الحراك في المشهد الحزبي الإسرائيلي يوحي للكثير من المراقبين أن الانتخابات المبكرة ليست مستبعدة؛ في ظل التحقيقات المتتالية مع بنيامين نتنياهو في تهم فساد، وتداعيات تقرير «مراقب الدولة» بشأن العدوان الأخير على غزة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي لجأ إلى الانتخابات المبكرة سابقاً كي يقلب الطاولة أمام عدد من منافسيه وعلى نحو خاص يوسي لبيد وتسيفي ليفني عندما شعر بأن تحالفاً ينشأ ضده داخل الائتلاف الحكومي؛ واستطاع بذلك أن يجدد بقاءه على رأس الهرم السياسي الإسرائيلي.

المسألة التي تختلف هذه المرة، هي ظهور شخصيات حزبية من داخل الليكود تريد أن تنافس على منصب رئاسة الوزراء من خارج الحزب، وربما كان يعلون أبرز مثال على ذلك، فيما يتوقع مراقبون أنه لن يكون الوحيد على هذا الطريق.

وفي كل مرة يحصل فيها ظهور منافسين جدد، يلجأ نتنياهو إلى مناورة يحد فيها من خطورة، وطريقته في تحقيق ذلك هي أن يقطع الطريق على المزايدة عليه من خلال اندفاعه أكثر في تنفيذ السياسة التوسعية الإسرائيلية.

ففي الوقت الذي ازدادت شعبية رئيس حزب «البيت اليهودي» نفتالي بينيت على خلفية فرضه قانون «التسوية» على جدول أعمال الحكومة، أطلق نتنياهو منذ الآن إعلانه بإحياء ما أسماه «اليوبيل الفضي لتحرير الضفة الغربية»! وسيبدأ الاحتفالات بعقد اجتماع حكومته في القدس الشرقية وربما في الخليل.

ومنذ أن تصاعدت التجاذبات مع إدارة أوباما حول العطاءات الاستيطانية الجديدة في القدس الشرقية، بدأ جمهور حزب الليكود يمتد بقوة في أوساط المستوطنين حتى أصبح ممثلوهم جزءاً أساسياً في توجيه سياسته تجاه الملف الفلسطيني؛ وكانت موضوعة الاستيطان وتوسعته إلى جانب حملات الهدم والتهويد هي الرافعة الأساسية في تجديد ولاية نتنياهو على رأس الحكومة.

ومع ذلك، يجد بينت فرصة مع مجيء إدارة ترامب وتأجيل نتنياهو التصويت على ضم مستوطنة «معاليه أدوميم» انتظاراً لبلورة مسار مشترك بين واشنطن وتل أبيب تجاه الموضوع على ضوء الاجتماع الذي جمعه مع الرئيس الأميركي الشهر الماضي. وربما يسعى بينت إلى الرد على ما قام به نتنياهو عشية الانتخابات السابقة عندما دعا الناخبين من جمهور حزبه وفي أوساط المستوطنين إلى انتخاب «الليكود» حصراً دون أي حزب يميني آخر «ضماناً» للحفاظ على مستقبل الاستيطان و«ازدهاره»؛ وهو ما أفقد حزب «البيت اليهودي» عدداً من مقاعده؛ ولهذا السبب يرى بينيت أن ما قام به تجاه «قانون التسوية» يشكل خطاباً مباشراً للناخبين من أوساط اليمين  واليمين المتطرف بأن حزبه هي الأكثر حرصاً على تجسيد السياسة التوسعية الإسرائيلية وأن نتنياهو بدأ في رسم الاعتبارات التوافقية مع إدارة ترامب التي تسعى إلى ضبط إيقاع سياسة نتنياهو وفق أولوياتها دون أن يعني ذلك أن نتنياهو لم يكتسب بمجيء ترامب شريكاً في تمرير رؤيته للحل أحادي الجانب على جبهة التسوية؛ وضمن حل إقليمي يضمن لتل أبيب استمرار السيطرة الأمنية والاقتصادية على الضفة وفق هذا الحل أو حتى بدونه؛ ويضمن تطبيع العلاقات مع المحيط العربي الرسمي دون دفع الثمن عبر تسوية تجسد حقوق الشعب الفلسطيني.

ويسعى منافسو نتنياهو إلى الجمع ما بين تداعيات التحقيق بتهم فساد وبين ما جاء في تقرير «مراقب الدولة» حول أداء الجيش في العدوان على  غزة العام 2014. لكن المشكلة أنهم يعانون داخل أحزابهم من خلافات وخاصة في حزب «العمل» الذي تدل المؤشرات على أنه في طريقه مرة أخرى إلى الانكماش، ومشكلتهم الأساسية أنهم بلا رؤية سياسية واضحة تجاه الملف الفلسطيني تميزهم عما يطرحه رئيس الوزراء عبر ما أسماه «السلام الاقتصادي» التي من المتوقع أن تلقى تأييداً من الإدارة الأميركية الجديدة.

