لم يتوقف العبث بالمشروع الوطني الفلسطيني من خلال طرح بدائل فاشلة للبرنامج الوطني الفلسطيني. فمن «حل الدولتين» كما صاغته الولايات المتحدة، وبما يخدم المشروع الصهيوني، إلى ما يسمى بـ «حل الدولة الواحدة»، حل الدولة الإسرائيلية الكبرى على كامل التراب الوطني الفلسطيني، في ظل نظام عنصري مقيت، إلى ما يسمى من قبل المراقبين بـ «حل الدول الثلاث».

وحل الدول الثلاث لا يختلف في أهدافه عن باقي الحلول والسيناريوهات الهادفة إلى تمزيق الشعب الفلسطيني، وتفتيت أرضه، وشطب مشروعه الوطني، ومنع قيام كيانيته الوطنية، وإدخاله في نزاعات إقليمية لا تمت بصلة إلى القضية الوطنية الفلسطينية.

ومصدر هذا الحل هو العقل السياسي الصهيوني الفاعل في مؤسسات البحث والدراسات في تل أبيب، في وزارة الخارجية الإسرائيلية، أو تحت رعاية وزارة الدفاع أو رئاسة الحكومة، وهو يندرج في سياق حل إقليمي يقوم على تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية، وضم الجولان السوري نهائياً إلى إسرائيل، وتوفير «حل» للوجود الشعبي الفلسطيني يقوم على تفتيته إلى 4 تجمعات رئيسية، لا ترابط بينها، وتذوبيها في محيطها في إطار شطب الشخصية الوطنية الفلسطينية. تجمع الفلسطينيين داخل إسرائيل، وتذويبهم في المجتمع الصهيوني، وأسرلتهم وشطب هويتهم الوطنية وتجمع آخر في الضفة الفلسطينية، وثالث في قطاع غزة، ورابع هم اللاجئون في الشتات.

*     *    *

يقوم المشروع على مبدأ أن حل القضية الفلسطينية يندرج في إستكمال معاهدتي وادي عربة (مع الأردن) وكامب ديفيد (مع مصر) وإنهاء الصراع في المنطقة وفق مبادرة السلام العربية (بيروت 2002). ومن أبرز الداعين إلى هذا الحل غيورا إيلاند، مستشار الأمن القومي، في وزارة الدفاع الإسرائيلية ويقوم على التفاصيل التالية:

• من هم في إسرائيل، هم مواطنون إسرائيليون، يطلق عليهم إسم «عرب إسرائيل»، ومستقبلهم هو الذوبان في المجتمع الإسرائيلي، بعد فصلهم سياسياً وقومياً عن باقي تجمعات الشعب الفلسطيني. ومن لا يرغب منهم بهذا الحل، بإمكانه الرحيل إلى الضفة الفلسطينية في إطار التسوية النهائية، ضمن سقف زمني معين.

• الضفة الفلسطينية (أو ما تبقى منها خارج إطار خطط ومشاريع الإستيطان وتوسيع الطرق الإلتفافية وشبكة المواصلات الهادفة إلى الربط بين «العمق الإسرائيلي، وبين القدس والمستوطنات والمواقع العسكرية»، تضم إلى الأردن، في إطار إتحادي يتفق عليه الطرفان الفلسطيني والأردني، يكون فيه للفلسطينيين شكل من أشكال الإدارة الذاتية [مجلس تشريعي ـــ مجلس تنفيذي أي حكومة محلية، وشرطة محلية وقضاء محلي ضمن سقف معين]، ترتبط بالإدارة المركزية في عمان، ويحمل سكان الضفة الجنسية الأردنية بإعتبارهم مواطنين أردنيين، وتكون عاصمتهم عمان وعاصمتهم الإدارية رام الله أما القدس فيكون فيها للأماكن المقدسة الإسلامية (وبعض المسيحية) نظام خاص، برعاية الأوقاف الأردنية وتحت السيادة الإسرائيلية. في هذا الإطار يخضع الفلسطينيون لما جاء في معاهدة وادي عربة من شروط «سلام»، تدخل عليها تطويرات تأخذ في عين الإعتبار، الواقع الجديد، بما في ذلك عودة إلى أفكار شمعون بيريس حول التعاون الإقتصادي الثلاثي [إسرائيلي ـــــ فلسطيني ــــ أردني]  في إطار كونفدرالية إقتصادية، بما يحمي الإقتصاد الإسرائيلي من خطر التهريب من الضفة إلى إسرائيل، ويعمق علاقات التبعية الإقتصادية ـــ الفلسطينية لإسرائيل، ويطور آفاق التطبيع الإقتصادي الأردني ـــ الإسرائيلي.

