يرى القائمون على المشروع الصهيوني أن مهام كثيرة لا تزال برسم التنفيذ طالما هناك أراضٍ بحوزة الفلسطينيين. ونظروا إلى امتلاكهم الضفة وقطاع غزة، بعدما احتلوه من فلسطين، كمدخل «ضروري» لنهب ما تبقى من الأرض الفلسطينية عبر استعمار المستوطنين وتوسيع رقعة وجودهم.

والأمر كذلك بالنسبة لهم في أراضي الـ48، وإن كانوا قد استولوا على كل شيء من خلال تشريد أصحاب الأرض والتضييق على ما تبقى منهم من خلال قوانين وتشريعات وإجراءات ميدانية تؤكد أن النكبة الفلسطينية لم تنته فصولها.

وحتى يكتمل «انجازهم»، جهدوا وحلفاؤهم من أجل إغلاق باب عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها، وكان ذلك واضحاً من خلال شطب مرجعية قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وخاصة القرار 194 من أسس التسوية وقواعدها منذ انطلاقها بعيد توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993.

ومنذ ذلك الوقت، كان «بلدوزر» الاستيطان يشق طريقه بسرعة قياسية، فيما بقي قطار التسوية ينفث الكثير من الدخان دون أن يغادر محطة الانطلاق.

في الثلاثين من آذار /مارس 1976 توج الفلسطينيون احتجاجاتهم على مصادرة أراضيهم بإضراب عام. بعد نحو سنة من إطلاق مشروع تهويد الجليل تحت يافطة «تطويره»، ومن خلاله تم مصادرة 21 ألف دونم من أراضي عرابة وسخنين ودير حنا وعرب السواعد وغيرها من مدن الجليل.

تلك المواجهة شكلت انعطافة مهمة في دور فلسطيني الـ48 في مواجهة محاولات تجريدهم مما تبقى لهم من أراض وممتلكات، كما شكلت مقدمة لتراجع قدرة الأحزاب الصهيونية على استقطاب الصوت الانتخابي الفلسطيني لصالحها عبر قوائم «عربية» ملحقة بها، لتبدأ الأحزاب والأطر العربية بالظهور والتبلور حتى وصلت اليوم إلى احتلال مساحة بارزة وواضحة في المشهد السياسي الإسرائيلي من خلال تشكيل القائمة العربية الموحدة وعبر برنامج يتقاطع عند رفض التهميش والعنصرية والدفاع عن حقوق الفلسطينيين وممتلكاتهم.

إلى جانب ذلك، مثل يوم الأرض وحدة المواجهة في كل من أراضي الـ48 والأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967، بكل ما يعنيه هذا من تأكيد وحدة الشعب وتكامل حقوقه وبالتالي أهدافه الوطنية في الحفاظ على هوية الأرض والدفاع عنها ومواصلة النضال من أجل استردادها بتجسيد الاستقلال والعودة.

في الضفة، وجد الاحتلال نفسه أمام وجود ديمغرافي فلسطيني ثابت ومتنام، فبدأ مشروعه التوسعي عبر التسلل الاستيطاني تحت ادعاءات أمنية وقام بالاستيلاء على مساحات كبيرة من الأراضي بدعوى عدم ملكيتها من قبل أحد، واعتبر نفسه «وريثاً» للأراضي الأميرية والمسجلة في خانة الأملاك العامة.

ونشر مستوطنيه في القدس وسائر أنحاء الضفة عبر خريطة تلبي أهدافه التوسعية والأمنية، ونشط في ذلك مع بدء الحديث عن تسوية سياسية تبحث مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة في أحد ملاحق اتفاقية «كامب ديفيد» بين مصر وإسرائيل منتصف سبعينيات القرن الماضي.

بالمقابل، شكل اندلاع الثورة الفلسطينية المعاصرة وتبلور البرنامج التحرري الفلسطيني في إطار منظمة التحرير الائتلافية التحدي الأكبر أمام المشروع الإسرائيلي التوسعي في الأراضي المحتلة؛ وقطع الطريق على محاولات طمس الهوية الوطنية الفلسطينية وبالتالي تغييب أصحاب الأرض عن المشهد السياسي نهائياً. ومع النجاحات التي حققتها المنظمة والاعتراف بها عربياً وعالمياً كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، بدا بوضوح أن الصراع على الأرض بين أصحابها والاحتلال قد وضع القضية الفلسطينية في سياقها الفعلي، بعيداً عن مشهد اللاجئين الذين تقطعت بهم السبل إبان النكبة وبعدها بسنوات.

