ودعت الأوساط الثقافية الفلسطينية الشاعر الكبير أحمد دحبور، الذي توفي في رام الله يوم السبت (8/4)، بعد معاناة طويلة مع المرض.

وكان الشاعر الراحل قد نقل إلى مستشفى في القدس، في حزيران الماضي، وذلك بعد تعرضه لوعكة صحية أدت إلى تدهور في حالته.

ودحبور هو أحد أعمدة الثقافة الفلسطينية، ولد في حيفا عام 1946، ونشأ ودرس في مخيم حمص للاجئين الفلسطينيين في سورية، بعد أن هاجرت عائلته إلى لبنان في نكبة عام 1948 ثم إلى سورية. لم يتلق دحبور تعليما أساسيا كافيا لكنه قارئا نهما وتواقا للمعرفة، فصقل موهبته الشعرية بقراءة عيون الشعر العربي قديمة وحديثة.

وكرس دحبور حياته للتعبير عن التجربة الفلسطينية المريرة، وحاز على جائزة توفيق زياد في الشعر عام 1998، ويذكر أنه كتب العديد من أشعار فرقة الأغاني الشعبية الفلسطينية «العاشقين».

وبعد أن عاد إلى الأراضي الفلسطينية عمل مديرا لتحرير مجلة «لوتس» حتى 1988، ومديرا عاما لدائرة الثقافة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وكان عضوا باتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، كما أقام عدة سنوات في غزة وشغل منصب وكيل وزارة الثقافة.

 

 

وأصدر دحبور العديد من الدواوين الشعرية من أشهرها: «الضواري وعيون الأطفال» و«حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«شهادة بالأصابع الخمس» و«كسور عشرية».  

ولا تزال الكثير من الأغنيات التي كتب كلماتها تتردد في العديد من المناسبات الوطنية ومنها: «اشهد يا عالم» و«عوفر والمسكوبية» و«والله لأزرعك بالدار» و«يا بنت قولي لأمك» و«غزة والضفة» و«صبرا وشاتيلا» وغيرها.

ونعت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الشاعر الكبير، وقالت في بيان لها: «بمزيد من الأسى والمرارة والحزن العميق، تنعي الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى شعبنا المكافح، رحيل الشاعر العربي الكبير أحمد دحبور، بعد رحلة نضال طويلة كرس فيها الكلمة والشعر في خدمة شعبه وقضيته الوطنية».

وقالت الجبهة: «إن دحبور شكل نموذجا متقدما للمثقف الثوري الذي ربط مصيره الشخصي بمصير شعبه، فكرس قلمه وفكره وشعره في خدمة القضية واحتل في فضاء الثقافة الفلسطينية والعربية موقعا متقدما ومميزا، وصارت قصائده على كل لسان، حتى أنها تحولت إلى أغان شعبية تردد في المهرجانات والمسيرات والمناسبات الوطنية».

وأضافت الجبهة: «إن رحيل دحبور سوف يترك في عالم الثقافة الفلسطينية والعربية فراغا، لكن أشعاره ستبقى خالدة في الذاكرة، يرددها أبناء فلسطين ويتوارثونها باعتبارها جزءا من تراثنا الوطني».

وختمت الجبهة بيانها بتقديم التعازي إلى شعبنا الفلسطيني، برحيل واحد من كبار مثقفيه، مؤكدة قناعتها أن الشعب الفلسطيني وفي إطار معركته الوطنية والقومية، ضد الاحتلال والمشروع الصهيوني، سيبقى على الدوام يصنع ثقافته الوطنية على يد أجيال المثقفين الذين كان دحبور واحدا من كبارهم.

ونعت وزارة الثقافة في السلطة الفلسطينية الشاعر أحمد دحبور ووصفته بـ «شاعر فلسطين الكبير وأحد أعمدتها الوطنية والثقافية والأدبية».

وتقدمت الوزارة بخالص العزاء والمواساة من عائلة الفقيد وأصدقائه ومن جموع الشعراء والأدباء والمثقفين الفلسطينيين والعرب.

وقالت، في بيان، إن «رحيل الشاعر والمناضل دحبور يمثل خسارة كبيرة للحركة الوطنية والثقافية الفلسطينية، حيث سخّر الشاعر حياته لخدمة القضايا الوطنية، وجسد أروع صور الانتماء للأرض والقضية، وقدم على مدار سنوات طويلة تجربة شعرية وثقافية راسخة ومتميزة ساهمت في نقل القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية».

