أشاد الرئيسان؛ الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، بعودة العلاقات الثنائية بين بلديهما إلى طبيعتها تماماً، وذلك بعد القمة التي جمعتهما مجدّداً في موسكو، قبل أيام من جولة مفاوضات جديدة في أستانا، تهدف إلى «تثبيت وقف النار في سورية، ومناقشة «خرائط» نهائية لمواقع انتشار الجماعات الإرهابية».

وبعد جولتي محادثات مطولة (10/3)، وصف الرئيس بوتين المرحلة الجديدة من العلاقات بأنها «عودة إلى الشراكة الحقيقية»، فيما أكد نظيره التركي أن البلدين «أنجزا عملية تطبيع العلاقات» بينهما.

ورافق أردوغان في هذه الزيارة وفدٌ ضخم ضمّ وزراء الخارجية والعدل والاقتصاد والطاقة والزراعة والسياحة والمواصلات، إلى جانب وزير الدفاع فكري إشيق، ورئيس هيئة الأركان التركية خلوصي أكار، ورئيس الاستخبارات هاكان فيدان. ولاحظ المراقبون أنّ وجود شخصيات أمنية وعسكرية رفيعة ضمن الوفد التركي، يكشف عن أهمية هذا الجانب على أجندة المحادثات، وخاصة الشق المتعلق منه بالشأن السوري أساساً.

التعاون الأمني ـ العسكري

وأوضح الرئيس الروسي أنه بحث مع أردوغان في القضايا الإقليمية، وفي مقدّمها الوضع في سورية، مشدّداً على الأهمية التي توليها روسيا لـ «توحيد جهود موسكو وأنقرة في مكافحة الجماعات الإرهابية، وفي المقام الأول تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا»، كاشفاً عن توقيع اتفاقٍ لتعزيز «التعاون الاستخباراتي والعسكري بين البلدين»، ومذكّراً بأنه «بفضل تعاون روسيا وتركيا، تم التوصل إلى نظام وقف النار وإطلاق مفاوضات أستانا الخاصة بسوريا».

كما شدّد بوتين على إدانة موسكو «أية أعمال إرهابية تستهدف تركيا مهما كانت محركاتها ودوافعها»، في إشارة قد يكون المقصود بها «الأنشطة العسكرية التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني».

وأفادت مصادر عسكرية بأن ملف التعاون العسكري كان حاضراً بقوة أيضاً، من خلال طلب تركيا تزويدها أنظمة الدفاع الجوي «اس 400». وفي حال تم توقيع هذه الصفقة ستكون الأضخم والأولى من نوعها لبلد عضو في حلف شمال الأطلسي.

تعزيز التبادل التجاري

وقد حققت زيارة أردوغان مكاسب اقتصادية كبيرة لأنقرة، حيث تمخضت عن توقيع خطة تعاون حتى عام 2020 لتعزيز التبادل التجاري بين البلدين، الذي قال الرئيس التركي إن حجمه «قد يصل إلى 100 مليار دولار في المستقبل». وأشاد أردوغان بتسريع وتائر التعاون الروسي- التركي بشأن أهم المشاريع، مثل خط أنابيب «السيل التركي»، ومحطة «أكويو» الكهرو- ذرية. وأكد أن العناصر الأساسية للتعاون الروسي- التركي تشمل قطاعي الإنتاج الحربي والطاقة.

ورأت وسائل الإعلام التركية أن أبرز ما حققته الزيارة هو «رفع الحظر الروسي على منع تأشيرات العمل للمصانع التركية في روسيا، ووعود بوتين بإلغاء كافة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها بلاده على أنقرة عقب أزمة الطائرة لتعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الأزمة».

يذكر في هذا الصدد، أنّ العلاقات التركية الروسية شهدت تحسناً ملحوظاً خلال الأشهر الماضية، بعد أزمة دبلوماسية خطيرة نشبت إثر إسقاط تركيا مقاتلة روسية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، على الحدود السورية التركية. واعتبرت موسكو هذه العملية «طعنة في الظهر»، ورداً عليها، قررت فرض عقوبات اقتصادية واسعة ضد أنقرة، قبل أن تعود وترفع معظمها في صيف عام 2016.

ومن شأن القرارات الجديدة أن تساهم في رفع التبادل التجاري بين البلدين، الذي ما زال حجمه أدنى بكثير مما وصل إليه قبيل أزمة الطائرة ( 38 مليار دولار)، وقد يحتاج لسنوات لإعادته إلى المعدلات السابقة، قبيل الحديث عن الوصول إلى الـ100 مليار.

