قطعت دولة الاحتلال الإسرائيلي مراحل متوالية في سياق نشر الاستيطان في الضفة الفلسطينية. فبدأت به تسللاً إلى أحياء في القدس ومناطق عدة انتقتها بعناية من الأرض الفلسطينية ووفق خريطة تضمن تحقيق أهدافها التوسعية والأمنية. وعندما جرى الحديث للمرة الأولى عن مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان الـ67 منتصف سبعينيات القرن الماضي، سرَّعت وتيرة الاستيطان في الوقت الذي بدأت فيه تراوغ عبر تصنيف المستوطنات ما بين أمنية وسياسية. تربط الأولى بمصيرها الوجودي، وتقدم الثانية كمادة للتفاوض في حال جرى ذلك.

لكن التحدي الأكبر الذي شعرت به إسرائيل بخصوص الاستيطان كان عبر يافطة «الأرض مقابل السلام» الذي رفعه مؤتمر مدريد خريف العام 1991. ومنذ ذلك الوقت، اشتغلت تل أبيب في موضوعة الاستيطان وفق استراتيجية تقوم على السباق  مع الزمن لتجعل من الشبكة الاستيطانية أمراً واقعاً يضع المجتمع الدولي أمام حسابات مختلفة.

جاء اتفاق أوسلو ليهدئ من هواجس إسرائيل تجاه مستقبل الاستيطان، لأن عملية التسوية التي انبثقت عن الاتفاق وآلياتها وأسسها أخرجت بنية الاستيطان وقاطنيها من دائرة البحث المباشر، وتركت الأمر إلى ما سمي بالحل «النهائي»، في حين تركز الاهتمام خلال السنوات الخمس التي تلت انطلاق التسوية على عملية تسليم مناطق من الضفة إلى ولاية السلطة الفلسطينية التي ولدت بعد عام من الاتفاق.

وأتاحت آليات التسوية وأسسها لإسرائيل أن تقسم الضفة إلى ثلاث مناطق. فسلمت للسلطة الفلسطينية ما هو تحت أقدام الفلسطينيين، أي التجمعات السكانية حصراً باستثناء القدس الشرقية ومناطق حيوية أبقيت تحت الولايتين الإدارية والأمنية للاحتلال. وما بين المنطقتين تقاسمت (نظرياً) السلطة والاحتلال الولاية على ما تبقى من الأرض دون أن يكون للفلسطينيين أي سلطة أمنية على معظم أراضي الضفة الفلسطينية.

بعد ذلك،اعتبرت إسرائيل أنها سلمت للسلطة من الأرض «ما يكفي» ربطاً بمصالحها التوسعية والأمنية ، وضمن قراءتها «الواقعية» لاتفاق أوسلو؛ وبالتالي جعلت من ما يسمى «المرحلة الانتقالية» مرحلة نهائية، ولم تنجح جميع جولات التفاوض في تجاوز هذه المعادلة الاحتلالية.

خرجت إسرائيل (عملياً) من اتفاق أوسلو بإنجازات أمنية واقتصادية عبر القيود والشروط التي فرضت على الفلسطينيين. لكن الإنجاز الأهم بالنسبة لها كان الاستيطان الذي أصبح فعلاً كما خططت له، شبكة قوية متصلة «قابلة للحياة»، وهي الصفة التي تحدث مبادرات عدة عن الدولة الفلسطينية التي تتآكل مع مرور الوقت فرص إقامتها وفقاً للطوحات الوطنية الفلسطينية.

عملياً لم يعطِ اتفاق أوسلو للفلسطينيين سوى مفاتيح البيوت التي يقطنونها، وحيزاً محدوداً من ممتلكاتهم وأراضيهم؛ فيما انتشر الاستيطان وبات يسرق منهم شيئاً فشيئاً هذه الممتلكات، التي استولت عليها دولة الاحتلال تحت عنوان «أراض عامة»، لكن الأخطر كان في التوسع الاستيطاني على حساب الملكيات الخاصة للفلسطينيين باعتراف إسرائيل ذاتها.

