يوغل بنيامين نتنياهو في رسم مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة وأصحابها بما يتفق مع المحددات الأمنية والتوسعية الإسرائيلية، ويجهد في استثمار ما يستطيعه من وقائع وتطورات لتجسيد هذه المحددات عبر مفاوضات لخص شروط استئنافها باعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل وبحدودها «الممتدة» ما بين نهر الأردن والبحر الأبيض.

من بين التطورات التي يسعى لاستثمارها مجيء إدارة ترامب وما عبرت عنه من مواقف تخدم الاحتلال وتقف في وجه قيام دولة فلسطينية مستقلة نظيفة من الاستيطان والمستوطنين على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، وعاصمتها القدس وتمتلك القدرة على الاستمرار والتطور بقدر إمتلاكها لمقومات السيادة بتعابيرها المتعددة.

لذلك، لم يكن مفاجئاً أن يؤكد نتنياهو على استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة والحصرية على عموم الضفة الفلسطينية في أية تسوية أو بدونها؛ فيما «يتسع» صدره لحضور قوات دولية إلى قطاع غزة.

سبق أن عبر مسؤولون ورؤساء حكومات إسرائيلية عن «أملهم» بالخلاص من قطاع غزة و«متاعبه»؛  وبحثوا طويلاً عن صيغ تحقق آمالهم دون أن يتخلوا عن حضورهم الاحتلالي ربطاً بهواجسهم الأمنية، وربما ما قام به شارون من سحب قوات الاحتلال والمستوطنين من داخل القطاع (2005) أحد التعابير العملية عن هذه «الآمال»، وآليات تحقيقها؛ وحرص شارون وحكومته في ذلك الوقت على الحضور الأمني الصارم للاحتلال في «اتفاقية المعابر» التي وقعها مع السلطة الفلسطينية كإحدى الضمانات لتهدئة الهواجس الأمنية الإسرائيلية تجاه القطاع وأهله.

ما قام به شارون جاء في سياق خطته المعروفة بـ«الانطواء» عبر القيام بخطوات أحادية الجانب وطرح في حينها إمكانية الانسحاب من بعض البؤر الاستيطانية الهامشية لصالح فرض ضم الاستيطان بنية وسكاناً إلى إسرائيل.

في ذلك الوقت، كانت ولاية السلطة الفلسطينية على شكليتها ممتدة غلى قطاع غزة، وكانت المحاولات تجري لتعزيز الوحدة الوطنية وقد توجت بانعقاد مؤتمر الحوار الوطني في 25 و26 أيار/مايو من العام 2006 للحد من التداعيات السلبية لولادة نظام سياسي فلسطيني برأسين متناطحين إثر الانتخابات التشريعية التي جرت بداية ذلك العام.

ومع أن البيان الصادر عن ذلك المؤتمر أكد في بنده الأول على حرمة الدم الفلسطيني وتحريم الاقتتال الداخلي، وبعد ذلك بشهر واحد فقط عقدت جلسات الحوار الوطني الشامل الذي اعتمد «وثيقة الأسرى» التوحيدية وخرج بتوقيع جميع مكونات الحالة الفلسطينية على «وثيقة الوفاق الوطني»، وهو ما عزز أجواء التفاؤل بإمكانية توحيد البرنامج التحرري الفلسطيني وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية خاصة أن جلسات هذا الحوار عقدت بعد نحو عام على صدور «إعلان القاهرة» في ختام جلسات الحوار الوطني الشامل الذي عقد في القاهرة.

بدأ مسار كارثة الانقسام الذي وقع في صيف العام 2007 منذ أن خرجت حركتا فتح وحماس عن سكة تنفيذ قرارات الحوارات الوطنية الشاملة، ولجأتا إلى عقد صفقة ثنائية من خلال «اتفاق مكة» بينهما في الثامن من شباط/فبراير من العام ذاته. وبوقوع الانقسام وما نجم عنه من تداعيات مؤسفة وجدت إسرائيل وحكوماتها المتلاحقة فرصتها الذهبية في الاستفراد بكل من الضفة وغزة على جبهتي السياسية والحرب؛ وعبر مسارين منفصلين ومتوازيين. في الضفة كان نشر الاستيطان ونهب الأراضي العنوان الأساسي على أجندة عمل الحكومات الإسرائيلية، وفي قطاع غزة كان الحصار والحرب هما الأسلوقب المعتمد مع القطاع بعد أن تم اعتباره «كياناً معادياً».