وفي محاولة لإعادة تنشيط السياحة بين البلدين، تم الإعلان عن 2019 عامًا للثقافة والسياحة المشتركة للبلدين بموجب اتفاق وقع عليه الجانبان، حيث تعد روسيا ثاني أكبر بلد بعد ألمانيا، يزور مواطنوها تركيا بغرض السياحة، وكانوا يدرون مليارات الدولارات على الاقتصاد التركي قبيل العقوبات.

«تحالف ظرفي»

لكن، وعلى رغم الاتفاق على هذه «الحزمة» المهمة من القضايا المشتركة بين البلدين، وحرص موسكو على استمرار تقاربها مع أنقرة، وحاجتها إلى علاقات متطورة معها في هذه المنطقة المضطربة، فقد ذهبت بعض المصادر الروسية إلى القول بأن موسكو ما زالت تعتقد أن «أنقرة ليست حليفاً ثابتاً أو استراتيجياً» بالنسبة إليها، وأن «تقاطع مصالح ظرفية، لا أكثر، هو الذي يجمع بين البلدين» حالياً.

وكما يبدو، فقد فشل الجانبان في تحقيق تفاهمات سياسية حول الملف السوري، رغم تأكيدهما على «عمق التنسيق العسكري والأمني بينهما في هذا الشأن».

وكان الرئيسان تجنّبا بالفعل، الخوض في ملفات شائكة حول سورية، وخصوصاً الوضع في مدينة منبج، الذي يعتبر الملف الأبرز في الصراع الدائر في سوريا حالياً. وذكرت مصادر إعلامية روسية أنّ الرئيس الروسي رفض طلب أردوغان التنسيق لعملية مشتركة في الرقة، لافتةً إلى أن روسيا استاءت من خيارات أردوغان بعد تواصله مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبعد زيارة مدير وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) إلى أنقرة، أوائل شباط/ فبراير الماضي، وترويجه لـ«منطقة آمنة تشرف عليها تركيا دون الأخذ بالاعتبار رؤى موسكو في هذا الشأن».

 المصادر ذاتها أشارت إلى أنّ موسكو تدرك حاجة أنقرة إلى موقف روسي داعم لحملة «درع الفرات» في الشمال السوري، وتدرك كذلك أنّ أردوغان يعوّل على علاقته مع موسكو، إما للتنسيق المشترك معها في معركة منبج والرقة، وإما لاستخدامها كأداة للضغط على واشنطن، ودفع الأخيرة لتعديل موقفها بشأن الطرف الذي يمكن أن يشاركها العمل العسكري المزمع لطرد «داعش» من الرقة، حيث بات مرجّحاً أن تستمرّ الإدارة الأميركية الجديدة بتحركاتها العسكرية في سوريا، بالاستناد إلى تحالفها مع القوات الكردية، وليس مع أنقرة، كما كانت تأمل الأخيرة.

وأضافت المصادر، أنه إذا ما قررت الولايات المتحدة الإبقاء على قوات أميركية في سوريا، كما صرّح مسؤولون أميركيون أخيراً، بمسوّغ «ضمان الأمن والاستقرار ومساعدة السوريين على الانتقال السلمي للسلطة»، فإن ذلك سيعزّز، حسب هذه المصادر، من هشاشة التحالف الظرفي بين روسيا وتركيا، أكثر فأكثر.

وفي ضوء حاجة أنقرة إلى «دعم غربي مساند لرؤيتها في سوريا»، فإن موسكو باتت تخشى من أن يعمل أردوغان على إفراغ «التفاهم الروسي ــ التركي ــ الإيراني» من محتواه الأساسي الذي شقّ طريقه في «مسار أستانا»، إلا في حال اصطدامه بـ«حائط واشنطن»، واحتمال استغنائها عن تركيا لصالح الاعتماد على «قوات سوريا الديمقراطية» في معركة الرقة، علماً أن واشنطن لم تحسم أمرها بعد نهائياً في هذا الشأن. وهو ما أوضحه أخيراً الناطق العسكري باسم التحالف، جون دريان، الذي أعلن أن «الدور التركي لا يزال موضع نقاش في الإدارة الأميركية».

