نعت إدارة ترامب «حل الدولتين» ورأت بأنه لا يشكل هدفاً مفروضاً لعملية التسوية. وكانت قبل ذلك أعلنت أن المستوطنات لا تشكل عائقاً أمام «السلام»؛ كما أنها لم تبد أي اعتراض على قانون نهب الأراضي والممتلكات الفلسطينية الذي أقره الكنيست أسر الإسرائيلي مؤخراً.

كل ذلك جرى على أبواب زيارة نتنياهو إلى واشنطن التي وقعت منتصف الشهر الجاري، وهو ما يؤشر إلى أن العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية تشهد نقلة نوعية خطيرة مع مجيء الإدارة الجمهورية، دون أن يعني ذلك أن الإدارة السابقة كانت راعياً نزيهاً لعملية التسوية التي وصلت إلى الطريق المسدود.

وإذا كان موقف الإدارة الجديدة من المستوطنات يفترض إغلاق باب الرهان على الدور الأميركي، فإن موقفها الأخير من «حل الدولتين» يضع المفاوض الفلسطيني أمام ضرورة القطع الحاسم مع ذلك الرهان، الذي أكدت التجربة أنه وهم.. لا أكثر.

على كلٍ، لم يكن ما سمي بـ«حل الدولتين» تجسيداً للطموحات الوطنية الفلسطينية في هذه المرحلة؛ لأن دولة الاحتلال قائمة وقد مدَّت أخطبوط الاستيطان حول إمكانية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وهي الهدف الذي ينبغي أن يكون بوصلة عملية التسوية، دولة خالية من الاستيطان والمستوطنين وعلى حدود الرابع من حزيران /يونيو 1967 وعاصمتها القدس، كما أكد مجدداً على ذلك القرار الأممي الذي اتخذ في الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني 2012.

ومع ذلك، يؤشر نعي «حل الدولتين» على لسان إدارة ترامب، على أن واشنطن حددت عناوين سياساتها تجاه أية تسوية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وأن أبرز هذه العناوين هو ترك حسم القضايا الأساسية للصراع بناء على «اتفاق» الطرفين دون تدخل من هذه الإدارة. وهذا يعني أن الطرف الأقوى على الأرض (الاحتلال) هو من سيقرر طبيعة هذا الحل، وبالتالي يحدد مصير مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة وفقاً لمصالحة الأمنية والتوسعية.

وبما أن ترامب ترك لصهره كوشنر متابعة هذا الملف وهو من ممولي الاستيطان، ومع وجود سفير واشنطن لدى تل أبيب وهو لا يقل حماسة عن صهر الرئيس لتوسيع الاستيطان، فإن أية رعاية أميركية للتسوية ستكون بمثابة بلدوزر إضافي يشارك في حملة التهويد والمصادرة والتوسع الاستيطاني، وبذلك ينتقل الدور الأميركي من «الراعي» المنحاز للاحتلال، إلى الشريك المباشر في تحقيق ما لم تحققه بعد حكومة نتنياهو وسابقاتها.

هذا كله يفتح على الحديث عن الخطوات العملية التي ينبغي أن تقوم بها منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. ليس فقط كرد على السياسات الإسرائيلية ـ الأميركية، وإنما أيضاً كالتزام بالبرنامج الوطني التحرري الفلسطيني، وبقرارات الإجماع الوطني ومنها قرارات «المركزي» في دورته الأخيرة العام قبل الماضي؛ وقرارات الحوارات الفلسطينية الشاملة بشأن تصويب الأوضاع الفلسطينية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية.

 لكن قبل ذلك، ينبغي أن تحسم معضلة استمرار الرهان على الولايات المتحدة، وعلى التسوية بشروطها المطروحة منذ انطلاقتها، يضاف لها «المحددات» التي طرحها مؤخراً نتنياهو الذي شدد على أن شرط استئناف المفاوضات هو الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل والقبول أن حدود اسرائيل من نهر الأردن إلى البحر المتوسط. ولا نعرف ماذا ترك للمفاوضات أن تقرره.

