أصدر 99 كاتبا وفنّانا وباحثا ومثقّفا فلسطينيا، (12/2)، بيانا موقّعا بأسمائهم، وجّهوه إلى الرأي العامّ وإلى النائب العامّ الفلسطينيّ، يرفضون فيه مصادرة الإبداع بعامّة، ويعلنون تضامنهم مع حقّ الكاتب/ ة في الكتابة والنشر. وطالب الموقّعون بالوقف الفوريّ لمصادرة ومنع تسويق نسخ رواية «جريمة في رام الله» للكاتب الفلسطينيّ عبّاد يحيى، معلنين فيه موقفا واضحا ضدّ مصادرة الأدب والإبداعات الثقافيّة الأخرى.  

ويأتي هذا البيان بعد أن أعلن النائب العامّ الفلسطينيّ، المستشار أحمد براك، حظر ومصادرة نسخ رواية «جريمة في رام الله»، بدعوى أنّ الرواية تضمنّت بعض المصطلحات «الخادشة للحياء العامّ»، وهي «تخلّ بالأخلاق والآداب العامّة». وقد أدّى هذا المنع إلى استعار المسألة في وسائل التواصل الاجتماعيّ، ما بين مؤيدّ ومعارض لأمر المنع، مع بروز دعوات صريحة للتصفية الجسديّة بحقّ يحيى والتحريض عليه.

ودعا الموقّعون على البيان النائبَ العامّ الفلسطينيّ إلى وقف جميع الإجراءات الجزائيّة ضدّ رواية «جريمة في رام الله» وضدّ كاتبها وناشرها، كخطوة ضروريّة تكفل حرّيّة الفكر والإبداع وحقّ الناس في أن تقرّر ما تقرأ وتشاهد، من دون رقابة مفروضة عليهم.

وفي ما يلي نصّ البيان الكامل:

«نحن الموقّعين أدناه، نعلن موقفنا المناهض والرافض لمبدأ مصادرة الإبداع بعامّة، ونعلن تضامننا مع حقّ الكاتب/ ة في الكتابة والنشر، ونخصّ في هذا السياق الآنيّ التضامن مع الكاتب عبّاد يحيى، في معركته التي يخوضها ضدّ الإجراءات القانونيّة التي أعلنها النائب العامّ الفلسطينيّ، المستشار أحمد براك، بحظر ومصادرة نسخ رواية «جريمة في رام الله»، بدعوى أنّ الرواية تضمنّت بعض المصطلحات الخادشة للحياء العامّ، وهي تخلّ بالأخلاق والآداب العامّة.

أن تكون ضدّ المصادرة لا يعني بالضرورة أن تتبنّى، إبداعيا، محتويات أيّ عمل في الأدب أو المسرح أو الشعر أو السينما أو غيرها من الفنون، ويحقّ للجميع المناقشة والانتقاد، إنّما يعني ذلك صيانة الحقّ في التعبير وفتح المجال للنقد العقلانيّ والفنّيّ والحرفيّ. نحن نشدّد على رفضنا للمصادرة لأنّها تعيق الحركة النقديّة، كما الإبداعيّة، وتخلق حالة رقابيّة ضيّقة ستقودنا بلا شكّ نحو أزمة حادّة ستتمثل في الرقابة الذاتيّة لدى المبدع/ ة، وهذه أخطر الأزمات.

وفي هذا السياق، نشير إلى ما أكّدته دائرة الثقافة والإعلام في منظّمة التحرير الفلسطينيّة، في بيان لها، بأنّ قرار النائب العام غير مبرّر بالمطلق، ويمسّ بصورة خطيرة حرّيّة الرأي والتعبير والإبداع، التي كفلها القانون ووثيقة إعلان الاستقلال والقانون الأساسيّ. وأضاف البيان أنّ استخدام مصطلح الحياء العامّ محاولة تحايل وتبرير مرفوض، كونه لا يخضع لأيّ تفسير قانونيّ أو منطقيّ، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام سلسلة لا تنتهي من الرقابة الفظّة، والتي تنتهك حرّيّة التعبير والحقّ في الإبداع.

