مع احتدام السجالات بين حركتي فتح وحماس وتبادل الاتهامات بين الطرفين، يبدو واضحاً أن ملف إنهاء الانقسام لا يزال رهين الحسابات الخاصة لكل منهما، بعيداً عن قرارات الحوارات الشاملة في محطاتها المتعاقبة.

يؤكد ذلك أن الشروط والمطالب التي يتمسك بها كل من الحركتين تعود في الأساس إلى استعصاءات تنفيذ بنود اتفاق الشاطئ الموقع بينهما في نيسان /أبريل من العام 2014، وما تبعها من تطورات مؤسفة وصلت مؤخراً إلى قيام حماس بتشكيل إدارتها الخاصة للقطاع، وقيام السلطة الفلسطينية بالخصم من رواتب موظفي غزة، وكلا الخطوتان بما أحدثتاه من أجواء الاحتقان مثلتا أضيق النوافذ التي يطل كل منهما على الآخر في سياق ما يحضر له من حوار بينهما.

الوقوف عند «اتفاق الشاطئ» وتجاهل قرارات الإجماع الوطني بشأن إنهاء الانقسام وتصويب الأوضاع الفلسطينية يضعف الأمل بإمكانية إحداث اختراق جدي نحو استعادة الوحدة، ويبقى الباب مفتوحاً لتطور السجالات الحاصلة باتجاه تعقيد حالة الانقسام أكثر.. فأكثر.

ومنذ توقيعه، حمل الاتفاق في ثنايا بنوده ألغاماً كثيرة ربطاً بإحالة عدد من الملفات إلى تفاهمات لاحقة بين الحركتين؛ أبرزها قضيتا الموظفين وتوحيد المؤسسات. ومع عدم حل القضية الأولى بات توحيد المؤسسات مؤجلاً وهو السبب الأساس في عدم تمكين حكومة الوفاق من ممارسة دورها في قطاع غزة، وبقيت حركة حماس المتحكم الوحيد في إدارة دفة الحكم هناك. ومع فشل اللقاءات المتكررة التي عقدت بعد توقيع الاتفاق، كان من الواضح أن السكة التي سارت عليها الحركتان لن توصل إلى إنهاء الانقسام، وأن الاتفاق المذكور لم يعني عملياً سوى «صفقة» فاشلة.

لذلك، بقيت الأمور على ما هي عليه، ولم تتحرك سوى بالاتجاه الأسوأ مع تصاعد التجاذبات بين الحركتين والوصول إلى حال من تبادل الاتهامات والتواعدات.

وبتعقيد الأوضاع أكثر مع تشكيل حماس إدارة خاصة للقطاع ورهانها على فرص أفضل جراء تحسن علاقاتها مع القاهرة بات من الصعب الحديث عن قيام حكومة الحمد لله بأي دور جدي تجاه غزة؛ ليأتي خصم رواتب موظفي السلطة في القطاع ليغلق الدائرة على واقع مؤهل للانفجار في حال استمراره؛ خاصة مع تفاقم المشاكل والأزمات التي يعانيها أهالي القطاع.

ضمن هذا المناخ يتوجه وفد «مركزية» حركة فتح إلى القطاع لإجراء نقاش مع «حماس» على أرضية الحديث عن «إجراءات حاسمة» تقوم بها السلطة في حال رفضت حركة حماس مبادرة الرئيس عباس التي تبدأ بحل إدارة القطاع وتمكين حكومة التوافق من عملها في القطاع. وبالمقابل شددت حركة حماس من شروطها بما يخص التزام الحكومة تجاه القطاع، وفهم من ذلك تقديم حل عملي لمعضلة موظفي الحركة.