ما يدفع لهذا الحديث تصريحات صدرت عن أعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير كردود على السياسات الأميركية والإسرائيلية المستجدة. من بين ذلك حديث الأخ أحمد قريع رداً على الهجمة الاستيطانية الشرسة في القدس وسائر أنحاء الضفة وقد اعتبر أن هذه السياسات ستؤدي إلى «تدمير حقيقي لعملية السلام»ـ وكأنما هناك مسار لهذه العملية غير القائمة أصلاً، وقد تم نسفها منذ فترة طويلة على يد الإجراءات الإسرائيلية على الأرض، ومجموعة التشريعات التي صدرت عن الكنيست بخصوص الاستيطان وغيره. باختصار لا توجد عملية سياسية تحتضر وينبغي إنقاذها، وكل ما هو مطروح مجرد عناوين تسوية مجحفة بحق الفلسطينيين وحقوقهم الوطنية، وقد أكد المجلس المركزي الفلسطيني ضرورة القطع معها، وربط أية عملية تسوية لاحقة بحضور قرارات الشرعية الدولية وفي المقدمة القرار 194، الذي يكفل حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها.

ومن هذه التصريحات حديث للأخ أسعد عبد الرحمن عضو «التنفيذية» واعتبر فيه أن هناك موقفاً أميركياً جديداً «لا يطلق يد الاحتلال كاملة بالاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. الموقف من الاستيطان واضح، إما معه أو ضده.

لذلك، قلنا إن الخطوات العملية الفلسطينية التي تستطيع مواجهة الأخطار المتعاظمة على القضية الفلسطينية يفترض أن تؤسس على إرادة سياسية بتنفيذ قرارات الإجماع الوطني التي تدعو بوضوح إلى معركة مفتوحة مع الاحتلال وقبل ذلك توفير مقومات خوض هذه المعركة في الميدان والسياسة، والبدء بإنهاء الانقسام والقطع مع الحسابات والسياسات الفئوية الخاصة التي أدت إلى وقوعه.

وفي سياق كل هذا، من المفترض القطع مع النهج الذي يعتمد سياسة «النصف خطوة» كما تجلى في التعامل مع الانتساب إلى مؤسسات الأمم المتحدة وخاصة ذات الصلة بمحاكمة الاحتلال. وكما تجلى في التعامل مع قرارات المجلس المركزي في دورته الأخيرة؛ وقرارات الحوارات الوطنية المتعاقبة.

وراء هذا النهج نمط تفكير يعتمد التلويح بما يحققه الإجماع الوطني من إنجازات أو قرارات، كي يضعها في سلة المقايضة مع الجهات الدولية النافذة، وخاصة واشنطن بهدف استدراج عروض تفاوضية أخرى. لكن الذي يحصل أن هذه الجهات تقرأ جيداً أن أصحاب العرض لا يفكرون جدياً في خط سياسات جديدة مختلفة، وأنهم متمسكون بخيار وحيد هو التفاوض ثم التفاوض.

وكي يستمر الرهان على قدرة هذه السياسات في الاستمرار، يتكئ أصحابها على الوعود المقدمة، منها ما طرحه أوباما في خطاب القاهرة حول تجميد الاستيطان وقيام الدولة الفلسطينية ولم يؤد ذلك عملياً سوى إلى تثبيت المفاوض الفلسطيني ومرجعيته السياسية في دائرة المراوحة في المكان، فيما السياسات التوسعية  الإسرائيلية تشق طريقها على الأرض. ومن ذلك أيضاً، الأفكار الفرنسية التي دخلت كي تعبئ الفراغ بعد استنكاف واشنطن عن متابعة التسوية وانشغالها بالانتخابات الرئاسية وقبل ذلك بالتطورات العاصفة التي تجتاح المنطقة، وهذه أيضاً لم تؤد إلى شيء ملموس، وما صدر عن «مؤتمر باريس» الأخير كان هزيلاً وهابطاً عن الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وكما تؤكد المؤشرات أننا أمام هجمة غير مسبوقة تهدد القضية الفلسطينية برمتها، فإن الحالة الفلسطينية معنية أكثر من أي وقت مضى كي تتجاوز ضعفها وتبدأ في تصويب أوضاعها على طريق مواجهة هذه الهجمة.