بقليل من الجهد، يمكن التيقن أن الدعوات لإستئناف المفاوضات الفلسطينية ــــــ الإسرائيلية، تحت الرعاية الأميركية، وكما يمهد لها مبعوث الإدارة الأميركية جيسون غرينبلات، ترافقها أجواء شديدة الضبابية، لا تخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية، فضلاً عن كون المفاوضات نفسها، لن تستعاد بالصيغ القديمة، باتت عديمة الجدوى، ولم تعد تشكل حلاً للقضية الوطنية الفلسطينية.

• فالأوضاع الفلسطينية الداخلية، تعيش حالة صاخبة على كل المستويات. فالشارع في الضفة والقطاع في حالة إحتجاج على السياسات المالية التي بدأت حكومة الحمدالله بإتخاذها بتوجيه من الرئيس عباس، فطالت لقمة عيش المواطن الذي لا دخل له سوى مرتبه الهزيل، والذي شكل في الوقت نفسه عنصراً رئيسياً من عناصر تحريك السوق في المناطق المحتلة، في ظل سياسة التبعية الإقتصادية التي تمارسها السلطة مع الإحتلال الإٍسرائيلي. وأسهم السلطة في هبوط شديد، حتى أن القاعدة الفتحاوية نفسها في غزة، إنحازت إلى الحراك الشعبي ضد سياسات حكومة رام الله، وبدلاً من أن تشكل قرارات اللجنة المركزية لحركة فتح إنقاذاً للوضع، أشارت إلى عمق الأزمة، وإلى إنحيازها لصالح سياسة الحكومة.

في الوقت نفسه تعيش الحكومة الفلسطينية أزمة مالية خانقة، إذ وصل العجز لديها إلى حوالي 30% من إجمالي موازنتها [أي ما يزيد على المليار دولار]. وهذا رقم ضخم بالنسبة لحكومة تعتاش على الضرائب وعلى مساعدات الجهات المانحة وعلى القروض من المصارف المحلية. وقد وصلت الأزمة إلى ذروتها فلا إمكانية لفرض المزيد من الضرائب [جرى التعويض عنها بالسطو على الرواتب] ولا إمكانية للمزيد من القروض المحلية، ولا قدرة في الوقت نفسه على سداد هذه القروض، مما يهدد ليس فقط بالعجز عن تسديد رواتب الموظفين [وهي الكتلة المالية الأضخم التي تحرك السوق في المناطق المحتلة] بل وكذلك بتعريض القطاع المصرفي المحلي لمخاطر عدة.

ولا نعتقد أن الأمر يقف عند حدود الجانب المالي. فأن تترك الجهات المانحة السلطة في أزمة مالية من هذا الحجم، ماهي إلا رسالة سياسية، تسبق زيارة الرئيس عباس إلى واشنطن، وتسبق «التفاهم» على آليات المؤتمر الإقليمي المعني بإستئناف العملية التفاوضية. وكلنا ندرك مخاطر أن يخوض رئيس السلطة نقاشاً مع الإدارة الأميركية وخلفه خزينة خاوية، وشارع مكتظ بالمحتجين، ووضع إقتصادي هش، ما يدعونا للقول إن الرئيس عباس يزور واشنطن في أكثر أوقاته تعقيداً، وفي أكثر ظروفه صعوبة، وفي ظل حاجة ماسة ليد تمتد إليه لإنقاذ سلطته من الإفلاس المالي، وإنقاذها من غضب الشارع.

ولا نعتقد أن يد الإنقاذ، أميركياً كانت أم أوروبية، أم حتى عربية، على إستعداد لأن تمتد مجاناً ودون شروط سياسية يفترض بالسلطة الفلسطينية أن تستجيب لها. وعلينا ألا ننسى تصريحات ترامب، الذي يدير السياسة كما يدير أعماله التجارية والعقارية، حين قال لأقرب حلفائه في أوروبا أن الولايات المتحدة لن تقدم بعد الآن خدماتها مجاناً. لكل شيء ثمنه. فكيف الحال مع رئيس السلطة الفلسطينية.

*    *    *

هذا جانب من المشهد.

الجانب الآخر يتمثل في الزيارات العربية [المصرية والأردنية والسعودية] إلى الولايات المتحدة عشية وبعيد إنعقاد القمة العربية على ضفاف البحر الميت.

وما كشفته الدوائر السياسية والصحافة الأميركية والعبرية، وأكدته مصادر عربية رفيعة، أن النقاش في واشنطن تناول صيغة بديلة للعملية التفاوضية، من شأنها أن تقود إلى شكل من التطبيع العربي ـــــ الإسرائيلي، قبل الوصول إلى حل سياسي للقضية الفلسطينية. فالحديث يدور عن مؤتمر إقليمي تحضره إلى جانب السلطة الفلسطينية وإسرائيل، كل من مصر والأردن العربية السعودية والإمارات العربية، والمغرب. ولا يستبعد كذلك أن تحضره الدوحة. ويدور الحديث عن تركيا وعدد من الدول الأوروبية. قد يشكل هذا المؤتمر في مظهره الخارجي شبيهاً لمؤتمر أنابوليس الذي دعا له الرئيس بوش الأبن في خريف العام 2007، لكنه في آلياته سيكون مختلفاً إذ سيكون معنياً بفتح قنوات بين إسرائيل والعواصم العربية المشاركة، للبحث في «صفقة سلام».

