أسابيع قليلة تفصل ما بين اتخاذ قرار مجلس الأمن المندد بالاستيطان وما بين قرار الكنيست الإسرائيلي «تشريع» النهب المنظم للأرض الفلسطينية تحت عنوان «قانون التسوية».

هذا يعني على الأقل أن المجتمع الدولي أمام امتحان جديد لصون قراراته ووضعها على سكة التنفيذ، مع أن المؤشرات تقول إن نتيجة هذا الامتحان ستكون الفشل الذريع، خاصة مع إعلان الموقف الأميركي من الاستيطان واعتباره لا يعطل «عملية السلام».

بذلك، ينتقل الموقف الأميركي من النقد الإعلامي للتوسع الاستيطاني إلى داعم وحام له مع مجيء إدارة ترامب، وهي الفرصة «التاريخية» التي يترقبها بنيامين نتنياهو وحكومته ليصعد الهجمة الاستيطانية على الأرض ويقونن البنية الاستيطانية عبر قوانين من الكنيست يتوقع أن تتكرر وتتصاعد لتصل إلى الضم المعلن.

ربما من الخطأ أن يرى البعض أن مسار تغيير الموقف الأميركي  الرسمي من الاستيطان من زاوية تفضيل إدارة الرئيس الراحل أوباما على الإدارة الجديدة، وإن كان من الصحيح والضروري النظر إلى موقف إدارة ترامب كتطور خطير على مستقبل الفلسطينيين. لقد عملت إدارة أوباما أيضاً على حماية الاستيطان من خلال وقوفها ضد أي تحرك فلسطيني نحو الأمم المتحدة والسعي لمقارعة الاحتلال وسياساته التوسعية في المؤسسات الدولية وخاصة «الجنائية الدولية».

واستخدمت مع المفاوض الفلسطيني سياسة «العصا والجزرة»، عندما أعلن أوباما في «خطاب القاهرة» (2009) ضرورة تجميد الاستيطان وإطلاق عملية التسوية بهدف قيام الدولة الفلسطينية، وبعد ذلك بدأ هذا الموقف بالتآكل ليصل إلى توجيه الضغط على الفلسطينيين للالتحاق بالمفاوضات على الرغم من استمرار التوسع الاستيطاني.

ومن يتابع الخط البياني التصاعدي لتوسع البنية الاستيطانية منذ اطلاق عملية التسوية عقب اتفاق أوسلو، يدرك ببساطة أن الإدارات الأميركية المتعاقبة، بما فيها إدارة أوباما لم تنظر (عملياً) إلى انتشار الاستيطان باعتباره يعطل هذه التسوية. والسبب أنه تم وضع قواعد وآليات هذه العملية بعيداً عن إشراف الأمم المتحدة وحضور قراراتها ذات الصلة، بعد أن فرضت واشنطن نفسها كراع حصري لهذه التسوية.

في المقابل، كان القبول الرسمي الفلسطيني للدخول في التسوية بقواعدها المعروفة هو الخطيئة الكبرى التي أدخلت الفلسطينيين في نفق مظلم. وكانت الاستكانة إلى الوعود الأميركية هي ما وضع الحالة الفلسطينية في حالة من الشلل ومكن الاحتلال من استثمار المناخ القائم ليسابق الزمن في نشر الاستيطان والتغول في حملات التهويد.

وقد أتيحت للفلسطينيين فرص جدية للخروج من حالة التردد والضعف عندما نجح المسعى نحو الأمم المتحدة في ترقية وضع فلسطين في المنتدى الدولي والاعتراف بها دولة تحت الاحتلال بحدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، وفتحت بالتالي أبواب المؤسسات الدولية أمام عضوية فلسطين بما يمكن من محاكمة الاحتلال على جرائمه وفي المقدمة الاستيطان.