ومنذ وقوع الانقسام، بدأت حكومة أولمرت بالحديث عن عدم وجود مفاوض فلسطيني «يمون» على قطاع غزة، وبالتالي لا يمكن معه نقاش مستقبل جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان الـ67؛ وكان ذلك واضحاً في مفاوضات العام 2008 التي فشلت حتى في الوصول إلى «اتفاق إطار».

وعلى الرغم من كل المحاولات التي جرت لإنهاء الانقسام بقي ماثلاً ويتفاقم تداعياته مع مرور الوقت دون استعادة الوحدة. ومع تغول الاحتلال في سياساته التوسعية والعدوانية كان السؤال عند مدى قدرة الحالة الفلسطينية على قراءة الانقسام وما ينجم عنه بشكل واع ومسؤول.. وبالتالي الوصول إلى إنهائه في أسرع وقت ربطاً بالتحديات والمخاطر التي تتهدد الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية. حتى الآن، يتأكد أن هذه القرارات التي اتخذت في الحوارات الشاملة والتي كفل تنفيذها استعادة الوحدة البرنامجية والتنظيمية ويطور النظام السياسي الفلسطيني برمته.

المؤسف، أن القراءة الدقيقة والعملية الموجودة تجاه الانقسام متوافرة لدى الاحتلال الذي عرف وما يزال كيف يتعامل معه كنفق دائم الاتساع بما يسمح لكثير من السياسات الاحتلالية أن تمضي إلى غاياتها. ويعرف أن استمرار الانقسام يضمن استمرار حالة الشلل في العمل الوطني الفلسطيني، وبالتالي يواصل الاحتلال مشاريعه في الأراضي الفلسطينية دون توقع أكلاف جدية.

وتعرف الحكومات الإسرائيلي أن استعادة الوحدة الفلسطيني تعني في المقام الأول توحيد البرنامج الوطني الفلسطيني الذي تتصدر مقاومة الاحتلال عناوينه الأساسية؛ى بما يعني خوض معركة مفتوحة معه كافة تعابيره في السياسة وفي الميدان؛ ويعني في السياق القطع مع الخيارات السياسية الرسمية الفلسطينية وتمسكها بالمفاوضات وفق قواعد وأسس وآليات لا تمكن الشعب الفلسطيني من حقوقه بالعودة والاستقلال.

ويقرأ الاحتلال في الانقسام قيداً يمنع الحالة الفلسطينية من الانتقال من التردد والسلبية إلى دائرة الفعل والمبادرة، ويبقيها هشة أمام الضغوط الخارجية متعددة الجهات والأشكال؛ ويقرأ فيه أيضاً «ثقباً أسود» يمتص الطاقات الوطنية ويبددها خارج ميدان مقارعة الاحتلال، ويبقي مكونات الحالة الفلسطينية في حالة من الاستنفار والمواجهات الداخلية وبالتالي مراكمة الاحتقان وربما انفجاره داخل النسيج الفلسطيني الذي تعرض للأذى البليغ بوقوع الانقسام واستمراره.

لذلك يسعى الاحتلال إلى إدامة هذا الاحتقان وتغذيته من خلال الحديث عن بادرات «حسن نية» تجاه قطاع غزة خارج التعامل مع عموم الحالة الفلسطينية وبالقطع مع السلطة الفلسطينية؛ ويعمل في الوقت ذاته على إقصاء أي شيء له علاقة بالقطاع في سياق المفاوضات التي وقعت بعد كارثة الانقسام.

يقرأ الاحتلال الانقسام بشكل جدي ودقيق ويهتم بكل السبل التي تؤدي إلى إدامته. فمتى يقرأ طرفا الانقسام ضرورة استعادة الوحدة؟