وكانت محادثات «جنيف 4»، كشفت في أحد جوانبها، عن عودة تركيا إلى التشدّد إزاء النقاط الحسّاسة التي يمكن أن تفجّر المباحثات. مراهناً في ذلك على «تناقضات دولية وإقليمية، ومتغيرات أميركية» يمكن أن تصبّ في الاتجاه الذي عبّرت عنه السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة، نيكي هالي، التي تحدّثت عن سعي واشنطن لـ«إخراج إيران ووكلائها من سوريا على قدم المساواة مع إخراج الإرهابيين منها».

 

«مفاجأة» موسكو لأنقرة

بعد التقارب بين موسكو وأنقرة، بدأ الجيش التركي في 24 آب (أغسطس) الماضي عملية عسكرية بدعم فصائل «درع الفرات» لطرد الإرهابيين بين جرابلس وحلب، للحيلولة دون ربط الأقاليم الكردية في الجزيرة وعين العرب (كوباني)، شرق نهر الفرات، وعفرين غرب النهر، لمنع قيام «كردستان سورية». كما أعلنت أنقرة أنها تريد دعم «درع الفرات» للتمدّد إلى منبج والرقة. وهددت بضرب المقاتلين الأكراد الذين يحظون بدعم واشنطن، في حال لم ينسحبوا من منبج.

لكن، وبعد اشتباكات بين «درع الفرات» و«قوات سورية الديموقراطية»، بين مدينة الباب ومنبج شرق حلب، توسطت موسكو للمرة الثانية لرسم حدود التماس بين الطرفين. إذ سلم «مجلس منبج العسكري»، حليف «قوات سورية الديموقراطية» (الكردية- العربية) التي تدعمها واشنطن، عدداً من القرى القريبة من منبج إلى القوات النظامية السورية قبل أيام، وهو ما شكّل مفاجأة لأنقرة، إذ شكل سداً أمام تقدم فصائل «درع الفرات» إلى الرقة. كما أن تقدم القوات النظامية بغطاء الطيران الروسي إلى الضفة الغربية لنهر الفرات، للمرة الأولى منذ أربع سنوات، شكل حاجزاً آخر أمام «درع الفرات»، ووضع حدوداً للمنطقة الآمنة التي خططت أنقرة لإقامتها في شمال سورية.

وجاء تصرّف موسكو هذا، بعد إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مراراً أنه بعد الباب ستتوجه فصائل «درع الفرات» إلى منبج ومنها إلى الرقة، حيث قدم الجيش التركي خططاً لتمدّد هذه الفصائل؛ إما من الباب ومنبج إلى الرقة، بمسافة تزيد عن مئتي كيلومتر لطرد «داعش»، أو من مدينة تل أبيض على الحدود السورية - التركية إلى الرقة، بعد قطع حوالى مئة كيلومتر. لكن واشنطن لم تحسم أمرها بالاعتماد على تركيا، إذ إنها لا تزال تفضل الاعتماد على «قوات سورية الديموقراطية» التي تحاصر الرقة من ثلاث جهات، بدعم من التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة واشنطن.

رعاية موسكو التفاهم بين «مجلس منبج» والقوات النظامية، تزامن مع وصول 400 من قوات «المارينز»، وتقدم خبراء عسكريين أميركيين مع «قوات سورية الديموقراطية» على عربات أميركية ثقيلة ترفع العلم الأميركي إلى منبج، ليكون ذلك بمثابة «ردع لأنقرة» كي لا تدعم «درع الفرات» من جهة، وطمأنة لها من أن «وحدات حماية الشعب» الكردية، التي تصرّ أنقرة على خروجها من منبج، هي تحت الرقابة الأميركية، من جهة ثانية.

 

نتنياهو في موسكو: العنوان السوري أولاً            / تحليل إخباري /

هيمن الوضع في سورية، وسعي إسرائيل إلى الحصول على ضمانات أمنية من موسكو، على جلسة محادثات مطولة عقدها الرئيس فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في موسكو (9/3). وهذه هي الزيارة الرابعة لنتانياهو إلى موسكو خلال 18 شهراً، وقد حظيت كسابقاتها، باهتمام خاص، وأثارت كثيراً من التكهنات بشأن تفاصيل النقاشات التي جرت خلف أبواب مغلقة. وفي هذا الصدد قال نتنياهو: «زيارتنا المتكررة تعكس صداقة حقيقية وتوطيد العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية والسياحية والثقافية أيضاً، من خلال الجسر الحي وهو مليون مواطن إسرائيلي يتحدثون الروسية».