والحديث عن السلام هنا تجاوز «حل الدولتين»، ليس لأنه لا يخدم الحقوق والمصالح الوطنية والقومية الفلسطينية، بل لأنه لا ينال موافقة إسرائيل، والبحث سيدور في الإطار الإقليمي، وبحيث تكون الأردن ومصر شركاء في الحل بصيغة أو بأخرى، ما يمكن إسرائيل من تجاوز قيام دولة فلسطينية إلى جانبها تتمتع بالسيادة، وما يسهل على إسرائيل في الوقت نفسه الإحتفاظ بالمناطق التي تراها إستراتيجية في الضفة الفلسطينية، في المجال الأمني، والمجال الإستيطاني، وما يسمح لإسرائيل في الوقت نفسه أن تطبع علاقاتها مع المنطقة العربية، على خلفية الحل الإقليمي «للصراع» معها.

ومن يتابع جولات وإتصالات غرينبلات الإقليمية سيلاحظ أن الرجل، وبدعوى أنه لا يحمل أفكاراً جاهزة للحل، [على خطى الرئيس ترامب الذي صرح بالشيء نفسه] أخذ يتبنى الإقتراحات الإسرائيلية، منطلقاً من ذات المبادئ الأمريكية السابقة، والتي تقول إن أي حل يجب أن يضمن المصالح الإسرائيلية كاملة، دون الإلتفات إلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ودون أدنى إحترام لقرارات الشرعية الدولية. ولعلّ أقصى ما تقدمه الإدارات الأميركية للفلسطينيين هو حديثها عن حقهم في العيش بأمان وبكرامة.

*       *      *

العيش بأمان وكرامة، وليس وصولاً إلى دولة مستقلة كاملة السيادة كما ينص على ذلك القانون الدولي، هو محور مباحثات غرينبلات مع الحكومة الإسرائيلية. ولقد كشفت الصحافة العبرية أن مجمل هذه المباحثات تمحورت حول جانب واحد، هو الجانب الإقتصادي في العلاقة مع الفلسطينيين. ما أعاد للحياة مشروع نتنياهو للحل الإقتصادي، الذي يدعي أن مشكلة الفلسطينيين ليست في إحتلال إسرائيل لأرضهم، بل تكمن مشكلتهم في توفير مصادر معيشة ترفع من مستواهم الحياتي وتوفر لهم عناصر الهدؤ والإستقرار.

اللافت في الأمر أن هذا النقاش دار في إطار «الحل الإقليمي»، وليس، في إطار حل ثنائي. إذ بحث الطرفان مشاريع لمد خطوط سكة حديد، وطرق سريعة مع الدول العربية المجاورة تمتد عبرها إلى العمق العربي، وبحيث ترتبط إسرائيل بالمنطقة العربية بشبكة من طرق المواصلات المختلفة، ما يعزز العلاقات الإقتصادية ويشجع على السياحة والتبادل التجاري والإستثمار المتبادل.

ولقد كان ملحوظاً أن الجانب الإسرائيلي قدم للمبعوث الأمريكي سلسلة مشاريع خاصة بقطاع غزة، تتعلق بالأوضاع البيئية، وتوفير مياه الشرب، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وبناء جزيرة قرب الشاطئ الفلسطيني تكون مرفأ للقطاع، ومكاناً لخزانات الوقود، توفيراً لحاجات القطاع، ولتوليد الطاقة الكهربائية. كما تم بحث آليات مشتركة مصرية ـــــــ إسرائيلية، لتخفيف إجراءات الحصار عن القطاع، وتنظيم الحركة منه وإليه، للأفراد، وللحركة الإقتصادية.

كل هذا يدل على أن الأجواء الإقليمية تحمل في طياتها إشارات واضحة تقود إلى الإستنتاجات التالية:

• لم تتأخر الإدارة الأميركية في فتح الملف الفلسطيني الإسرائيلي، والبحث في إمكانية إطلاق عملية تفاوضية جديدة.

• العملية التفاوضية، كما تدرس الولايات المتحدة هندستها، تختلف عن العمليات السابقة، إذ إنتقلت من المفاوضات الثنائية المباشرة إلى المفاوضات الإقليمية، العربية ـــــ لإسرائيلية.

• مسار الحل الأميركي الجديد، يسير في إتجاهين متوازيين. خطوات في تطبيع العلاقات العربية ــــــــ الإسرائيلية، توازيها خطوات في الوصول إلى «حل» للقضية الفلسطينية.

• «الحل» الفلسطيني، جوهره إقتصادي، وهو يشكل جسراً نحو التطبيع الإقتصادي للعلاقات العربية ــــــ الإسرائيلية.

• كل هذا يدور في غياب أي حديث عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، يحل محله حديث عن كيان فلسطين غامض، هو أقل من دولة، وأوسع من حكم إداري ذاتي محدود. ما يعيدنا إلى مشاريع نتنياهو الإقتصادية والسياسية.

هذا هو الجو الذي يرافق زيارة الرئيس عباس إلى واشنطن، وهذا هو الجو الذي يمهد لمبادرة أميركية لإستئناف المفاوضات.

فأية مصلحة فلسطينية في هذا كله؟ وإلى متى الرهان على المفاوضات تحت الرعاية الأميركية بإعتبارها الخيار السياسي الوحيد؟