لم يكتف ترامب بصفعة واحدة لأوهام الرهان على المفاوضات الثنائية تحت سقف أوسلو، حين أعلن نيته نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، ولا بالصفعة الثانية حين أعلن تأييده للإستيطان وإدانته للقرار الدولي 2334، بل إستكمل مسلسل الصفعات هذا، بخطوة ثالثة حين أعلن وفاة «حل الدولتين»، مفسحاً في المجال، أمام نتنياهو، لعرض سيناريوهاته البديلة لما يسمى بـ «الحل الدائم».

و«حل الدولتين» هو الرهان الرئيس، الذي بنت السلطة الفلسطينية أوهامها على إمكانية تحقيقه، في إطار تنازلها عن المشروع الوطني الفلسطيني بدوائره الثلاث المعروفة. وهو الرهان الذي أدمنت لأجله على تقديم التنازل تلو التنازل، على أمل إمكانية تحقيقه في جولات المفاوضات المديدة والعقيمة مع الجانب الإسرائيلي.

وهو، أخيراً وليس آخراً، هو الحلم البائس الذي إنهار مع تصريح عابر لرئيس الولايات المتحدة الجديد.

المفارقة أن أصحاب الرهان على «حل الدولتين» سلطوا الضوء بما فيه الكفاية على مسألة القدس (بإعتبارها وسيلة لإستثارة العالمين العربي والإسلامي) وتجاهلوا موضوع الإستيطان، وكذلك تجاهلوا موضوع «حل الدولتين»، الذي أطلق عليه ترامب رصاصة الرحمة. وفي هذا الصمت محاولة مكشوفة لعدم خوض المعركة ضد الإدارة الأميركية الجديدة، وهو صمت يخفي رغبة ورهاناً جديداً في إمكانية إستئناف المفاوضات.. دوماً تحت الرعاية الأميركية.

وما يلفت النظر، في السياق نفسه، أن كثيرين ـ للأسف ــ إنساقوا مع وهم آخر، حين لم يميزوا بين «حل الدولتين»، وبين مشروع «الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس  على حدود 4 حزيران 67» ( الدولة الوطنية في سياق المشروع الوطني الفلسطيني). وحين لم يميزوا بين «حل الدولتين» بأفقه الهابط وأهدافه المكشوفة، وبين البرنامج الوطني الفلسطيني بآفاقه الوطنية الرحبة وأهدافه الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف. فسارعوا إلى إلتقاط الحديث المبهم والغامض عن «حل الدولة الواحدة» ودعوا إلى تبنيه بإعتباره يعفينا من الحلول المرحلية وينقلنا دفعة واحدة إلى الحل النهائي، حل الدولة الواحدة في خلطٍ بين «دولة» نتنياهو الواحدة، وبين الدولة الديمقراطية التي دعا لها البرنامج الوطني الفلسطيني في رؤيته للحل الناجز للقضية الوطنية الفلسطينية

* * *

«حل الدولتين» يختلف تمام الإختلاف عن «حل الدولة الوطنية» في المشروع الوطني الفلسطيني في تطبيقاته المرحلية.

«حل الدولتين» لا يتحدث كما هو واضح عن دولة فلسطين فقط بل عن دولتين، أي عن إسرائيل أيضاً. ويدعو إلى:

• الإعتراف بإسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي. بكل تداعيات ومستلزمات هذا الإعتراف.

• يدعو لإعادة صياغة حدود إسرائيل لتصبح «آمنة» ما يتطلب شطب خطوط 4 حزيران وتعديلها عبر ضم المستوطنات وتوسيع السيادة الأمنية الإسرائيلية لتطال معظم المنطقة (ج) (62%من مساحة الضفة ).

• يعتبر هذا الحل «القدس الموحدة» (أي تحت الإحتلال) عاصمة لدولتين في صيغة ترسم حدودها إسرائيل تضمن لها السيطرة الكاملة على المدينة وفرز بعض ضواحيها العربية الفلسطينية لتكون العاصمة الرمزية «للدولة الفلسطينية».

• «حل الدولتين» لا يشمل اللاجئين الفلسطينيين بإعتبارهم جزءاً من الشعب الفلسطيني، بل هم لاجئون يتم حل قضيتهم وفق سيناريوهات بديلة لحق العودة. «فحل الدولتين» هو حل ينطلق من تسوية نتائج حرب حزيران 67، وليس من نتائج تقسيم فلسطين وحرب 1948 وقيام دولة إسرائيل.

• «حل الدولتين» لا يعترف بالفلسطينيين داخل إسرائيل جزءاً من الشعب الفلسطيني الواحد (بل هم عرب إسرائيل) إلا إذا تم مع الجانب الفلسطيني الإتفاق على أبعاد تبادل الأرص والسكان. بحيث يتم نقل الفلسطينيين داخل الكيان الإسرائيلي إلى  تخوم «الدولة الفلسطينية» مقابل ضم المستوطنات والمستوطنين والمساحات الواسعة من أرض الضفة وآبارها الجوفية، وتلالها الإستراتيجية لإسرائيل.

• «حل الدولتين»يفترض فرض رقابة إسرائيلية ــ دولية على معابر «الدولة الفلسطينية» مع الأردن وعند شواطئ غزة، وفي أي مطارقد تقيمه الدولة الفلسطينية لاحقاً. هدف الرقابة منع تدفق اللاجئين (الإرهابيين) وتدفق السلاح إلى «الدولة الفلسطينية» بما يخالف الإتفاق بإعتبارها «دولة مجردة من السلاح» إلا ما تقتضيه إجراءات ضبط الأمن ومكافحة الإرهاب وحماية حدود إسرائيل.