يأتي ذلك في ظل التحرك الأميركي على جبهة التسوية في إطار إقليمي، وفي ظل شروط طرحتها إدارة ترامب على السلطة الفلسطينية والتي تتحدث عن قبول المفاوض الفلسطيني بمفاوضات «غير مشروطة»، في الوقت الذي تطرح فيه الإدارة الأميركية شروطاً معقدة وفي المقدمة عدم اعتراضه (المفاوض) على عدم التجميد الكامل للتوسع الاستيطاني والموافقة على البناء في المستوطنات، وإملاءات واشنطن على السلطة في وقف «أعمال العنف ضد إسرائيل». وفي السياق إعادة تأهيل أجهزة أمن السلطة لتخدم هذا الهدف.

يضاف إلى ذلك «التزام السلطة بوقف تحويل الأموال إلى قطاع غزة»، وهو الشرط الذي وضع خصم رواتب موظفي السلطة في غزة في سياق مختلف تماماً عما أعلنته حكومة الحمد الله من أن الخصومات كانت بسبب أزمة مالية تعانيها الحكومة.

وأمام هذه الشروط التي تسعى لتطويع الحالة الفلسطينية، ارتفعت الدعوات لإغلاق الطريق نحو التسوية التي طرحت عناوينها إدارة ترامب، والقطع معها، والالتفات بدلاً من ذلك إلى تصويب الأوضاع الفلسطينية والشروع بحل الأزمات المتراكمة بدءاً من الانقسام؛ وفتح الباب أمام إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتتضح مخاطر ما تطرحه إدارة ترامب حول التسوية من خلال وضعها في إطار إقليمي يمهد لتهميش القضية الفلسطينية وإعطاء الأولوية لحلول الأزمات التي تعصف بالمنطقة، وتقديم مسألة التطبيع مع الاحتلال وترسيمها بغض النظر عن مآلات الحل على الجبهة الفلسطينية.

وتتصاعد الخلافات بين حركتي فتح وحماس، في ظل تغول حكومة نتنياهو في سياستها التوسعية، خاصة مع «تفهم» إدارة ترامب للشروط الإسرائيلية بشأن استعادة المفاوضات والتي شدد فيها نتنياهو على ضرورة قبول المفاوض الفلسطيني بيهودية دولة إسرائيل والاعتراف بحدودها من البحر الميت إلى البحر الأبيض قبل دخول المفاوضات.

ومن الطبيعي القول، إن تقديم المصلحة الوطنية العليا على الحسابات الفئوية الخاصة هو ما يمكن من التقدم على سكة استعادة الوحدة خارج إطار الصفقات والاتفاقات الثنائية، والتزام قرارات الحوارات الوطنية الشاملة.

ولقد وقعت اتفاقات كثيرة مثلت الكل الفلسطيني، أبرزها مؤخراً قرارات اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني التي عقدت في كانون الثاني/يناير من العام الجاري وأهم قراراتها هو تشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة من جميع القوى والفصائل واستكمال أعمال اللجنة في التحضير لانتخاب مجلس وطني جديد والقطع مع الدعوات للعودة إلى المجلس القديم.

لقد شكل الارتداد عن قرارات الاجماع الوطني المعضلة الأكبر أمام تقدم العمل الوطني. وربما شكل التهرب من تنفيذ قرارات المجلس المركزي في دورته الأخيرة تعبيرا فاقعا عن هذه المعضلة، ليستمر التنسيق الأمني مع الاحتلال ويتعمق نقيضا لقرارات المجلس الذي دعا لوقفه مباشرة. ويستمر الرهان الفاشل على التسوية مع تجاهل شروطها وأسسها بدءا من المفاوضات التي أعقبت اتفاق أوسلو مرورا بالمبادرة الفرنسية التي طوي ملفها بعدما اتضح عقمها للمفاوض الفلسطيني وصولا إلى ما تطرحه ادارة ترامب من «صفقة» إقليمية على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.

 

 

 

لذلك،لا يمكن الخروج من الوضع المتردي الذي تعيشه الحالة الفلسطينية سوى بالعودة لقرارات الاجماع الوطني والتزام تنفيذها، ولن تؤدي الصفقات الثنائية سوى إلى المزيد من حقول الألغام.