لم يجد المراقبون أساساً مقنعاً للتفاؤل الذي سعى عدد من المسؤولين في «فتح» والسلطة إلى تعميمه في الحالة الفلسطينية إثر الاجتماع الذي عقد بين الرئيس عباس ومبعوث الرئيس الأميركي ترامب غرينبلات مؤخراً.

وإذا كان المتفائلون رأوا في الاجتماع تبديداً لهاجس التهميش الأميركي الذي توجست منه القيادة الفلسطينية الرسمية وتجديداً للاعتراف بها، فإن مؤشرات كثيرة تؤكد أن ما قيل عنه انفتاحاً أميركياً على السلطة وقيادتها ربما يكون أكثر خطراً على الحقوق الوطنية الفلسطينية من تداعيات إدارة الظهر لها؛ ربطاً بمحددات الموقف الأميركي تجاه التسوية والخطوات التي اشترط غرينبلات على السلطة تنفيذها كي تكون «مؤهلة» للخوض في العملية السياسية وضمن الإطار الإقليمي الذي أكد عليه المبعوث الأميركي.

ومن يقرأ مساحة التقاطعات الواسعة بين موقفي تل أبيب وواشنطن تجاه شروط استئناف المفاوضات يتأكد أن سيل الضغوط الأميركية سيتوجه نحو المفاوض الفلسطيني في حال نصبت طاولة التفاوض مجدداً.

ما قاله الأخ جبريل الرجوب، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح من أن «الرئيس ترامب لن يغامر بالمصالح الأميركية من أجل عيون نتنياهو» صحيح تماماً. ولم يفعل ذلك أي رئيس أميركي سابق لا تجاه نتنياهو ولا غيره. والسبب في ذلك واضح ويتعلق بطبيعة العلاقات بين واشنطن وتل أبيب ومصالحهما المشتركة التي توفر مساحة واسعة من المواقف المشتركة تجاه سبل حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بشكل خاص.

لذلك عندما وقف الرئيس الأميركي السابق أوباما على حافة هذه المساحة وطلب تجميداً مؤقتاً للاستيطان، أكدت الوقائع التي تلت هذا الإعلان بأنه مجرد مصيدة من وعود. ويؤكد صحة ذلك حجم الضغط الكبير الذي مارسته إدارة أوباما على المفاوض الفلسطيني في العام 2010 كي يلتحق بالمفاوضات «التقريبية» ومن ثم «المباشرة» دون أن يتوقف الاستيطان أو تحدد مرجعية المفاوضات وهدفها.

ومن يتابع مسار العلاقات الأميركية – الإسرائيلية منذ انطلاق عملية التسوية عقب أوسلو، يلحظ بوضوح أن مساحات التقاطع في المواقف بين الجانبين تتسع باضطراد تجاه الموضوع الفلسطيني؛ ويتضح له ما وصلت إليه هذه التقاطعات من تطابق في كثير من القضايا ذات الصلة وخاصة حول الاستيطان، ضمن الشروط التسعة التي طرحها المبعوث الأميركي على السلطة الفلسطينية كي تحظى برضى الإدارة الأميركية الجديدة ويحفزها لإطلاق العملية السياسية مجدداً. لذلك، ما قاله الأخ الرجوب، لا يؤسس لأي تفاؤل تجاه مستقبل عملية التسوية في إطارها المطروح.

فأولاً، يكرر المبعوث الأميركي الموقف الإسرائيلي من استئناف المفاوضات من غير شروط، والمقصود هنا بوضوح عدم طلب تجميد الاستيطان وتحديد مرجعية المفاوضات بما يضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة بحدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 وعاصمتها القدس. وثانياً، يضع هذه المفاوضات في إطار إقليمي عربي من موقع المشاركة وليس المتابعة والتنسيق كما كان سابقاً في إطار لجنة المتابعة العربية.

