مؤشرات كثيرة تدل على أن واشنطن تسعى لتحقيق «صفقة» إقليمية تشمل حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وفق مقاربة جديدة للتسوية أساسها التفاهمات الأميركية ـ الإسرائيلية حول عدد واسع من القضايا الأساسية في هذا الصراع.

وعلى الرغم من أن قرارات قمة «البحر الميت» العربية أوحت بأن الموقف الرسمي العربي متمسك بقرارات القمم السابقة حول الصراع ومنها المبادرة العربية التي صدرت العام 2002 في قمة بيروت، إلا أن انخراط عدد من العواصم العربية في نقاش عناصر الصفقة الأميركية يدل بوضوح على أن المسعى الأميركي يلقى تأييداً من عدد واسع من الدول العربية ذات التماس مع القضية الفلسطينية وتداعيات الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

في إطار الصفقة هذه، يفترض استئناف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ضمن المقاربة الجديدة التي تستند إلى الموقف الأميركي القائل بأن المستوطنات لا تشكل عائقاً أمام «السلام» ودون تحديد هدف هذه المفاوضات بعد أن تخلت واشنطن في ظل الإدارة الجديدة عن التمسك بـ «حل الدولتين».

يمكن القول إن الفكرة الأميركية بحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي عبر مؤتمر إقليمي، هي امتداد لما تم العمل به في ظل الإدارة الأميركية السابقة، وكانت القمة غير المعلن عنها في حينها (شباط/2016) في مدينة العقبة الأردنية إحدى محاولات واشنطن لتطبيق هذه الفكرة.

ومن الواضح أن حل الصراع في إطار مؤتمر إقليمي بحضور إسرائيل ودول عربية يعني انقلاباً في أولويات الأجندة الدولية ـ العربية تجاه الحل، إذ تبدأ بالتطبيع الرسمي العربي مع الاحتلال وتتجه نحو بحث الملف الفلسطيني بعد فك ارتباطه مع الإسناد العربي المفترض في مواجهة الشروط والضغوط الأميركية الإسرائيلية، وحمل المفاوض الفلسطيني على القبول بما لم يستطع قبوله في الجولات التفاوضية السابقة.

والمؤتمر الإقليمي المذكور يعني أيضاً أن الاتجاه الذي تدفع نحوه واشنطن في تعاملها مع الأزمات العربية المشتعلة سيلقي بظلاله الثقيلة على مسار البحث في مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وسيجد أي طرف عربي مشارك في هذا المؤتمر نفسه أمام مقايضات ما بين الملفات الكثيرة المطروحة على الطاولة وتحتها، وليس مستغرباً أن يكون التنازل في الموضوع الفلسطيني هو الأقرب في الممارسة السياسية مقابل اقتراب واشنطن من رؤية بعض الأطراف العربية لمسار الأحداث التي تعصف بالمنطقة، وضمن هذا الوضع، وعلى أساس الموقف الأميركي المقترب جداً من تل أبيب، ستكون المفاوضات في حال استئنافها كارثة على مستقبل الحقوق الوطنية الفلسطينية.

ويعني المؤتمر الإقليمي بالأساس، إقصاء مرجعية الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة عن مسار حل الصراع، وبالتالي ستتحول مرجعيتها إلى محصلة المواقف غير الفلسطينية المشاركة في المؤتمر. ومن الطبيعي أن يكون التوافق الأميركي ـ الإسرائيلي هو العنصر الموجه لمسار الحل ومآل المفاوضات؛ وهو واضح منذ الآن مع إقصاء هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من حزيران /يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. ومن أبرز القرارات التي تم إقصائها في المفاوضات السابقة واللاحقة (إن استئنفت) هو القرار 194 الذي يكفل للاجئين الفلسطينيين عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها، والقرار الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة خريف العام 2012 واعترفت بموجبه بفلسطين دولة تحت الاحتلال بعاصمتها القدس الشرقية ووفق الحدود التي سبق ذكرها.

لقد أعلنت إدارة ترامب وعلى لسانه مسبقاً أنها ستقبل بالحل الذي يرضى به الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني، رافضاً الحديث عن رؤية أميركية محددة تجاه سبل حل الصراع وهدف عملية التسوية في حال استئنافها. وبذلك ترك الأمر لموازين القوى على الأرض ضمن الاختلال الهائل في منسوبها بين دولة الاحتلال والشعب الفلسطيني الواقع تحت هذا الاحتلال.

لكن هناك مؤشرات تدل على أن إدارة ترامب لا تعترض مبدئياً على خطة «السلام الاقتصادي» التي أطلقها منذ سنوات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقد نقلت وسائل الإعلام مؤخراً الطلب الأميركي من نتنياهو بتقديم حوافز اقتصادية للفلسطينيين كي ينشدوا إلى مسار التفاوض مجدداً.

والخطة تقوم بالأساس على إلغاء المسار السياسي الجوهري الذي يتصل بحق الشعب الفلسطيني إقامة دولته، لأن البحث في قيامها مستقلة يعني البحث في مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة برمتها، وهو أمر مرفوض تماماً من قبل تل أبيب التي عملت منذ انطلاق التسوية ومازالت تعمل على جعل المناطق التي تقع تحت ولاية السلطة الفلسطينية وفق قاعدة «سكان أكثر.. أرض أقل». وعندما تشدد كل من واشنطن وتل أبيب على قيام كيان فلسطيني منزوع السلاح فهذا يعني حكماً أن الولاية الأمنية بكل ما تعنيه من استمرار للسيطرة العسكرية المباشرة وغير المباشرة ستكون حصراً بيد تل أبيب وقد أعلن ذلك نتنياهو بوضوح مرات عدة، وإذا ربطنا بذلك المقاربة «الجديدة» للاستيطان والتعامل معه كأمر واقع من قبل واشنطن وغيرها، فإن نحو نصف مساحة الضفة الفلسطينية ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية بمختلف أشكالها، وبالتالي القطع مع إمكانية قيام الدولة المستقلة على جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان العام 1967.

معظم المراقبين رأوا أن قبول المفاوض الفلسطيني باستئناف المفاوضات ضمن المؤشرات والمعطيات المذكورة سابقاً سيكون بمثابة انتحار ودخول في فخ محكم يضعه أمام ضغوط شديدة للقيام بتنازلات تمس الحقوق الفلسطينية.

يمكن القول إن البحث في إحياء التسوية دون الالتفات قبلاً إلى الأوضاع الداخلية ومعالجة الأزمات الفلسطينية المركبة والمتراكمة سيكون خطأً فادحاً. والطريق السليم أمام الحالة الفلسطينية هو العودة إلى قرارات الإجماع الوطني ومباشرة تنفيذها بدءاً من قرارات المجلس المركزي في دورته الأخيرة وقرارات الحوارات الوطنية الشاملة من أجل إنهاء الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية.

هذا فقط سيحمي الحالة السياسية والشعبية الفلسطينية، ويمكّن الفلسطينيين من فرض وجودهم كعامل أساسي في المعادلات الإقليمية، وبالتالي يفرض البحث في تسوية تستجيب للحقوق الوطنية ولا تتجاوزها كما هو جار في هذه الأيام خلال البحث في «الصفقة الإقليمية».