يمكن وصف السلطة الفلسطينية، (ومن خلفها حركة فتح ورئيسها محمود عباس) بأنها

مصابة بالحساسية المفرطة إزاء المؤتمرات الشعبية الخاصة بالقضية الفلسطينية، وأن هذا

يعكس بوضوح مدى المسافة الشاسعة التي باتت تفصل بين هذه السلطة، وتوجهاتها

السياسية، والتزاماتها الأمنية والاقتصادية نحو الاحتلال، وبين التيار العام الذي يجتاح

الحالة الشعبية الفلسطينية، داخل المناطق المحتلة وخارجها.

ففي الوقت الذي شاركت فيه كل القوى الفلسطينية من دون استثناء، بما فيها تلك المقربة

من الرئيس عباس شخصياً، كجبهتي النضال الشعبي (أحمد مجدلاني) والتحرير الفلسطينية

(واصل أبو يوسف) قاطعت فتح مؤتمر طهران، فتغيب وفدها برئاسة عباس زكي، أما

حضور سليم الزعنون، فقد فسّر على أنه من موقعه كرئيس للمجلس الوطني الفلسطيني.

والورش التي أشرفت عليها الإدارة المصرية في مدينة عين السخنة، وشارك فيها المئات

من الشخصيات والإعلاميين والنشطاء الشباب من قطاع غزة، فقد حملت عليها إدارة

عباس، ما زاد من توتر العلاقات بين رام الله والقاهرة، وفسر الأمر أنه على خلفية الموقف

من النزاع بين عباس من جهة ومحمد دحلان من جهة أخرى.

أما مؤتمر إسطنبول، الذي دعت له وأدارته بحكمة تنظيمية وسياسية حركة حماس (ومن

خلفها حركة الإخوان المسلمين) فقد رأت فيه فتح، والسلطة، وكذلك فصائل أخرى في

المنظمة، محاولة من أصحاب الدعوة لنقل الإنقسام من مستواه المؤسساتي [بين سلطة فتح

وسلطة حماس، وفي داخل المجلس التشريعي] إلى مستواه الشعبي، بحيث ينقسم الشارع

بين مؤسستين، إحداهما هي م. ت. ف، من موقعها التمثيلي المتعارف والمتوافق عليه،

والثانية هي مؤتمر إسطنبول، كممثل جديد لفلسطيني الشتات، كرد على إهمال م. ت. ف

للوجود الفلسطيني خارج المناطق المحتلة، خاصة اللاجئين وقضيتهم، التي ما زال محمود

عباس يلوح بالتنازل عنها مقابل تحسين موقعه التفاوضي بشأن ما يعتقده شروط قيام الدولة

1

 

 

 

الفلسطينية على أجزاء من المناطق المحتلة في حزيران 67. ونعتقد أن مؤتمر باريس،

الذي يدعو ويحضر له "التيار الإصلاحي" داخل فتح (بقيادة محمد دحلان)، سوف يدرج

بالضرورة، من قبل السلطة في خانة التحركات الهادفة إلى التشويش على النشاط

الديبلوماسي للرئيس عباس على حد تعبير السفير الفلسطيني في باريس سلمان الهرفي،

الذي جند كل طاقاته الديبلوماسية والإعلامية لقطع الطريق على إنعقاد هذا المؤتمر، مع

إدراكه المسبق، وهو الديبلوماسي الذكي وصاحب القدرة على القراءة السياسية الدقيقة

للأحداث، أن المؤتمر سوف ينعقد بالضرورة، وأنه ستكون له ردود فعله العديدة، نظراً

لمكان إنعقاده، وللجهات التي دعت له.

النقاش الذي أدارته اللجنة، التنفيذية في م. ت. ف، بناء على تقرير لجنة خاصة، بشأن هذا

كله، إنقسم في نتائجه إلى موقفين:

الأول: أخرج هذه التطورات من سياقها السياسي بأبعاده المختلفة ورأى فيها مجرد

مخططات لقوى إقليمية (إيران) وعربية (مصر) وفلسطينية (دحلان) للتشويش على سياسة

الرئيس عباس، ووجد الحل في تنشيط الماكينة الديبلوماسية الفلسطينية المتهمة على الدوام

بالجمود والبيروقراطية.

أما الثاني فقد أعاد هذا كله إلى الفراغ الذي أحدثه غياب م. ت. ف ودوائر لجنتها التنفيذية

(خاصة دائرة شؤون اللاجئين) وتغييب مؤسساتها الشعبية وإتحاداتها النقابية المعنية بتنظيم

الوجود الفلسطيني في الشتات. كما أعاده إلى موقف المفاوض الفلسطيني، وبخاصة الرئيس

عباس، من قضية اللاجئين وحق العودة. ولعل تصريحات عباس في لبنان، كانت لافتة

للنظر ومثيرة لشكوك ملايين اللاجئين. بطبيعة الحال، وكعادتها لم تتوصل اللجنة التنفيذية

إلى أي قرار (فالقرار دوماً بين يدي الرئيس عباس من دون غيره) مما يبقي الباب مفتوحاً

للتساؤلات، ولعلّ أهم تساؤل يمكن أن يخطر بالبال هو إذا ما كنا قد بتنا على عتبة ولادة

مؤسسة (أو ربما مؤسسات) بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية تستغل بحر الفراغ الذي تسبح

فيه قضايا اللاجئين والشتات الفلسطيني.