وهذا يعني أن العامل الفلسطيني في المفاوضات سيكون هامشياً وتنقلب المعادلة السابقة ليصبح التطبيع أولاً . وسيشكل هذا بالضرورة ضغطاً إضافياً على المفاوض الفلسطيني كي يقبل بما رفضه سابقاً، في ظل استرخاء إسرائيلي بعدما تحصل تل أبيب على ما تريد في علاقاتها العربية دون دفع ثمن ذلك بانسحاب الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية. وثالثاً، لن يكون هناك تجميد للاستيطان وسيطلق العنان له في المستوطنات القائمة، ولن يفيد في شيء الحديث عن رفض واشنطن لانشاء مستوطنات جديدة طالما مسموح للمستوطنات القائمة التمدد من غير قيود. وما لم تستطعه إدارة أوباما من حمل السلطة على الانتقال من التنسيق الأمني إلى مواجهة بنية المقاومة الفلسطينية مباشرة تحاوله الآن إدارة ترامب، وهي بذلك تسعى لأن تشعل الاقتتال داخل النسيج الوطني الفلسطيني.

وتريد إدارة ترامب إجراء إصلاحات في الأجهزة الأمنية الفلسطينية ربطاً بالوظيفة التي تريدها، وعلى هذه الأجهزة عدم الاكتفاء باعتقال المقاومين بل الوصول إلى كشف بنية المقاومة كي يسهل تصفيتها.

وتصل المطالب (الشروط) الأميركية إلى نظام التعليم في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما يضمن الابتعاد عن التحريض على الاحتلال، أي ببساطة نشر ثقافة القبول بالاحتلال والتعايش معه ونبذ روح المقاومة وثقافتها.

وتتوغل الشروط الأميركية التي حملها غرينبلات إلى رام الله في بنية منظمة التحرير وآليات عملها لتطلب وقف صرف رواتب أسر الشهداء والأسرى والجرحى، وبذلك تنتقل – في سابقة – من التدخل في هيكلة السلطة ووظائف مؤسساتها إلى التدخل في أوضاع منظمة التحرير وعمل مؤسساتها.

لذلك، ليس دقيقاً ما قيل بأن «الحراك الدولي» يعزز من مكانة منظمة التحرير، كما ليس صحيحاً بأن ما طرحه غرينبلات يفتح مساحة للاشتباك السياسي مع الإدارة الأميركية. فما طرحه المبعوث الأميركي لم يكن مادة للحوار مع رام الله، بل شروط ينبغي تنفيذها وفق المنطوق الأميركي.

في سياق الشروط، تطلب الإدارة الأميركية عدم تحويل أية أموال من السلطة إلى قطاع غزة بحجة أن حركة حماس تستفيد منها. هذا الطلب يعني باختصار أن قطاع غزة كيان منفصل، ولاعلاقة لحكومة رام الله بقضايا الناس هناك. وبالتالي ، تأبيد الانقسام والقطع مع أي مسعى وطني لإنهائه واستعادة الوحدة، وهذا هو موقف حكومة نتنياهو من هذه المسألة.

ما سبق، يدفع للحديث مجدداً عن المشروع الوطني الفلسطيني التحرري، والتأكيد على أن التزامه هو الطريق الوحيد الذي يكفل للعمل الوطني الفلسطيني التقدم على سكة انجاز الحقوق الوطنية. لقد تم تجريب سياسة الرهان على الدور الأميركي في محطات كثيرة، وكلها أكدت أنه طريق مسدود ولا يؤدي بالحالة الفلسطينية إلا إلى دائرة مفرغة. مع الملاحظة أن التجربة مع إدارة ترامب ستكون أكثر خطراً على مستقبل الحقوق الوطنية، لسببين الأول، أن حكومة نتنياهو تتوغل كثيراً في ترسيم الاستيطان و«تشريعه»، والثاني هو اقتراب إدارة ترامب من تبني سياسات حكومة نتنياهو وليس فقط التعامي عنها كما كانت تفعل الإدارة الأميركية السابقة.