ربما ما يقلق نتنياهو للمرة الأولى، أن تراجع شعبيته باستطلاع الرأي ترافق مع استقالة وزير الجيش السابق موشيه يعلون الذي أعلن أنه سيشكل حزباً جديداً وقد منحه الاستطلاع أربعة مقاعد في الكنيست؛ إضافة إلى تصدر حزب منافسه اللدود يئير لبيد نتائج الاستطلاع الذي أوضح نجاحه في خطف مقاعد من معسكر اليمين واليمين المتطرف مصدر قوة نتنياهو وحزبه.

ولطالما كان نتنياهو يفخر بأنه استطاع أن ينقذ حزب الليكود من التلاشي في انتخابات العام 2009، ونقله من 11 مقعداً في الكنسيت إلى 27 دفعة واحدة؛ بعد أن تعرض الحزب إلى نكسة جدية في العام 2005 عندما خرج منه شارون وشكل حزباً جديداً «كاديما» امتص معظم قيادات الليكود وحوله إلى حزب هامشي في المشهد الحزبي والسياسي الإسرائيلي.

بالمقابل، هناك ما يهدىء من قلق نتنياهو، لأن خروج يعلون من «الليكود» أفضل بالنسبة له من بقائه ومنافسته لاحقاً على رئاسته. أو على الأقل تشكيل كتلة مناوئة داخل الحزب. فالخطر الأكبر يبدأ من هنا من موقع إدراكه أن بقائه على رأس الحزب هو العتبة الأساسية كي يجدد آماله في البقاء في منصب رئاسة الوزراء.

وباعتباره بارعاً في إنتاج المناورات وتمريرها، ربما يفتش منذ الآن عن تقاطعات مع أحزاب منافسة يتبادل معها صفقات تسهل تحقيق آماله، حصل ذلك في السابق مع كل من بينيت (البيت اليهودي) ولبيد (يوجد مستقبل)، وشكلا تحالفاً مثلث الأضلاع، صمد لولاية كاملة، لكنه تفسخ في الولاية الثانية لحكومة نتنياهو بعد تفاقم الخلافات مع لبيد ودخول ليفني على خط مناوئة نتنياهو. ومع ذلك، فإن الصفقات المسبقة مشكلة عل الدوام سمة راجحة في بازار الانتخابات. وبالتالي فإن من مصلحة نتنياهو البحث عن تفاهم مع لبيد لا تضمن له فقط استمرار الحياة السياسية، بل وأيضاً تضعف من قوة حزب «البيت اليهودي» وتكبح طموحات رئيسه تجاه مقعد رئاسة الوزراء.

ثمة ما يخدم وضع نتنياهو على ضوء دعوة الإدارة الأميركية لاستئناف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. فالدعوة لم تتضمن ما يخرج عن رؤيته، على العكس، تركت لحكومته التحكم بمسار المفاوضات وتقرير نتائجها. وهو على كل حل حدد شرطيه المعروفين لاستئنافها: اعتراف المفاوض الفلسطيني بيهودية دولة إسرائيل وبأن حدود إسرائيل تمتد من البحر الأبيض إلى نهر الأردن. وأكد بشدة على أن الأمن في الضفة اختصاص مصري إسرائيلي، ولم يرفض وجود قوات دولية في قطاع غزة في إشارة واضحة إلى أنه يتعامل مع الحالة الفلسطينية ككيانين منفصلين عن بعضهما.

قطار التسوية بالشروط هذه يساعد نتنياهو على شد الجمهور الإسرائيلي نحو متابعة ما ينجم عنها تجاه مستقبل الاستيطان. وبما أن مؤشرات الدعوة لاستئناف المفاوضات لا تمس هذا المستقبل بل توفر الشروط لضمه إلى إسرائيل، فإن ذلك سيعيد لنتنياهو ما فقده من شعبية وربما تزيد عن السابق. وتوفر هذه الظروف (السياسية والحزبية) لنتنياهو القدرة على تنفيذ خياراته المفضلة، والعامل الرئيس الذي يمكنه في كل مرة من النجاح بذلك هو خلو المشهد الإسرائيلي من قيادات تتمتع بالقدرة كما كان الأمر في العقود الأولى التي تلت قيام دولة الاحتلال.

الأهم في كل ما سبق أن الحراك الحزبي السياسي الاسرائيلي يجري في ظل غياب الفعل الفلسطيني الجدي في الميدان وفي السياسة . صحيح أن الحراك الفلسطيني الوطني ليس العامل الحاس في توجيه ما يجري في اسرائيل ، لكنه لطالما كان عاملا مهما في وضع القضية الفلسطينية في قلب الصراع بين المتنافسين والمتصارعين ما بين الأحزاب الصهيونية ، وهو ما كان يدفعهم لتقديم مبادرات تدل ـ على إجحافها ـ على أن العامل الفلسطيني لا يمكن تجاوزه .. وهو ما لا يحصل الآن.