• «حل الدولتين» يبقى «الدولة الفلسطينية» تحت هيمنة المنظومة الأمنية الكاملة (والتي لا تتجزأ) لدولة إسرائيل، كما يبقيها تحت هيمنة التبعية للإقتصاد الإسرائيلي، في ظل بروتوكولات إقتصادية تتيح لإسرائيل التدخل دوماً في الشأن الإقتصادي الفلسطيني بذريعة منع تحول مناطق الدولة الفلسطينية إلى مصادر تهريب البضائع لإسرائيل، مما يلحق ضرراً بإقتصاد هذه الدولة.

إضافة إلى كل هذه الإشتراطات والقيود التي تعني بوضوح تجريد الدولة الفلسطينية من كل عناصر السيادة الوطنية على أرضها وشعبها وأمنها، وإقتصادها، فإن خارطة «حل الدولتين» أخذت أشكالاً مختلفة ومتعددة، بتعدد الآراء الإسرائيلية. لكنها إلتقت كلها، رغم التباين في الأشكال، عند موضوع واحد، هو تجريد هذه الدولة من إمكانية «الحياة» بمعزل عن الإلتصاق بإسرائيل من جهة، وبالأردن ومصر من جهة أخرى.

فالبعض إقترح أن يكون قطاع غزة هو «قلب» الدولة الفلسطينية، ومحطتها الرئيسية، وفيه تكون عاصمتها( ما يلغي عملياً الحديث الغامض عن «القدس عاصمة لدولتين»). وأن يخضع «إقليم الضفة» (كأحد أقاليم الدولة) لحكم إداري ذاتي تحت الهيمنة الإسرائيلية. وبالتالي ستكون وجهة القطاع الدولة المصرية، بإعتبارها منفذه إلى الخارج، معبراً وإقتصادياً ما يفترض كل أشكال التنسيق الأمني والإقتصادي والجمركي وسواه. وستكون وجهة الضفة الأردن من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، ما يفترض شكلاً جديداً من أشكال التعاون، ربما يقود إلى صيغة «كونفدرالية» إقتصادية أمنية وغيرها.

وعلى خلفية هذا الإقتراح، بنيت إقتراحات أخرى مشابهة، تلتقي كلها في أنها تدعو «لدولة» فلسطينية، ممزقة، مشتتة، بلا إقتصاد وطني، غير قابلة للحياة إلا بالإلتحاق بالجوار العربي والإسرائيلي، دون أن يحمل هذا الإلتحاق إسرائيل أية أعباء، سياسية وقانونية وأخلاقية، ويحولها من سلطة إحتلال، إلى مجرد «جار» يتعاون مع جاره الفلسطيني وعبره مع جيرانه العرب نحو التطبيع الشامل للعلاقات العربية ــ الإسرائيلية، في ظل حل، يشطب حق العودة للاجئين، ويترك الفلسطينيين داخل إسرائيل لمصيرهم، خارج أي حل وطني فلسطيني. «حل» تسقط بعده كل المطالب الفلسطينية، لكن معاهداته وإتفاقاته لا تسقط بالمقابل «المطالب» الإسرائيلية التي ستبقى إلتزامات جديدة مفروضة على «الدولة» الفلسطينية، بديلاً لإلتزامات أوسلو.

* * *

الوقائع تقول إن كلينتون وايهود باراك طرحا في مفاوضات كامب ديفيد (2000) على الجانب الفلسطيني «حل الدولتين» بديلاً للبرنامج الوطني الفلسطيني «العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة».

والوقائع تقول أيضاً إن بوش الإبن  أعاد طرح «حل الدولتين» ليبرر حروبه في المنطقة ضد أفغانستان والعراق، وتهديداته لسوريا، ودعمه للعدوان الإسرائيلي على لبنان، والقطاع والضفة.

المفارقة لا تقف عند حدود أن الفريق الفلسطيني وحده من التقف «حل الدولتين» بديلاً للمشروع الوطني، في رهان على أن إتفاق أوسلو، تحت الرعاية الأميركية، سوف ينتهي بقيام دولة فلسطينية حتى ولو كانت منقوصة السيادة، خاصة في الجانب الأمني.

المفارقة أن بعض الأطراف الأخرى غادر البرنامج الوطني وإلتحق بـ «حل الدولتين» بإعتباره الحل الممكن في ظل موازين القوى والظروف القائمة. ودعا إلى تبنيه بإعتباره نال موافقة الشرعية الدولية، وبالتالي بات هو الحل المتوافق عليه دولياً. إلى أن سقط الوهم وتبين أن «حل الدولتين» في حقيقته شيأً، وأن الحل الوطني شيئاً آخر. «حل الدولتين» وهم زرعته الدوائر الأميركية والإسرائيلية في أذهان الكثيرين فترة غير قصيرة، ثم في غمضة عين وفي اللحظة المناسبة للمشروع الصهيوني، أسقطت هذا الوهم.

المفارقة أيضاً أن بعض الأطراف، خلطت عمداً بين «حل الدولتين» وبين «المشروع الوطني»، رغم الإختلاف الجوهري والأساسي البيّن بين المشروعين، لتتفلت مرة أخرى، نحو شعارات غامضة، حاولت أن تتلطى خلف الدعوة للدولة الواحدة، مرة لأن الإستيطان أغلق الطريق أمام الدولة الفلسطينية، ومرة أخرى بدعوى إحراج إسرائيل أمام الرأي العام.

الآن، بدأ ترامب، ومعه نتنياهو، ينعيان «حل الدولتين» ويتحدثان عما يسميناه «حل الدولة الواحدة».

فهل هذا هو الحل الذي دعت له بعض الأطراف بديلاً للبرنامج المرحلي الوطني الفلسطيني؟

 

(للبحث صلة)