ونشير أيضا إلى بيان الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان القائل بوقف جميع الإجراءات الجزائيّة بحقّ الكاتب والرواية، داعية إلى وضع الملفّ أمام وزارة الثقافة لحلّ هذا الموضوع. وأكّدت الهيئة أنّ استدعاء الكاتب للتحقيق وملاحقته جزائيا، وضبط الكتب، تمسّ على نحو مباشر بصورة فلسطين الحضاريّة ومنجزاتها في حماية حرّيّة الإبداع والمبدعين، لا سيّما وأنّ فلسطين قد انضمّت إلى الاتّفاقيّات الدوليّة التي توجب عليها لزاما التقيّد بحماية الحقّ في الرأي والتعبير بأشكاله المختلفة. كما نشير إلى بيان مجلس منظّمات حقوق الإنسان الذي حذّر فيه ممّا تحمله هذه الخطوات من أبعاد خطيرة باتّجاه فرض وصاية فكريّة وكبتٍ للحقوق والحرّيّات... ومن خطورة تداعيات القرار المذكور، لا سيّما في ظلّ ورود معلومات حول تعرّض كاتب الرواية للتهديد.

نحن نشدّد على أنّ أيّ سجال يثيره أيّ عمل إبداعيّ يجب أن يكون ضمن نقاش فكريّ وحقيقيّ، ناقد وثاقب، انطلاقا من أهمّيّة حرّيّة الفكر والكتابة ضدّ كل وسائل الرقابة التعسّفيّة، لا سيّما أنّ رواية «جريمة في رام الله' مُنعت استنادا على بند قضائيّ يخصّ الكتب والدوريّات الموجّهة  للأطفال، والرواية موجّهة للبالغين. نحن كفلسطينيّين منتمين إلى شعبنا وقضيّته الكبرى، نرى في حرّيّة الفكر والتعبير ضمانة واجبة ولازمة ضمن مشروع التحرّر الوطنيّ الذي لا يختلف عليه اثنان.

نحن نرفض كلّ أشكال التحريض الدمويّ والكلاميّ ضدّ الكاتب عبّاد يحيى، ونرى في جزء منها انتهازيّة من أطراف تمارس التحريض والكذب، على الرغم من أنّ بعضها معدود على المشهد الثقافيّ، إلى جانب أنّها تكشف عن مأزق عميق في المجتمع الفلسطينيّ وفلتان واستسهال ضدّ المبدعين والإبداع. ومن الغريب حقا أن نلاحظ أنّ الناس المعارضين لخدش الحياء العامّ هم أوّل من يخدشون هذا الحياء بمسبّات وشتائم صفيقة وهابطة وبذيئة.

وعليه:

ندعو النائب العامّ الفلسطينيّ إلى وقف جميع الإجراءات الجزائيّة ضدّ رواية «جريمة في رام الله» وضدّ كاتبها وناشرها، كخطوة ضروريّة تكفل حرّيّة الفكر والإبداع وحقّ الناس بأن تقرّر ما تقرأ وتشاهد، من دون رقابة مفروضة عليهم. نحن نرى أنّ هذه الإجراءات الجزائيّة تضرّ، أيضا، بالشعب الفلسطينيّ ومعركته من أجل التحرّر ضدّ الطغيان والقمع والرقابة، وندعو جميع الأصوات الداعمة لحرّيّة الفكر والنشر تسجيل مواقفها علنا وبوضوح.

وإلى جانب المطالبة بإلغاء الإجراءات القانونيّة فوريا، نطالب وزارة الثقافة الفلسطينيّة بمتابعة هذه القضيّة، من خلال دورها الراعي للثقافة والمبدعين، وتنظيم طاولة مستديرة تُناقَش فيها الرواية من عدّة منظورات: أدبيّة وفنيّة ومجتمعيّة وسياسيّة، بعيدا عن الغوغائيّة والشعبويّة، ونشر مضامين هذه الندوة على الملأ، من دون أن يكون ترتيب هذه الندوة مربوطا بأيّ شكل من الأشكال بتوزيع الرواية ونشرها.

نحن نرى في هذه الأزمة قضيّة أكبر وأوسع من كاتب أو رواية عينيّين؛ هذه قضيّة مبدئيّة لا هوادة فيها، ولا يجب لهذه السابقة أن تشكّل نقطة تحوّل نحو الأسوأ بأيّ شكل من الأشكال».