لا يمكن لأي متابع موضوعي لتطورات الوضع الإسرائيلي والفلسطيني ألا يتوقف طويلاً عند الأفكار الإسرائيلية التي تثار في الفترة الراهنة بشأن منح قطاع غزة بعض المزايا الاقتصادية والأمنية. وأعني بذلك تصريحات بعض الوزراء الإسرائيليين كان آخرهم منذ أيام تصريح وزير النقل والمواصلات إسرائيل كاتس الذي طالب نتنياهو بدراسة ما أسماه مستقبل القطاع وضرورة إقامة ميناء أمام سواحل غزة بدعوى تجنب الوصول بالسكان الفلسطينيين إلى حالة الانفجار الاقتصادي مما يؤثر على الأمن القومي الإسرائيلي , إضافة إلى الحديث المتكرر حول هدنة طويلة الأمد بين إسرائيل وحماس مقابل رفع الحصار عن القطاع .

بداية من الضروري أن نحدد الوضعية السياسية والقانونية لقطاع غزة حتى تكون الصورة أكثر وضوحاً. فطبقاً لاتفاق أوسلو عام 1993، فإن الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي يؤكدان أن كلا من الضفة الغربية وقطاع غزة يشكلان وحدة جغرافية واحدة. كما أن كافة القرارات الدولية والمبادرات السياسية المختلفة التي عالجت مسألة إقامة دولة فلسطينية مستقلة كانت تعني إقامة الدولة في كل من الضفة وغزة وليس في منطقة منهما دون الأخرى. وأهم الوثائق الدولية التي نصت على مبدأ حل الدولتين (وثيقة الرباعية الدولية عام 2003) التي استهدفت إقامة الدولة الفلسطينية في كل من الضفة وغزة.

إذن ، من الواضح أن جميع القوى الإقليمية والدولية والأممية أجمعت على إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة وغزة ولم تغير موقفها في أي مرحلة , إلا أنه من الملاحظ مؤخراً أن إسرائيل بدأت في التركيز على وضعية ما أسمته مستقبل قطاع غزة وضرورة منحه ميناء على سبيل المثال كمبرر من وجهة نظرها لمعالجة الوضع الاقتصادي السيء في القطاع. ولاشك أن إسرائيل تستهدف من هذا التوجه تعميق الانقسام القائم حالياً بين كل من الضفة الغربية وغزة, مع تثبيت وضع السلطة المسيطرة فعلياً على القطاع وهي حركة حماس لاسيما، وأن هذا الانقسام يصب في النهاية لصالح إسرائيل، ووضع مزيد من العراقيل أمام إمكانية إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة باعتبار أن القطاع بظروف انفصاله عن الضفة وبالمزايا الاقتصادية التي سوف يحصل عليها يمكن أن يكون هو الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها حتى دون إعلان رسمي بذلك .

ويتماشى التوجه الإسرائيلي مع الأفكار المتطرفة التي بدأت تروجها عناصر إسرائيلية رسمية بأن حل الدولتين قد انتهى خاصة بعد لقاء نتنياهو / ترامب في منتصف شباط /فبراير الماضي , وأن أقصى ما يمكن أن يحصل عليه الفلسطينيون هو حكم ذاتي، في الوقت التي تتردد فيه من وقت لآخر نفس النغمة القديمة بأن الأردن هي الدولة الفلسطينية.

لذلك نحن أمام توجه إسرائيلي قوي ومدروس وممنهج يمهد بشكل تدريجي لإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة في مرحلة قادمة لا يتعجلها الآن ولكن يبني لها أسسها ودعائمها , والسؤال الذي لابد أن يطرح نفسه هنا هو مع من سوف يتفاوض الإسرائيليون عندما يتحدثون عن ميناء في غزة أو دولة مؤقتة أو هدنة طويلة الأجل، وهم يعلمون أن هناك انقساماً واقعاً بين الضفة وغزة , كما يعلمون أيضاً أن السلطة الفلسطينية لم ولن تقبل في أي وقت من الأوقات أقل من دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية علي حدود 67 مع الاستعداد لبحث بعض الحلول الوسط التي تساعد على إنجاز هذا المطلب الفلسطيني والعربي والدولي دون التفريط في الثوابت . بالتالي تفرض هذه المعادلة الجديدة مسؤوليات أمام بعض القوى الرئيسية حتى نتجنب تنفيذ هذا التوجه الإسرائيلي.