• قطاع غزة يكون حله بالتعاون مع الجانب المصري. بحيث يتم توسيع مساحة القطاع لتخفيف الإكتظاظ السكاني فيه من خلال منحه مساحة واسعة من أراضي سيناء، وبعض المناطق المجاورة في النقب. ويبقى خياره السياسي مفتوحاً، بين «دولة فلسطينية» عمقها الوجود المصري، من جهة، والوجود الإسرائيلي من جهة أخرى وفي سياق إتفاق معين، يشاد فيها مرفأ، إما على شاطئها، أو في جزيرة إصطناعية بجواره، يشكل منفذاً إلى الخارج، لكن تحت الرقابة الأمنية الإسرائيلية وفي إطار إتفاقية إقتصادية هدفها حماية الإقتصاد الإسرائيلي، وعدم خسارة القطاع سوقاً إستهلاكية للصناعات والبضائع الإسرائيلية، والحفاظ على دور ما للتجار الإسرائيليين سماسرة بين التجار والمزارعين والصناعات في غزة وبين السوق الخارجية, كذلك يشاد فيها مطار صغير، بالتعاون مع الإدارة المصرية، لأسباب فنية وأمنية وإقتصادية، وبحيث يبقى المطار كما هو المرفأ، خارج السيادة الفلسطينية.

يرتبط الكيان الفلسطيني في غزة [أياً كان إسمه: دولة أم إدارة ذاتية] بإتفاقية أمنية إقتصادية مع الجانب المصري، بإعتبار سيناء هي منفذه إلى الخارج ويدير القطاع شؤونه بالتشاور الدائم مع القاهرة حفاظاً على المصالح الأمنية والإقتصادية المصرية. يكون للقطاع مجلسه التشريعي، والتنفيذي: حكومته المحلية] وقضاؤه الخاص وكل ضرورات الكيان ومستلزماته. ومستوى وطبيعة علاقاته مع مصر، يتفق عليها الطرفان بإطلاع إسرائيلي، بإعتباره الطرف الثالث المعني بإدارة العلاقة مع القطاع.

• اللاجئون في الضفة، يكون توطينهم حيث هم في سياق مشروع لتطوير المخيمات وتحويلها إلى تجمعات مدينية بتمويل خارجي، وإنهاء ظاهرة المخيمات [إلغاء ظاهرة المخيمات وحل وكالة الغوث مطلبان دائمان على جدول أعمال الجانب الإسرائيلي].

• اللاجئون في غزة يكون توطينهم في القطاع، بحدوده وصيغته السياسية الجديدة وفي إطار مشروع شبيه بمشروع الضفة بما خص وجود المخيمات ودور وكالة الغوث.

• أما اللاجئون في الشتات فهناك أكثر من سيناريو لحل قضيتهم، من أبرزها سيناريو «جنيف ـــــ البحر الميت»، وإتفاق عرفات ـــ باراك ــــ كلينتون في كامب ديفيد 2، ومشروع الوزير اللبناني فارس بويز يما يتعلق باللاجئين في لبنان. وكلها سيناريوهات تقوم على مبدأ التوطين أو إعادة التهجير إلى بلد ثالث، وشطب حق العودة. يدعم هذا الحل مبادرة السلام العربية التي أسقطت حق العودة مقابل التطبيع مع الجانب الإسرائيلي.

• يتم حل وكالة الغوث، وربما تنشأ على أنقاضها وكالة بديلة، أو مجموعة وكالات، وظيفتها مساعدة الإدارات الفلسطينية الجديدة (في الضفة و غزة) على تثبيت أركانها، أو الإشراف على توطين اللاجئين بموجب خطط يتم تمويلها من قبل الجهات المانحة.

 

*      *     *

 

هذا هو مشروع الدول الثلاث، أي تفتيت القضية الفلسطينية إلى 3 حلول في 3 دول، هي إسرائيل، ومصر، والأردن.

 

علينا أن نلحظ في هذا السياق ما يلي:

 

• حديث متكرر على لسان نتنياهو بضرورة تجاوز الحل الثنائي مع الفلسطينيين، والذهاب نحو حل إقليمي يكون العرب، تحديداً مصر والأردن، شركاء فيه.

• كلام ترامب عن سقوط حل الدولتين، وحتى حل الدولة الواحدة (بالمفهوم الإسرائيلي) ودعوته لحل إقليمي، يبدأ العمل به بدعوته إلى مؤتمر إقليمي يجمعه إلى جانب الأطراف الأردنية والإسرائيلية والفلسطينية. ويبقى الباب مفتوحاً لدعوة الجانب المصري، نظراً لدور مصر على الصعيد العربي ولإدراك الولايات المتحدة وكذلك الأردن، وكذلك إسرائيل، إن أي حل إقليمي لا بد أن تكون القاهرة أحد أعمدته الصلبة.

• كذلك من المفيد لفت النظر إلى ما كتبه اللواء محمد إبراهيم (أحد قادة جهاز المخابرات المصرية سابقاً) في «الأهرام»، يحذر فيه من خطورة فصل القطاع عن الضفة، وقيام «دولة فلسطينية» في القطاع. ولا نعتقد أن شخصية مهمة، كاللواء محمد إبراهيم، واسعة الإطلاع والمعرفة، تحذر من خطورة قيام دولة فلسطينية في غزة منفصلة عن الضفة، لولا أن لديه من المعلومات الدقيقة ما يدفع به للتحذير وإبداء التخوف الحقيقي. أخيراً وليس آخراً، ما كان هذا العبث بالمصير الفلسطيني، في عرض حلول وسيناريوهات مختلفة، لولا إنقلاب أوسلو على البرنامج الوطني الفلسطيني.

 

 

 

[ للبحث صلة]