تجاوز رئيس حكومة السلطة الفلسطينية، د. رامي الحمد الله جميع تصريحاته بشأن خصومات رواتب موظفي غزة ومبرراتها، عندما أوضح أن الرواتب ستعود كما كانت في حال استجابت حركة حماس لمبادرة الرئيس عباس.

أحد أسباب الخصومات، إذاً، خلق حالة ضاغطة على «حماس» بما يكفي لتفاعلها مع مطلب حل اللجنة الإدارية التي شكلتها الحركة لإدارة القطاع والسماح بعودة الموظفين وتسليم المعابر والوزارات وتمكين الحكومة من العمل.

ومع التأكيد على أن تراجع «حماس» عن إجراءاتها الأخيرة بشأن غزة مطلب وطني عام، إلا أن الحكومة أخطأت كثيراً عندما استخدمت لقمة عيش عشرات آلاف الموظفين لتوجيه مثل هذه الرسالة «الضاغطة».

والحكومة بذلك، خلقت فرصة مشروعة أمام الكثيرين كي يتساءلوا عما إذا كان تخفيض الرواتب جزءاً من تنفيذ شروط المبعوث الأميركي غرينبلات «لتأهيل» السلطة والحالة الفلسطينية على عتبة إطلاق آليات تنفيذ «صفقة» ترامب الإقليمية، ومن ضمن هذه الشروط التوقف عن «ضخ» الأموال إلى قطاع غزة.

عندما قالت حكومة السلطة بأنها اضطرت للخصومات بسبب نقص التمويل، كان من السهل مواجهة ذلك بالقول إن أية إجراءات للتقشف، ينبغي أن تمس الجميع وفي المقدمة كبار الموظفين في كل من الضفة وغزة على حد سواء. وكان الرد محقاً لأن حصر الخصومات في قطاع غزة تحت حجة عدم دوام الموظفين المستهدفين غير منطقي، باعتبارهم ضحايا حالة معقدة خلقها واقع الانقسام واستمراره.

لذلك، وجد الكثيرون من موظفي غزة وفي المقدمة أعضاء «فتح» كحزب للسلطة في مواجهة إجراءات حكومة الحمدالله. وباتوا بين ناري الإفقار ونقمة عموم الموظفين وأسرهم. وكان من الطبيعي أن تسعى قيادة الحركة في القطاع إلى احتواء الأزمة عبر نداءاتهم ومطالباتهم بالتراجع عن الإجراءات، مع  إدراكهم للأسباب الكامنة وراء إصدار قرار الخصومات وتوقيته.

حتى الآن، جميع ردات الفعل صبت بالأساس ضد الحكومة وقيادة السلطة التي لم تتمكن من متابعة تفاعلات القرار بالمسار الذي يخدم الضغط على حركة حماس، بعدما طلب أعضاء من اللجنة المركزية لحركة فتح اجتماعاً عاجلاً للجنة وقدموا له بتصريحات معلنة ضد القرار. لذلك سيجد وفد الحركة إلى غزة للتباحث مع «حماس» نفسه أمام تفاعلات متعددة الاتجاهات.

حركة حماس بدورها تدرك أن الخصومات على الرواتب ستخلق أمامها مصاعب إضافية عما تعانيه الحركة في إدارة شؤون القطاع وقد أثبت فشلها الذريع في ذلك. وقد سعت في الفترة الأخيرة إلى اتخاذ إجراءات رأت بأنها ضاغطة على رام الله من خلال تشكيل لجنة خاصة بها لإدارة القطاع متكئة إلى مسار علاقاتها مع القاهرة الذي اتجه مؤخراً نحو الانفراج بين الجانبين. وإلى جانب ذلك، نشطت في محاولة ابتكار أطر تنظيمية موازية لمؤسسات في منظمة التحرير، وربما يشكل مؤتمر استانبول لفلسطينيي الشتات نموذجاً لذلك النشاط؛ وهي محاولة واضحة لتظهير نفسها مقابلاً كاملاً لحركة فتح يتجاوز تأثيرها حدود قطاع غزة الذي تسيطر عليه مباشرة؛ وهي أيضاً كانت بمعرض خلق وقائع جديدة تفاوض على التراجع عنها مقابل تحقيق ما لم تستطع في الفترة السابقة.

