منطلقاً من أن الديمقراطية لا يمكن أن ترضى بالمظالم التي يمكن أن تصيب أية فئة اجتماعية، سواء من المواطنين الأصليين أم من المهاجرين، يقول كلود جوليان في كتابه القديم ، ولكن الذي بات يملك أكثر من سبب لمعاودة قراءته، (انتحار الديمقراطيات): «إن الديمقراطية تستلزم نضالاً لا ينقطع في سبيل العدالة الاجتماعية، وإذا كانت (الديمقراطية) لا تحلم بمذهب طوباوي في المساواة، إلا أنها ترفض أنواع التفاوت الخطيرة التي تذلّ الكائن البشري».

وحسب جوليان، فإن عيوب الديمقراطيات الغربية تظهر أول ما تظهر في انتهاكات حقوق الانسان التي يكون العمال الأجانب أول ضحاياها، إذ أنهم يقعون ضحايا تمييز متعدد الأشكال والألوان (أوضاع معيشية مزرية، أجور متدنية، شروط سكن غير صحيّ وغير لائق، إذ أنهم غالباً ما يتكدّسون في أكواخ قذرة، ضمن أحياء ليس فيها خدمات كافية، ومعدّلات وفيّات الأطفال أعلى بضع مرّات بينهم من المعدّل القومي للبلد المعني...الخ).

أمّا الآن، وعلى رغم استمرار الانتهاكات المتصلة بالمهاجرين، وباليد العاملة الأجنبية، إلا أنّ الأمر بات مختلفاً في معظم الدول الغربية، إذ أضحى حتى عمال هذه البلدان ينظرون إلى المهاجرين نظرة عداء وكراهية، ويعتبرونهم هم مصدر شقائهم وبؤسهم بمعنى ما، وذلك على خلفية ما يعاني منه هؤلاء العمال (بطالة.. أوضاع اقتصادية مهدّدة وغير مستقرة...الخ). وقد أضيف في العقدين الأخيرين عامل إضافي لمفاقمة العداء والكراهية للمهاجرين، ألا وهو العمليات الإرهابية التي تستهدف المدن والمجتمعات الغربية، والتي ترتكب باسم الإسلام على يد مجموعات متطرفة، معادية للثقافة والحضارة والتقدّم، ولا تراعي أي حرمة من الحرمات.

هذا كله شكل بيئة مناسبة، وتربة خصبة لمعاودة إحياء الأحزاب الشعبوية والجماعات أو الحركات اليمينية المتشدّدة، المنغلقة والمتعصّبة، في الكثير من الدول الغربية، والتي تتغذّى من، وتغذّي في الوقت نفسه، نظيراتها في الدول العربية والإسلامية، لتتضافر «جهودها» مجتمعة، في حرف الأنظار والتعمية على جوهر الأزمات والصراعات القائمة، سواء في البلدان الغربية، التي يفترض أنها قطعت أشواطاً كبيرة في طريق التقدّم والرقي، أم في البلدان التي ما زالت «تتمرمط» في مستنقعات التخلف والجهل والاستبداد..

جوهر المشكلة يمكن أن نجده في مكان آخر.. فهو يكمن في الاختلالات والتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والثقافية، سواء داخل البلدان الغربية نفسها، أم بين هذه البلدان من جهة، وبقية بلدان العالم الأخرى من جهة ثانية.

لماذا هذه الاختلالات والتفاوتات التي تخلّف كلّ هذه المصائب والكوارث، وهل هي عصيّة على الحلّ؟ هذا ما ينبغي، كما نزعم ونفترض مثل جوليان، أن نوليه اهتمامنا وجهدنا بالدرجة الأولى.. فهل نفعل؟!.

المحرر

 

العناوين

أوروبا في مهبّ رياح الشعبوية واليمين المتطرف!

 

 

 

 

 

*ـ «الاتحاد الأوروبي» تحت وقع الـ«بريكيست» واللاءات المرفوعة في وجهه                                     

                                                               ـــــ  فؤاد محجوب

*ـ «علامات الانحدار» تتزايد..

                                                             ــــ  خالد عبدالله

 *ـ مسارات «العولمة» و«النيوليبرالية» وأزمة الدولة الوطنية الحديثة

                                                            ــــ   فيصل علوش

*ـ هل ما زال للاشتراكية الديموقراطية مستقبل؟

                                                          ــــ   مصطفى اللباد

*ـ «ثورة العمال البيض المضادة»

                                                       ـــــ    إعداد «الملحق»