وانعكس النهوض الوطني الفلسطيني بوضوح على الرأي العام الإقليمي والدولي، وجاء اعتراف الأمم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره بنفسه على أرضه عنواناً بارزاً لهذا الانعكاس، وعلى الرغم من محاولات تهميش منظمة التحرير، جاءت الانتفاضة الكبرى العام 1987، لتضع المجتمع الدولي أمام ضرورة إيجاد حل للصراع دون أن يتجاهل الحقوق الفلسطينية، وهو الأمر الذي أقلق كل من تل أبيب وواشنطن، فعمدت الأخيرة إلى «تحفيز» قيادة منظمة التحرير باتجاه إيجاد تسوية سياسية وقدمت لذلك بإبداء رغبتها في إجراء حوار مباشر مع المنظمة وهي التي كانت على قائمة الإرهاب الأميركية.

واستثمرت إدارة بوش الأب التطورات الإقليمية والدولية العاصفة وأبرزها انهيار منظومة الدولة الاشتراكية بدءاً من الاتحاد السوفييتي وتداعيات الاحتلال العراقي للكويت لتضع مكونات المنطقة أمام إطار للتسوية مع إسرائيل عبر عنه مؤتمر مدريد تحت عنوان جاذب «الأرض مقابل السلام».

انجذاب القيادة الرسمية الفلسطينية نحو عملية التسوية المفترضة جاء على حساب الانتفاضة الكبرى التي كانت تتقدم وتتسع على الأرض وبأهداف واضحة نحو الاستقلال الناجز. وجاء اتفاق أوسلو ليؤكد هذا الاستقلال  وما تبعه من إطلاق عملية تسوية خارج الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة بالصراع. ودون إلزام الاحتلال بالتوقف عن سياساته التوسعية ونشر الاستيطان وتصعيد حملات التهويد وهدم المنازل ونهب الأراضي الفلسطينية.

 

 

لذلك، كان من الأكيد أن تتكرر جولات المفاوضات دون نتيجة تتصل بحقوق الشعب الفلسطيني، وأن «يزدهر» الاستيطان ويمتد على مرأى من المشاركين في عملية التفاوض العبثي. ومع استمرار السياسة الانتظارية والتي اعتمدتها القيادة الرسمية الفلسطينية والرهان على المفاوضات خياراً وحيداً، توغل الخطاب الإسرائيلي في موضوعة الاستيطان لينتقل من التوسعة  إلى الترسيم والقوننة عبر مشاريع قرارات طرحت في الكنيست الإسرائيلي، ولا يزال بعضها بانتظار التصويت ربطاً بتفاهم متوقع بين تل أبيب وواشنطن حول هذا الموضوع. 

لقد شجع مجيء إدارة ترامب حكومة نتنياهو على وضع المزيد من الخطط كي تحسم مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة بما يلبي شروطها الأمنية والتوسعية، وجاءت شروط مبعوث ترامب التي نقلها للرئيس عباس لتقرع ناقوس الخطر مما يحمله المستقبل من مخاطر على الفلسطينيين في حال انطلقت المفاوضات وفق تلك الشروط.

لهذا السبب تم التأكيد مراراً على أن الدفاع عن الأرض الفلسطينية والحقوق الوطنية والسعي لتجسيدها يبدأ بالقطع مع الرهان على التسوية كما تطرحها واشنطن وتل أبيب، والالتفات إلى الوضع الفلسطيني الداخلي وتصويبه سياسياً وتنظيماً، من خلال تنفيذ قرارات الإجماع الوطني وأبرزها قرارات المجلس المركزي الفلسطيني في دورته الأخيرة العام 2015.

من غير ذلك، سينتقل الوضع الفلسطيني من دائرة المراوحة والانتظار، باتجاه مخاطر تصفية الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وانتصار السياسة التوسعية والعدوانية الإسرائيلية.