ما بين الضغطين المتقابلين اللذين تمارسهما حركتا فتح وحماس تجاه بعضهما البعض، تتعرض مصالح الفلسطينيين للضرر البالغ سياسياً واقتصادياً، وسيزداد الأمر سوءاً مع كل توجه نحو عقد صفقة بين الطرفين لأنها محكومة بشرط ظرفي أكثر من ارتباطها بالاستجابة للمصلحة الوطنية العليا وتنفيذ قرارات الحوارات الشاملة بخصوص إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

وقبل أن تنشأ «أزمة الرواتب» المفتعلة، تم التأكيد على ضرورة اعتماد سياسات اقتصادية اجتماعية جديدة، توجه الانفاق وترشده، واتخاذ إجراءات حاسمة لوقف الهدر ومحاربة الفساد الإداري والمالي ومحاسبة مرتكبيه، وتوجيه النشاط الاقتصادي بما يخدم صمود المجتمع الفلسطيني في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية الجائرة واستمرار تل أبيب في التحكم بالاقتصاد الفلسطيني واتجاهات نشاطه.

ولقد كشفت «أزمة الرواتب» أن السلطة تسير بسياساتها المالية والإدارية في الاتجاه المعاكس. ولا تزال تواصل خلق الأزمات بدلاً من الانفتاح على عموم الحالة الفلسطينية لإيجاد حلول لجميع الأزمات المتراكمة والمتفاقمة.

ما يزيد من القلق تجاه الاستمرار بهذه السياسة، دخول الإدارة الأميركية الجديدة على خط التسوية وفق تقاطعات وتوافقات واسعة مع حكومة نتنياهو تجاه مآلات التسوية عبر الـ«الصفقة» الإقليمية، وما حمله المبعوث الأميركي غرينبلات في جعبته من شروط «تأهيل» السلطة والحالة الفلسطينية كي تنسجم مع متطلبات هذه «الصفقة».

ومن الواضح أن كلاً من واشنطن وتل أبيب تجدان في استمرار الانقسام الفلسطيني مناخاً نموذجياً كي تستطيعا وضع المفاوض الفلسطيني في المكان الذي تريدانه، والعمل على إضعافه أكثر فأكثر عبر دفعه إلى مواجهات مع مكونات الحالة الفلسطينية ولا يقتصر الأمر على الإجراءات تجاه غزة والطلب المباشر بعدم تحويل الأموال للقطاع.

وفي حال انجرار المفاوض الفلسطيني في هذا الاتجاه فسيجد نفسه غارقاً في تداعيات أزمات وطنية جديدة تزيد من تهميش القضية الفلسطينية وإعطاء الأولوية للمصالح الإقليمية عبر البحث في تسويات للأزمات المشتعلة في المنطقة.

ومن نافل القول، إن قطع الطريق على هذه الاحتمالات الكارثية يبدأ بالنظر إلى موضوعة استعادة الوحدة من الزاوية الوطنية التي تستحق. فالمسألة لا تحتمل المناورة على مصالح الناس ولقمة عيشهم، ولا تحتمل الإيغال في السياسات الفئوية والرهانات الإقليمية والدولية، والأمر متصل بطرفي الانقسام معاً.

فقرارات الإجماع الوطني واضحة وماثلة. بدءاً من قرارات الحوارات الوطنية الشاملة بخصوص إنهاء الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية؛ وقرارات المجلس المركزي الفلسطيني في دورته الأخيرة وخاصة ما يتصل بتصويب العلاقة الرسمية مع الاحتلال وإنهاء التنسيق الأمني معه، وإرساء العملية السياسية على أسس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وعلى نحو خاص القرار 194 الذي يكفل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها.

من دون ذلك، ستجد توافقات واشنطن ــ تل أبيب طريقها للتنفيذ على الأرض، وسيستمر تظهير قضايا الإقليم على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

كل ذلك برسم الحالة الفلسطينية.. وفي المقدمة طرفا الانقسام.