وأضافت الوزارة أن «الشاعر دحبور من رواد الشعراء الفلسطينيين الذين حفروا بصمات واضحة في الأدب الفلسطيني بشكل عام، وشعر المقاومة على وجه الخصوص، وعبّرت كتاباته وإنتاجاته الأدبية بعمق عن تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه ومقدساته، وصموده الأسطوري على أرضه في وجه أعتى براثن الوحشية والاستبداد والاستعمار».

ونعى الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين 48 الشاعر الراحل، وجاء في بيان صادر عن الاتحاد: «بمزيد من الحزن والأسى، ينعي الاتحاد العام لكتاب العرب الفلسطينيين 48، الشاعر العربي الفلسطيني الكبير أحمد دحبور، أحد رموز شعر المقاومة الفلسطينية، وأحد أهم قاماتها وأعمدتها، وبرحيل الشاعر يفقد المشهد الأدبي والثقافي العربي والفلسطيني، قامة إبداعية عالية، ورمزا وطنيا... ساهم في إعلاء شأن القضية الفلسطينية التي تميّزت بالرّوح الثقافية التي ساهمت بترسيخ قيم الحرية والتحرّر والمقاومة والكفاح لتثبيت الحق الضائع، وحفظ الذاكرة الوطنية، وتعميق الرؤية الحاضرة والمتطلّعة إلى بناء المستقبل رغم كوارث الماضي ومآسي الحاضر، وتثبيت البوصلة التي تشير دوما إلى فلسطين، وتثبيت اللحمة  بين أبناء الشعب الفلسطيني المتجزّئ جغرافيا، المتوحد تاريخيا وتطلعا وكفاحا».

وأضاف الاتحاد في بيانه أن «أحمد دحبور ابن أجمل مدن فلسطين التاريخية حيفا وعاشقها، تهجّر منها مع عائلته عام 1948، لكنها لم تهجره طوال حياته المفعمة بعشق الوطن والمواقف الوطنية المتقدمة، والكتابة بحبر الدم وياسمينه».

كما نعى الشاعر الراحل عدد كبير من المثقفين والفنانين الفلسطينيين والعرب، فقال الكاتب الفلسطيني يوسف الشايب: «رحل عود اللوز الأخضر، وبقيت الدار، والأشعار، والكلمات العالقة في حناجر (العاشقين)، فشهد العالم (علينا وع بيروت).. لتودع فلسطين بأكلمها (النسر اللي سافر). رحل الشاعر أحمد دحبور، ورحل معه جزء كبير من الذاكرة الجمعية، والفردية للكثيرين، ففاجعة رحيله التي جاءت في الذكرى التاسعة والستين لمجزرة دير ياسين، لن تمحوه من قلوب الكثيرين».

الروائي يحيى يخلف كتب: «رفيق الدرب ورفيق العمر .. شاعر الثورة وحادي الركب، وكاتب القصيدة والنشيد.. قصائده تحولت إلى أيقونات في الذاكرة الجمعية.. كتب أغاني الثورة وأغاني العاشقين، ورافق المسيرة ومنعطفاتها، وساهم في العمل النقابي والعمل السياسي والإعلامي والثقافي وترك تراثا من دواوين الشعر ومقالات ودراسات وأناشيد وأغان.. برحيل أحمد دحبور (أبو يسار) نفقد قامة أدبية وإنسانية عز نظيرها. نفقد أخا وصديقا ومبدعا وإنسانا نزيها. وتفقد الحركة الثقافية الفلسطينية والعربية أحد عمالقتها ورموزها».

بينما كتب الشاعر غسان زقطان: «الشاعر الكبير والصديق أحمد دحبور، وداعا.. ها أنت ترحل خفيفا كغيمة دون أن تخسر لفتة من وسامتك.. يا لَحزن حيفا ويا لحزن حمص».

الشاعر المغربي طه عدنان، كتب مستذكرا محطات جمعته بالشاعر الكبير: «التقينا أول مرة في مهرجان السنديان بسورية عام 2010... جئتَ من حمص إلى الملاجة متعَبا... وكنتُ أغنّي من أشعارك... بدوتَ مستغربا من هذا المغربي الذي يحفظ أغاني العاشقين الفلسطينية.. ثمّ تجدّد اللقاء في فلسطين في أواخر 2012 بداية 2013.. كان لقاء خاطفا بإحدى مقاهي رام الله.. لم يتجدّد، إلى أن خطفك الموت.. وأنتَ القائل: (في كل بيت عرس ودمعتان). في كل بيوت فلسطين اليوم دمعتان تشيّعان الشاعر إلى مثواه الأخير/ ميلاده الجديد. لولا أنّ ميعادنا في القدس تأخّر... وقد عانينا مريرا. فوداعا أبا يسار... وداعا أيها الولد الفلسطيني».