إنتهت لعبة «حل الدولتين» بعد أن دامت لسنوات، كان الهدف منها خلق بدائل أميركية ــــــ إسرائيلية للبرنامج الوطني الفلسطيني. وبعد أن حققت اللعبة العديد من أهدافها [إسقاط حق العودة ـــ الإنفصال عن الأهل في مناطق الـ 48 ـــــ دولة ناقصة السيادة وفي حالة تبعية إقتصادية وأمنية] أعلن «الراعي» الأميركي نهاية اللعبة، مفتتحاً لعبة جديدة إسمها «حل الدولة الواحدة».

و«الدولة الواحدة» عنوان غامض للكثير من المشاريع، وبالتالي لا يجوز الإنبهار به، قبل التدقيق بمضمونه، وبحقائقه، وأبعاده، ومدى ضمانه للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني [الحقوق القومية للأهل في الـ 48 ـــــ الحقوق الوطنية المشروعة  لمن في مناطق الـ 67 ــــــ حق العودة للاجئين في مخيمات الضفة والقدس والقطاع والشتات]. وبالتالي يجب القول إنه لا يمكن العبث بالقضايا الكبرى، كالقضية الفلسطينية، بحيث تطرح أمامها سلسلة من «الحلول»، تدعونا لأن نختار واحداً منها. فلسنا في معرض للأزياء، بل نحن في خضم معركة مصير قومية ووطنية، يفترض أن يكون لها برنامجها الوطني ورؤيتها السياسية الواضحة والصريحة. وعلى هذه القاعدة نحاكم مضمون ما يقدم بإعتباره «حل الدولة الواحدة»، كما دعا له ترامب، وسبقه إلى ذلك وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه أرنس، وألمح إليه في حله «الإقتصادي» رئيس حكومة أقصى اليمين الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما جاء في عروض قدمها لنا زعيم المعارضة الإسرائيلية، حاييم هرتسوغ.

كل هذه الحلول تتمحور حول مسألة هي محل إجماع القوى السياسية الإسرائيلية تصر على إعتبار إسرائيل «الدولة القومية للشعب اليهودي»، وأي حل يرغب الفلسطينيون في الدخول فيه، يجب أن يسبقه الإعتراف بمضمون هذه الدولة. وهذا يعني، كما أوضحنا في العديد من المناسبات، تكريس قانون العودة اليهودي كأحد الأسس الثابتة لقيام هذه الدولة. كذلك تتمحور هذه الحلول حول إسقاط حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أملاكهم وديارهم، لأنه يتناقض مع «القومية اليهودية للدولة»، ولأنه يفتح الباب لدولة «ثنائية القومية» [حتى ولم يكن للقومية العربية الفلسطينية الحقوق ذاتها «للقومية اليهودية»].

وتتمحور أيضاً حول رفض الإعتراف بحقوق المواطنة لغير اليهودي، ما يفترض توفير صيغة «قانونية«  للوجود الفلسطيني العربي في هذه الدولة.

الأمر الذي يستدعي نظاماً خاصاً بالفلسطينيين، كمنحهم حق «الإقامة»، بديلاً لحق المواطنة، وتحويل مدنهم وتجمعاتهم السكانية إلى «غيتوات فلسطينية» في مواجهة مدن يهودية تمتد على كامل التراب الفلسطيني، وفي ظل إدارة ذاتية محكومة بقوانين مغلقة، لا تفسح في المجال لأي شكل من أشكال ما يسمى بـ «النضال المدني» ضد أشكال التمييز العنصري، الذي ستقوم عليه «الدولة الواحدة» بسمتها «القومية اليهودية» في إطار تحقيق المشروع الصهيوني «الناجز».

وبالتالي لسنا أمام الدولة الواحدة القائمة على أسس ديمقراطية، تضمن المساواة في المواطنة، وفي الحقوق القومية، كما تضمن العدالة الإجتماعية لمواطنيها وأبنائها دون تمييز عنصري وعرقي وديني أو مذهبي .. بل نحن أمام الدولة الصهيونية، على كامل التراب الفلسطيني، مستندة إلى منظومة قوانينها العنصرية التي قامت على أساسها الدولة عام 1948.

*    *    *

مثل هذه الدولة، والتي سيكون إسمها إسرائيل، ستقوم على أساس من تراجع الفلسطينيين وتنازلهم عن حقهم في قيام كيان سيادي خاص بهم، وتنازلهم عن حقهم في تقرير المصير، وقبولهم، بالمقابل، بتكريس الإحتلال، ومنحه الشرعية، ليصبح إحتلالاً سيادياً على كل شبر من أرض فلسطين.