وخلافاً لما كان متوقعاً، لم يعقد الطرفان مؤتمراً صحافياً مشتركاً، ما أوحى وفق مصادر روسية، بحرص الجانبين على إبقاء الجانب الأوسع من النقاشات طي الكتمان.

وحسب ديبلوماسي روسي، سيطرت ثلاثة محاور على أجندة المباحثات، أولها؛ الوضع حول الجولان، حيث نقل أنّ نتانياهو طلب من بوتين ضمانات كافية بشأن «عدم السماح بتحرك مجموعات مسلحة موالية لطهران في المناطق الحدودية»، وكان الطرفان مهدا للزيارة بالاتفاق على «آليات مشتركة للرصد والمراقبة». وكان لافتاً في هذا المحور أن الكرملين أكد أن موضوع «قيام إسرائيل بتوجيه ضربات إلى مواقع في سورية لم يطرح للبحث»، بينما أشار المصدر الروسي إلى أن هذا الموضوع «ليس جديداً ويدخل ضمن تفاهمات روسية– إسرائيلية سابقة»، لافتاً إلى أن إسرائيل شنّت منذ تلك الفترة ضربات عدة في عمق الأراضي السورية.

والمحور الثاني يتعلق بضمانات تطلبها إسرائيل في مرحلة ما بعد التسوية في سورية، وأبرز عناصرها «منع الإيرانيين من تعزيز تواجدهم في سورية». وفي هذا السياق، ذكر مراقبون أن هناك مسعى إسرائيلياً أميركياً مشتركاً لإقناع موسكو بضرورة العمل على «تحجيم الحضور الإيراني في سوريا». وزعم نتنياهو أن «ممارسات إيران تقوض وتهدد الاستقرار في المنطقة»، وبأن «إسرائيل لن تقبل بذلك». واعتبر أن الهدف الرئيسي من وراء زيارته لموسكو هو «مناقشة النفوذ الإيراني في سوريا». قبل أن يضيف قوله بأن ذلك «يتناقض ويتعارض مع المصالح المشتركة لروسيا وإسرائيل، بل ويحول دون التوصل إلى تسوية مستقبلية في سوريا». لكن المصدر الروسي لفت إلى أن هذا الملف «يشكل حساسية خاصة لموسكو التي تربطها بإيران علاقات شراكة وتعاون ميدانيين خلال المرحلة الراهنة».

أما المحور الثالث فقد ركّز على «الدور الممكن القيام به من جانب مراكز الضغط اليهودية في الولايات المتحدة، لتخفيف الضغوط المتواصلة على موسكو»، ومحاولة رفع أو تقليص العقوبات الغربية المفروضة عليها.

وبعد أن أشاد نتانياهو بالمساهمة الروسية في محاربة الإرهاب، مؤكداً «وحدة روسيا وإسرائيل في الحرب المشتركة ضد الإرهاب»، لفت انتباه المراقبين الهجوم الذي شنّه نتنياهو على إيران، حيث قال: «ها هي إيران اليوم، وريثة فارس، تواصل سعيها لتدمير الدولة اليهودية. وهم يقولون ذلك بشكل واضح جداً ويكتبونه على صواريخهم البالستية»، في حين ردّ الرئيس الروسي باقتضاب «نعم، إلا أن ذلك كان في القرن الخامس قبل المسيح، ونعيش اليوم في عالم مختلف»، داعياً نتنياهو إلى التكلم عنه.

الصورة: بوتين ونتنياهو: بحث عن ضمانات أمنية لإسرائيل!

 

 

 

 

تفاقم أزمات أنقرة مع محيطها الأوروبي

اتسعت دائرة التوتر بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي لتبلغ مستوى غير مسبوق، بعد قرار هولندا منع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو من السفر إلى روتردام، لحضور لقاء جماهيري الهدف منه التسويق لتعديلات دستورية تعزز الصلاحيات الرئاسية، وسيجرى استفتاء عليها الشهر المقبل.

ورداً على ذلك، وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قرار لاهاي بأنه «من بقايا النازية». فيما ردّ رئيس الوزراء الهولندي مارك روتي واصفاً هذه التصريحات بـ«الجنونية وغير اللائقة».

