ترى نفسك شاعراً مختلفاً عندما تجلس أمام شجرة اللوز في آذار وهي ترصد احتمالاتك ببياض أزهارها، وتصبح مختلفاً بعمق عندما تفتح ديوان شعر لمحمود درويش، ساعة غروب لا شرود فيها، ليطير كنجمٍ في فضاء روحك، يبعث فيك جمال كل الاحتمالات التي جعلتك آخر في هذه اللحظة، وعلى بوابة من فضة يستدرجك غير عابرٍ فيك، الى الحياة التي تستحقها.

في كل يوم لعام مرصع بالثالث عشر من أذار، تفتح «البروة» ذراعيها لعصافير الجليل، وتجري السهول نحو حمامها اللازوردي، بعد أن تخلع معطفها الشتوي، أو تكاد، لترتدي قميص الذكرى لميلاد أبنها الشاعر محمود درويش، الذي حول القرية المدمرة، من مجرد أسم الى وطن كبير، ولو كان جريحاً ونازفاً بحراب المحتل، وهذا يوم لقابلة لا يعرف لها أسم، ولأم تغلبت على مخاضها بفرح الذكر القادم، ليفرح شعبٌ بأكمله في ميلاده  بعد حين، وليغضب المغتصب على شاهد إبداعي وأدبي ليس له سلاح لمواجهته، سوى الغدر والسجن والنفي.

 محمود درويش الشاعر والإنسان الذي ولد في عام 1941، قرب ساحل عكا، ولدته أمه لريح حملته في عام النكبة إلى تلال من ثلج في لبنان، وتحت خيمة وقرب وتد مصاب بفاجعة اللجوء، لعبت قدماه العاريتان في طين وحصى الانتظار، سنة كاملة وهو يشرد بين حبال الخيام وتحت شمس الغربة، حتى هدنة مسروقة مع الغاصب، لتأخذ عائلته قرارها الشجاع بالتسلل والعودة إلى الوطن حيث الحصان الذي يؤنس البيت من الفراغ، الحصان الذي بقي ظلاً لجدار بيت مهدم في قرية لم تعد غير سفاح التراب للتراب، فاضطرت عائلته الإقامة في قرية أخرى أسمها «الجديدة» ومن صباه حتى شبابه، خرج من أكمام غير وارفة، يحمل كراسه وأحلامه ليتعلم لغة أجداده، بمشية رشيقة، وإصرار واضح على كتابة اسمه في أعلى الصفحة الأولى، ليسجله عربياً وبرقم بطاقة نزوحه، الشاهد على أنه صاحب الأرض، المطرود منها.

ودرويش غير المستسلم لآلة الدمار، وصور قريته الغارقة في الردم، واصل بدم الشباب، سيرته ليدخل حزباً مختلفاً يؤمن بإنسانية الإنسان وقدر الصاحب لأرضه، الحزب المتاح له فكراً ونضالاً، فكان عضواً في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ومارس فيه قناعاته كصحفي شاب، يجري خلف أنهار الحق، ولا يترك شجرة لوطنه غير أن ألقى عليها السلام، فكانت صحيفة «الاتحاد» الناطقة باسم الحزب الشيوعي، مرماه الأدبي والإبداعي الأول في مسيرته المبتدأ، ومنها لصحيفة «الفجر» عرف المحتل في الشاب ما يخشاه منه، فاعتقله كسجين سياسي، في عام 1961، ولم يفك السجان أزرار حريته إلا في عام 1972، لينطلق بعيداً عن الوطن المسلوب، ويدخل الاتحاد السوفيتي، لاستكمال دراسته، ومن هناك إلى القاهرة عابراً ممرات الصقيع إلى أفريقيا الحارة، ولكن ليس بقدر حرارة ما يصول ويجول في صدره، فذهب إلى عنوانه النضالي، ليصبح عضواً في منظمة التحرير الفلسطينية، ومنها شق طريقه إلى علم البلاغة والأدب، مؤسساً مجلة الكرمل، التي لازالت تصدح بعطره، وتسرج خيوله التي لا تموت، فالقصائد خيول لشاعر صاحب قضية، وليتربع درويش على قمة الرصد العليا للأدب المقاوم.

محمود درويش عرف الوطن كلمة لا تجزأ، عاش على وليد تشبثه بوحدة الأرض، فرفض اتفاقية أوسلو كما رفض الانخراط في العمل السياسي كعضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وظل حارساً أدبياً لميراث أجداده الكامل والغير منقوص، ولو في قصيدة، ومقالة.

وعن مشواره الأدبي قبل أفول شمس عمره الجسدي، يكون لمحمود درويش أكثر من خمس وثلاثين ديوان شعر، ومئات المقالات الأدبية والحوارية واللقاءات الإذاعية والتلفزيونية، والأمسيات المحلية والعربية والعالمية، والكثير من الجوائز، وهذا التعميق ليس بالكم ولكن بالتميز الذي خطّه أدبياً، فكان شاعراً استثنائياً لشعب صاحب قضية عادلة.

مولد محمود درويش ليس ذكرى عابرة، بعد حياة عامرة قضاها شاعراً وفيلسوفاً وكاتباً حمل وطناً غير منقوص في صدره، قبل أن يحمله شبر من وطنه الجريح، بل هي سيرة وطن ولد من قرية تشرب من نهرها لتكبر فيها المآذن وأجراس الكنائس، وتصبح ريتا العاشقة، أجمل الزهرات.

ولأنه محمود درويش.. في الميلاد لا ذكرى للموت فيه.