بالأساس، يتعامل الاحتلال مع كل الضفة الفلسطينية بما فيها القدس على أنها «أرض داشرة» بلا أصحاب. وأن الفلسطينيين مجرد سكان لا يستحقون إدعاء ملكية عموم مساحتها. وخرجت لجان شكلتها الحكومة الإسرائيلية فعلاً بهذا الاستخلاص وأعلنته على الملأ.وفيما كانت مؤسسات الحكومة الإسرائيلية الأمنية والإدارية تتولى الإشراف على الاستيطان ورعايته، نشهد منذ سنوات دخول الكنيست على هذا الخط عبر مشاريع قوانين تحمي الاستيطان وتعاقب مناهضيه، ووصل الأمر مؤخراً إلى حد اقتراح مشروع قانون بأثر رجعي يشرع البناء الاستيطان الذي أقيم على ملكيات فلسطينية خاصة، تحت عنوان تسوية أوضاع هذه الممتلكات عبر دفع مبالغ مالية لأصحابها وإقفال الباب أمام محاولة استرجاع هذه الممتلكات.

ومنذ أن اتخذ مجلس الأمن قراراً يدين الاستيطان أواخر العام الماضي، سرَّع نتنياهو وحكومته من وتيرة التوسع الاستيطاني عبر نشر عطاءات لآلاف الوحدات الاستيطانية في القدس ومناطق مختلفة من الضفة. وينظر رئيس الحكومة الإسرائيلية بارتياح إلى تصريحات الرئيس الأميركي الجديد ترامب الذي انتقد بحد تمرير إدارة أوباما للقرار الأممي، وأشار بوضوح إلى أن إدارته «ستصوب» الأمر.

وتريد الحكومة الإسرائيلية أن تفهم الفلسطينيين والمجتمع الدولي أن وضع الاستيطان سيكون «أفضل» بعد قرار مجلس الأمن. وتجاوزت عملياً أي احتمال للتسوية مع الجانب الفلسطيني عندما أعلنت عزمها على ضم مستوطنة معاليه أدوميم، وربما أ جلت تنفيذ ذلك إلى ما بعد لقاء نتنياهو ـ ترامب كي تضمن تنفيذ القسم الأخطر من ملف الاستيطان عبر مساري الضم والتشريع.

المساران المذكوران يشكلان بنظر الكثيرمن المراقبين مرحلة جديدة وخطيرة من السياسة التوسعية الإسرائيلية، ليس لأنها تلغي عملياً فرصة قيام دولة فلسطينية مستقلة فقط، بل لأنها تسعى لقطف «ثمار» الاستيطان الذي بلغ مرحلة متقدمة من تكامل بنيته واتساع مداه. وفي حال تم التشريع وضم أي مستوطنة، فإن البناء الاستيطاني يصبح بالنسبة لإسرائيل شأنا خاصا لا يحق لأي طرف آخر بمن فيه الفلسطينيون أن يحتج على ذلك. ومنذ احتلال الضفة العام 1967 وحتى اليوم انتقل الاستيطان من مرحلة التسلل إلى مرحلة بات فيها العنوان الأبرز من البرامج الانتخابية للمرشحين إلى الكنيست أو في التنافس على قيادة الأحزاب في المشهد الحزبي الإسرائيلي الصهيوني.

وما أدركه الاحتلال مبكراً،هو أن الاستيطان يشكل الآلية العملية الأساسية لتحقيق مشروعه التوسعي وإدامة احتلاله للأرض الفلسطينية، وهذا ما يفسر خريطة انتشار المستوطنات التي استولت عملياً على أفضل الأراضي وأكثرها غنى بالثروات الطبيعية.

ومن نافل القول، إن أي خطوة تقوم بها دولة الاحتلال تجاه الاستيطان إن كان على الأرض أو في الكنيست إنما تساهم في إغلاق الباب أمام فرصة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو ما يفتح على سؤال مواجهة السياسة التوسعية الإسرائيلية في الميدان وفي السياسة. وأمام الفلسطينيين فرص جدية لذلك.