تلقت القيادة الفلسطينية بارتياح الاتصال الهاتفي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي عبر عن رغبته في عقد صفقة سلام بين الفلسطينيين و«الإسرائيليين»، ووجه دعوة للرئيس الفلسطيني محمود عباس لزيارة البيت الأبيض. وكان الإسرائيليون، خاصة بنيامين نتنياهو يراهن على أن الرئيس الفلسطيني لن يدخل الأبيض قط، وأن الإدارة الجديدة صارت خاتماً في إصبعه بعد لقائه الرئيس ترامب، فيما شعرت القيادة الفلسطينية بالتهميش رغم زيارة رئيس المخابرات الفلسطينية ماجد فرج إلى واشنطن، واجتماع الرئيس الفلسطيني مع مدير المخابرات المركزية الأمريكية عشية وصول نتنياهو إلى واشنطن.

السلطة الفلسطينية اعتبرت أنها مجبرة على الانتظار بطلب من المخابرات الأمريكية، ووقف إجراءات الانضمام إلى 16 منظمة دولية أو تقديم ملفات ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية، ريثما تكتمل حلقات الإدارة الجديدة. وفجأة تلقت الرئاسة الفلسطينية إشعاراً باتصال وشيك من الرئيس الأمريكي بعد اتصاله بالعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، فقد كان الشعور لدى القيادة الفلسطينية بأنها مقبلة على جمود تام، بل هناك محاولات «إسرائيلية» جادة لتصفية القضية الفلسطينية، والهروب من حل الدولتين تحت ستار ما يسمى بالسلام الإقليمي، بينما يجد الأردن خطراً عليه من هذا الهروب أيضاً، لأن تصفية القضية ستتم على حسابه، وهذا الهاجس ضغط على القيادتين الأردنية والفلسطينية معاً.

مأزق القيادة الفلسطينية الذي حله تدخل مكالمة ترامب بقوله إن طاقمه التفاوضي اكتمل، وإن مبعوثه إلى الشرق الأوسط في الطريق لزيارة «تل أبيب» ورام الله، لم يحل مأزق نتنياهو رغم أن الرئيس الأمريكي اتصل بنتنياهو أثناء جلسة التحقيق معه حول الهدايا التي تلقاها وزوجته، ووضعته في موقف قريب من الاتهام أمام النيابة العامة. وقيل إن المكالمة التي قطعت جلسة التحقيق عند الشرطة تمت بترتيب من نتنياهو لإدخال الرعب في نفوس المحققين، وقيل إن الرئيس ترامب لم يكن يعلم بأنه يخاطب نتنياهو من جلسة التحقيق، لكن المكالمة لم تقطع التحقيقات.

فرئيس الوزراء الإسرائيلي يحاول الخروج بإنجاز ما يخرجه من مأزقه، بينما بدأ حلفاؤه في اليمين يستعدون للانتخابات لوراثته، باعتبار أن مستقبله السياسي انتهى، فتوجه إلى واشنطن للقاء ترامب وعاد من دون إنجازات، ثم قفز إلى موسكو لعله يقنعها بالخطر الإيراني الذي يقترب من حدوده، لكن الروس طمأنوه بأنهم يسيطرون على الوضع، ولا خطر على إسرائيل من إيران.

 ويطمح نتنياهو إلى لعب دور كوسيط بين ترامب وبوتين، لكن الروس ليسوا بحاجة إلى وصي، فهم ينسقون عسكرياً مع الأمريكيين ميدانياً في سوريا، إلا أن نتنياهو ينظر إلى البعيد، أي أنه في حالة انتهاء الحرب في سوريا فستبرز قضية الجولان السوري المحتل الذي تتفق على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي منه، كل قوى المعارضة السورية، والنظام أيضاً، وهو يريد تعطيل ذلك مسبقاً حتى لا تمارس الضغوط على إسرائيل من جانب واشنطن وموسكو معاً. لكن مخاوف نتنياهو الكبرى هي مستقبله السياسي وهو يرى أن استطلاعات الرأي تعطي أحزاب اليمين قوة اكبر على حساب حزبه، وظهور أحزاب وسط، ويمين وسط جديدة، ما يعني أنه لن يكون قادراً على تشكيل حكومة في حالة إجراء الانتخابات قبل موعدها.

وحال القيادة الفلسطينية لا يقل خطورة عن حال نتنياهو بعد غياب أي أفق سياسي، كما أن حركة حماس بدأت العمل لخلق جسم بديل عن منظمة التحرير بعقد مؤتمر الشتات في إسطنبول وعاد الحديث مجدداً عن دولة غزة.

من هنا اعتبرت مكالمة ترامب بمثابة اعتراف بالشرعية الفلسطينية ورد اعتبار للقيادة الفلسطينية، ولم يكن ترامب ليتحرك ضمن أسباب أخرى إلا بعد أن دق ناقوس الخطر في أوساط الجالية اليهودية في الولايات المتحدة التي اعتبرت الحديث عن حل الدولة الواحدة كخطر وجودي على «إسرائيل»، لأنه إما أن يحولها إلى دولة ذات أكثرية عربية، وإما إلى دولة «ابارثيد» وفصل عنصري.

فاللوبي اليهودي المؤثر في أمريكا يريد حل الدولتين للحفاظ على أغلبية يهودية في الكيان، ولا يؤيد لا حل الدولة الواحدة ولا السلام الإقليمي. فالرئيس الأمريكي عموماً، لم يكن يخطط لإقحام نفسه في القضية الفلسطينية، ولم تكن على رأس أولوياته، لكن التأثير اليهودي جعله ينغمس فيها، ويسارع إلى تشكيل طاقم تفاوضي لهذا الغرض، وقد يرعى مفاوضات مباشرة في واشنطن بين الرئيس الفلسطيني عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.

عن الخليج الاماراتية