 فمن الضروري قيام السلطة الفلسطينية بإعادة تأكيد رفض أية توجهات إسرائيلية تتناول هذا الطرح تجاه غزة. ليس ذلك فقط ،بل لابد لها من التحرك بشكل سريع على محورين الأول استئناف جهود المصالحة الفلسطينية والثاني عدم ترك عملية السلام لإسرائيل تسيرها كما تشاء حتى تدمرها في النهاية. واستمرار التحرك المصري المميز والفعال لإحياء القضية الفلسطينية على المستوي الدولي , وقد كان الموقف إيجابياً للغاية ومتوقعاً عندما أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اجتماعه مؤخراً مع العاهل الأردني على مبدأ حل الدولتين باعتباره خياراً عربياً . ومن المؤكد أن الرئيس السيسي سوف يطرح هذا المبدأ مرة أخرى خلال لقائه مع الرئيس الأميركي في الزيارة المرتقبة, كما يبدو من الأهمية استمرار التوجه الإيجابي المصري تجاه القطاع الذي يستهدف بشكل رئيسي التخفيف من أعباء السكان (فتح معبر رفح علي فترات متقاربة ـ إدخال بعض السلع والبضائع) وفي نفس الوقت من المهم أيضاً أن تبدأ مصر بالتوازي استكشاف فرص استئناف جهود إنهاء الانقسام الفلسطيني على أساس وثيقة المصالحة الشاملة التي نجحت مصر في التوصل إليها بعد سنوات مضنية من التفاوض .

من الضروري ان تقوم حركة حماس (في ظل قيادتها الجديدة) وكذلك جميع الفصائل الفلسطينية بإعلان رفضها الواضح لأية محاولات إسرائيلية للتنصل من إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة أو حصر هذه الدولة في القطاع فقط،وهو ما يستلزم بالضرورة إعلان رفض أية أفكار حول الهدنة طويلة الأمد أو التفاوض بديلاً عن السلطة حول أية مزايا اقتصادية أو غيرها تطرحها إسرائيل، وهي حق يراد به باطل. ومن المهم أن تركز القمة العربية المقبلة بعمان في نهاية شهر آذار/ مارس الجاري علي مبدأ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية, مع إعادة التأكيد على المبادرة العربية للسلام.

وعلينا ألا ننتظر حتى ينتهي تماماً حلم إقامة الدولة الفلسطينية وتنقل واشنطن (ودول أخرى) سفاراتها للقدس, بل أن مسؤوليتنا جميعاً أن نشرح للعالم أن العرب وافقوا في النهاية على أن يقيم الفلسطينيون دولتهم علي مساحة 22بالمائة فقط من مساحة فلسطين التاريخية, وأن استمرار الوضع الراهن أصبح أمراً مستحيلاً وسوف يؤثر حتماً على استقرار المنطقة.

*المسؤول السابق عن «دائرة فلسطين ـ اسرائيل» في المخابرات المصرية

 

 

 

 

حماس: نرفض إقامة دولة فلسطينية في غزة.. فقط

قال القيادي في حركة حماس، إسماعيل رضوان(13/3)، إن حركته حماس لا تسعى لإقامة دولة مستقلة في قطاع غزة. وأعرب رضوان عن قبول«حماس» بإقامة دولة فلسطينية على حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967، مع عدم الاعتراف بإسرائيل. وشدد رضوان، خلال ندوة سياسية في جامعة الأقصى على رفض الحركة لفكرة إدخال قوات دولية للقطاع.

يذكر أن الإذاعة الإسرائيلية العامة نقلت عن رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو ، قوله خلال لقائه وزيرة الخارجية الاسترالية، جولي بيشوب، إن هناك إمكانية لإدخال قوات دولية إلى غزة «للحفاظ على الأمن ومواجهة الإرهاب».

وشدد على رفض "حماس" المطلق للمفاوضات السياسية مع إسرائيل، قائلا: إن "المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي مرفوضة مطلقا وقد انتهت إلى الفشل وطريق مسدود".

وكانت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، قد توقفت في شهر نيسان 2014 إثر رفض إسرائيل وقف الاستيطان والإفراج عن معتقلين أمضوا سنوات طويلة في السجون الإسرائيلية.