مثل هذه الدولة لها علم واحد، هو العلم الإسرائيلي، ونشيد واحد هو النشيد الإسرائيلي، وجيش واحد هو الجيش الإسرائيلي، وتقوم لتحقيق مشروع واحد هو مشروع إسرائيل الكبرى.

مثل هذه الدولة تعني سقوط البرنامج الوطني والتسليم بهزيمته، والإعتراف بفوز المشروع الصهيوني، وإنتصاره، ليس على المشروع الوطني الفلسطيني فحسب، بل وعلى المشروع العربي التقدمي الديمقراطي. فإنتصار إسرائيل، لن يكون حدوده الأرض الفلسطينية بل سوف تمتد تداعياته ومفاعيله نحو الإقليم بكامله، ما يفتح الباب لمتغيرات وتطورات جيوسياسية، تتجاوز حدود سايكس بيكو، وتتجاوز حدود وعد بلفور، نحو أهداف بدأ التحالف الإسرائيلي الأميركي يلوح ببعضها في الإطار الإقليمي.

وبالتالي فإن مصير القضية الفلسطينية من شأنه أن يعكس نفسه بالضرورة على مصير المنطقة كلها، ليس من بوابة قضية اللاجئين الفلسطينيين فحسب، بل أيضاً من بوابة المشروع الوطني كله، مشروع مقاومة التحالف الأميركي الإسرائيلي ومصالح الغرب في المنطقة على حساب مصالح الشعوب العربية ومستقبلها وبناء دولتها الوطنية، دولة المواطنة والمساواة والعدالة الإجتماعية.

*     *    *

عندما يحاول ترامب أن يظهر براءته وتسامحه مع القضية الفلسطينية ويدعي أنه مع أي حل يقبله الطرفان، دولتان، أم دولة واحدة، ثم يقرر نقل سفارته إلى القدس المحتلة، ثم يدين القرار 2334 بشأن الإستيطان، ثم يوافق على بقاء المستوطنات وتوسيعها وضمها لإسرائيل، يكون قد مارس الكذب المفضوح وأعلن إنحيازه إلى المشروع الصهيوني علانية على حساب البرنامج الوطني الفلسطيني.

وعندما يحاول نتنياهو أن «يمد يده» لإستئناف المفاوضات دون شروط فلسطينية مسبقة، لكنه يشترط بالمقابل على الفلسطينيين أن يعترفوا (قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات) بإسرائيل «دولة قومية للشعب اليهودي»، وبأن الحدود الآمنة لإسرائيل هي التي تمتد من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، وحين يشترط إستبعاد قضية القدس [بإعتبارها عاصمة دولة إسرائيل وليست موضوعاً للتفاوض] وإستبعاد قضية اللاجئين (بإعتبار أن إسرائيل غير مسؤولة لا سياسياً ولا تاريخياً ولا أخلاقياً عن ولادة  مأساتهم وقضيتهم) فمعنى ذلك أن الفلسطينيين أمام خيارين. إما التسليم الكامل بالشروط الإسرائيلية، وإعلان هزيمة مشروعهم الوطني، وإما بقاء الأمور على ما هي عليه، في ظل إدارة ذاتية محدودة الصلاحيات، تتعاون أمنياً مع الإحتلال، وتديم بقاء المناطق المحتلة حديقة خلفية مستعمرة لدولة إحتلال تقوم على مبدأ التمييز العنصري.

وما العروض المقدمة، الآن، تحت عنوان «حل الدولة الواحدة» بالمنظار الأميركي، وفق شروط ترامب، أو بالمنظار الإسرائيلي، وفق شروط نتنياهو، أرنس، إيلاند، ليفني، وهرتسوغ، ماهي إلا دعوات جديدة لتعميق البلبلة في صفوف القيادة الرسمية الفلسطينية، وتعميق رهانها على الحلول الهابطة، وكسب المزيد من الوقت، لإستكمال المشاريع الإستيطانية، مشاريع تهويد القدس وإعادة صياغة الأحوال في الضفة الفلسطينية. في ظل حالة فلسطينية، بمشهدين متناقضين:

• مشهد قيادي يزداد تفتتا بين طرفي الإنقسام، في رهانات خاصة بكل منهما على حساب الرهان الوطني، ويمتد التفتت نحو مؤسساته الأهلية.

• مشهد الشارع الفلسطيني، وهو يزداد غلياناً، ما ينبئ بإنفجار قادم لا محالة.

عندها لا محل في الساحة الفلسطينية سوى للمشروع الوطني الفلسطيني.

 

 

 

[ للبحث صلة ]