إن تضحياتنا كفلسطينيين لم تُقدم واقعاً جديداً مُنذ نكبة 48, مما يعني أن آلاف الأرواح التي قُدمت فداء للوطن لم تُعد حقاً مسلوباً ولم تُفرج عن أسيراً مكلوماً, ولم تغير موقفاً دولياً تجاه قضيتنا كفلسطينيين, وهذه ليس مُدعاة للتهادن أو التهاون مع المُحتل, بل إنها فرصة لإعادة ترتيب الأمور في سياقها العقلاني لا العاطفي الاندفاعي الغير منطقي.

إن حربنا اليوم مع المُحتل صراع وقت وهوية, والهوية المتُجذرة في عبق الأرض لا يُمكن أن يمحوها احتلال مارق حتى وإن كان متُسلحاً بالأيدلوجيا والدين كسبب لبقائه وتعبئة أجياله القادمة, فما خبرناه من التاريخ وعلم السياسة, أن الدولة تمرُ في عِدة أطوار ولابُد أن تسقط, إما باسباب داخلية تتسبُ في انهيار المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, أو سبباً خارجياً يؤدي إلى تغير في النسق الدولي وتغير للفاعلين الدوليين والركائز المكونة للنظام الدولي. ولعلي في هذا السياق أُركز الحديث حول سبباً داخلياً يمكن أن يتسبب في انهيار دولة إسرائيل على اعتبار أنها دولة وتمتلك المقومات التي تجعلها شخصياً قانونيا قابلاً للحل والتقاضي في إطار العلاقات الدولية, حتى وإن كُنا نرفض ذلك المصطلح منحازين بفلسطينيتنا وهويتنا الوطنية.

إن الأجيال الإسرائيلية القادمة لا تمتلك القوة العقدية و الأيدلوجية التي تمتع بها أجدادهم القدامى من الحركة الصهيونية أمثال - ثيودور هرتزل - يسرائيل زانغويل .. , مما يعني ضعف في قوة الالتزام الايدولوجي حول الصراع العربي الاسرائيلي أو حدود دولة إسرائيل, فالطفل الناشئ اليوم لم يحارب ضد العرب ولم يأتي إلى فلسطين ليستوطن فيها, بل إنه وعلى حين غرة وجد نفسه في حيفا وعكا واللد والرملة مما يعني أن التزاماته تتركز حول مصيره الحياتي في الاطار الذي وجد نفسه فيه يعيش. ناهيك عن حالة الترث الذي تعيش فيها الاجيال الجديدة والتي لم تعاصر ماعاشه اجدادهم في أوروبا على وجه الخصوص إبان الحربين العالمية الأولى والثانية.

لا يمُكن إنكار أن الدول العربية وباقي دول العالم, تتعامل اليوم بأنانية الدولة القومية القُطرية أي أن المصالح القومية - قوميتها كدولة تحمل هوية وجنسية أي أن المقصود هنا القومية كشخصية قانونية لا دولة أممية شاملة يمكن أن تتسع لتشمل مجموعة من الدول تتمتع بميزات متشابهة كاللغة والدين والعادات,ونستذكر هُنا الطموح العربي القومي الذي تبناه جمال عبد الناصر. وهذا يتنافى مع الدولة القومية القانونية, وهذا الأمر سياسياً مُبرر في ظل الوضع الدولي والاقليمي الراهن, فكلُ دولة تسعى إلى تأمين مقدراتها القومية في ظل حالة التجاذب الدولي والمتغيرات الاقليمية, أي أن مِصر وإن اختلفنا معها انسانياً في تعاملها مع القضية الفلسطينية في الفترة الأخيرة, إلى أنه وفقاً لعلم السياسة هو مُبرر وحق لها كدولة تسعى إلى حماية نفسها وتأمين مصالحها النسبية, التي تحفظ بقائها واستمرارها, وهذه مُدعاة أيضاً لنا كفلسطينيين أن نتكاتف سوياً بعيداً عن أي أجندة خارجية تسعى إلى استغلال الظروف في تقسيم وبقاء الوضع على ماهيته, لأن دول العالم قرُبت أو بعدت تكاتفت أو قصرت, لايُحركها سوى آدمية المصالح واستراتيجيات البقاء والهيمنة لا انسانية المواقف أو توافق التاريخ والجغرافيا.