وهذه ليست المرة الأولى، التي يصف فيها أردوغان إحدى الدول الأوروبية بالنازية، حيث سبق وشبّه سياسات ألمانيا بالنازية، قبل أسبوعين، وذلك على خلفية إلغاء سلطات مدينة جاجيناو زيارة وزير العدل التركي بكير بوزداق للمدينة، لإلقاء كلمة أمام الجالية التركية فيها حيال الاستفتاء. وأدت تلك التصريحات إلى زيادة حدة التوتر بين تركيا وألمانيا التي عبرت عن رفضها الشديد لمثل هذه التوصيفات.

وكان جاويش أوغلو تحدّى قرار السلطات الهولندية، واتهمها بمعاملة المواطنين الأتراك «مثل الـرهائن». وهدّد بعقوبات سياسية واقتصادية قاسية إذا منعت هولندا هبوط طائرته، وهو التهديد الذي كان حاسماً، كما يبدو، في قرار الحكومة الهولندية بسحب تصريح هبوط طائرته. وبعدها قامت لاهاي بمنع وزيرة الأسرة (التركية) من دخول القنصلية التركية في روتردام.

وإثر ذلك، أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم (12/3)، أن أنقرة سترد بـ«أشد الطرق» على قرارات السلطات الهولندية. واستدعت الخارجية التركية القائم بالأعمال الهولندي في أنقرة لإبلاغه بأن تركيا «لا ترغب في عودة السفير الهولندي»، الموجود حالياً في الخارج، إلى «العمل (في تركيا) قبل فترة من الوقت».

وفي الواقع، تعارض دول أوروبية كثيرة التعديلات الدستورية في تركيا، التي من شأنها أن تغير نظام الحكم في تركيا، من برلماني إلى رئاسي، بشكل يجعل معظم الصلاحيات تتركز في يد رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان.

كما أنّ هناك تبرّم أوروبي واضح من سياسات أردوغان، خاصة على الصعيد الداخلي والتي تتناقض مع المنظور القيمي لأوروبا. وسجلت للنظام التركي خلال السنوات الأخيرة محاولة واضحة لاستهداف حرية الرأي والتعبير والضرب على يد المعارضين عبر التضييق على الإعلام والتلويح بالاعتقال، وازداد هذا التوجه بشكل لافت بعد فشل الانقلاب العسكري في تركيا في الصيف الماضي، حيث شنّت السلطات التركية حملة تطهير استهدفت معظم القطاعات.

وإلى ذلك، تشنّ أنقرة اليوم حملة عسكرية مثيرة للجدل على الأقلية الكردية في جنوب شرق تركيا تحت حجج القضاء على حزب العمال الكردستاني، الأمر الذي أدى إلى مقتل ما يربو عن 1200 من المدنيين، فضلاً عن تدمير قرى بأكملها ونزوح بين 350 و500 ألف شخص غالبيتهم من الأكراد.

ومعلوم أن بروكسل (عاصمة الاتحاد الأوربي) تصنف حزب العمال الكردستاني تنظيماً إرهابياً، بيد أنها ترفض طريقة التعاطي التركي معه.

وخلافات أوروبا مع أنقرة لا تنتهي عند هذا الحد، فهناك إشكالية «الهجرة غير الشرعية»، حيث يتبادل الطرفان التهم بالتقصير في تنفيذ اتفاق أبرم منذ أشهر، ويهدف إلى الحدّ من وصول النازحين، خاصة من بؤر التوتر مثل سوريا والعراق إلى القارة العجوز.

ويرى محللون أن نهج الرئيس أردوغان في الحكم حالياً، ونزوعه نحو التسلط والاستبداد «لن يساعد إلا في تعميق الخلافات بين الأتراك والأوروبيين»، وسيزيد في عزلة أنقرة، ملحقاً مزيداً من الضرر في علاقتها خصوصاً مع دول الاتحاد الأوروبي الذي كانت تطمح إلى الدخول فيه!.

وقد يساهم هذا النهج في مساعدة أحزاب اليمين الشعبوي والمتطرف في أوروبا، على تحقيق المزيد من المكاسب السياسية والانتخابية، علماً أنّ الأزمة الحالية بين تركيا وهولندا جاءت قبل أيام من انتخابات تشريعية هولندية، شكل فيها الإسلام موضوعاً أساسياً، في وقت أشارت فيه استطلاعات الرأي إلى أن حزب النائب اليميني المتطرف غيرت فيلدرز سيأتي في المرتبة الثانية في هذا الاقتراع.