وإذا كانت هذه المهمة الوطنية الكبرى قد جمدت تحت وهم الرهان على الوعود الأميركية، فإن مجيء إدارة ترامب يضع الحالة الفلسطينية برمتها أمام مستوطن يقود الولايات المتحدة رئيساً. وكشفت الصحافة الأميركية ذاتها أن ترامب كان من ممولي مستوطنة «بيت إيل» بالقرب من رام الله. لهذا، كان من الطبيعي أن يحتد عندما مررت إدارة أوباما القرار الأممي المندد بالاستيطان، ووعد بـ «تصحيح الأمر» عند تسلمه مقاليد السلطة.. وها هو يفعل ما قاله. وبالتالي، ماذا ستنتظر القيادة الرسمية الفلسطينية حتى يبدأ تطبيق قرارات المجلس المركزي الفلسطيني وغيرها من قرارات الإجماع الوطني بما فيها تفعيل عضوية فلسطين في المؤسسات الدولية وخاصة «الجنائية الدولية»؟

لقد فهم عدد من المراقبين تمرير إدارة أوباما للقرار الأممي بأنه رسالة إلى كل من نتنياهو (وقد رفض محتواها) وإلى إدارة ترامب (الذي يعمل على نسفها). فحوى الرسالة تؤكد على أن استمرار انسداد أفق التسوية سيؤدي إلى انفجارات غير محسوبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وفي أراضي الـ48؛ وربما ما حولها. ورأى المراقبون أن إدارة أوباما تريد «النصح» في ضرورة إبقاء شيء من «الأمل» لدى الفلسطينيين عبر ضخ المزيد من الوعود وعوامل التسكين الأخرى، بما يضمن استمرار الهدوء، دون أن يؤثر أي مسار من التسوية في حال إنعاشها على الشروط الأمنية والتوسعية الإسرائيلية.

وعلى أهمية القرار الذي مررته واشنطن في مجلس الأمن، إلا أنها تعرف أنه بلا آليات تنفيذ وخارج البند السابع لميثاق الأمم المتحدة. وأن أي إجراء يقترح ضد إسرائيل في مجلس الأمن لن يمر بحضور الفيتو الأميركي.. وغيره.

ومع تصريحات ومواقف إدارة ترامب تجاه الاستيطان وسفارتها في القدس، لا نعتقد أنه بقي لدى المفاوض الفلسطيني ما يعمل على تسويقه لإدامة الارتهان لعملية التسوية بالشروط والأسس التي قامت عليها.

والطريق الوحيد المفتوح أمام الحالة الفلسطينية هو طريق ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي عبر خطوات عملية تستند إلى تنفيذ قرارات الإجماع الوطني، وصولاً إلى إخراج النظام السياسي الفلسطيني من حالة الترهل والتآكل  التي يعانيهما، من خلال إعادة بنائه على أسس ديمقراطية عبر انتخاب المؤسسات الوطنية في كل من منظمة التحرير والسلطة. وهو ما يفتح على ضرورة تنفيذ التوافق الذي حصل في تحضيرية «الوطني» الشهر الماضي في بيروت، وعقد مجلس وطني منتخب في داخل الأراضي الفليطسينية المحتلة وخارجها، والقطع مع أية توجهات تسعى لعقده «بمن حضر». لأن ذلك يزيد أزمة النظام السياسي الفلسطيني تعقيداً، ويفاقم من تداعيات الانقسام، في وقت تفرض فيه التطورات السياسية والميدانية توحيد عناصر القوة الفلسطيني لمواجهة استحقاقات الأخطار المتعاظمة التي تتهدد المستقبل الوطني للشعب الفلسطيني.

وفي مواكبة الخطوات العملية المطلوبة، يفترض بمكونات الحالة الفلسطينية أن تضع إنهاض المقاومة الشعبية وتطويرها في مقدمة المهام الوطنية الكبرى التي ينبغي النهوض بها، إذ من غير المعقول أن يستشري الاستيطان ويتغول التهويد دون مواجهة جدية على الأرض. ولطالما جرى التأكيد على أن مواجهة الاستيطان على الأرض هي فقط ما يمكن أن يشعر واشنطن وتل أبيب وغيرهما وبأن السياسة التوسعية الإسرائيلية لها أكلافها، وأن إهمال الحقوق الوطنية الفلسطينية وتجاوزها من قبل المجتمع الدولي سيفتح على تطورات عاصفة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأن الموقف الصائب يستدعي تدخل المجتمع الدولي لحماية قراراته بخصوص الاستيطان وغيره مما يتصل بالقضية الفلسطينية.

الأرض هي جوهر الصراع مع الاحتلال، وإذا كان نهبها المتواصل لا يستدعي المواجهة المفتوحة معه، فما الذي يستدعيها إذن؟