرار الحالة الراهنة، مصلحة له، [لذلك يؤكد على الخيار السلمي، ويطارد نشطاء الإنتفاضة والمقاومة ويزج بهم في السجن بتعاون مع سلطات الإحتلال]

والذي في الوقت نفسه، لم يعد يتردد في تغليب مصالحه الفئوية على حساب المصالح الوطنية العليا، يبني لنفسه قاعدة إجتماعية، من المستفيدين من دوام السلطة، ويعمل على توسيع هذه القاعدة بالمزيد من الإغراءات المالية والإجتماعية بحيث يرتبط مصير هذه القاعدة بدوام السلطة وإستقرارها. ولعل هذا ما يفسر لماذا التطاول على رواتب غزة وحدها، وعدم المساس بمكاسب دوائر الضفة.

هذه السلطة لم تعد تملك القدرة على مقاومة الضغوط الأميركية والإسرائيلية، وهي باتت على إستعداد للذهاب بعيداً مع «نصائح» واشنطن، وضغوط تل أبيب. وبالتالي ليس من الممكن فصل قضية رواتب قطاع غزة عن دور الولايات المتحدة في تحضير المسرح الجديد، على المستوى الإقليمي، لإطلاق مفاوضات عربية ـــــــ إسرائيلية يكون فيها المفاوض الفلسطيني شاهد زور. وفي إطار تأهيله للعب هذا الدور، إندرجت قضية إعادة النظر بتوزيع أموال السلطة. وعلينا ألا نستغرب، في يوم ما، أن تلجأ السلطة إلى تخفيض تعويضات عائلات الشهداء والأسرى أو حتى تنقطع عن تسديدها بذريعة نقص الأموال.

هي ليست أزمة مالية فقط. بل هو «وحي يوحى». بلّغه إلى الرئيس عباس غرينبلات ومعهد واشنطن.