تشهد العديد من الدول الأوروبية تصاعداً غير مسبوق للمدّ الشعبوي واليميني المتطرف، يضع تجربة «اتحادها» على المحك، دافعاً بها صوب فترة عصيبة وحالكة في تاريخها، في مواجهة سيلٍ من الانتقادات والاعتراضات وصلت حدّ التشكيك في جدوى وجود الاتحاد بحد ذاته، وخاصة بعد التصويت البريطاني لصالح الخروج منه، وانتخاب الملياردير الأميركي دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، حيث يرى كثيرون أنّ الخيارات كلها باتت ممكنة، بما فيها تفكك الاتحاد ومن ثمّ انحلاله.

«ثورة صامتة»، هو التعبير الذي استخدمته رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، لوصف قيام أغلبية البريطانيين بالتصويت لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي تمّ قبل نحو ستة أشهر، وكان أشبه بزلزال سياسي في بريطانيا وعموم دول الاتحاد، لا تزال ارتداداته تتلاحق، مخلّفة وراءها عديد المشكلات المتفرّعة عنه، والتي ما زالت بلا حلول واضحة لها حتى الآن، مثل طبيعة علاقة بريطانيا المنتظرة بالسوق الأوروبية الموحدة؟.

ولم تمض شهور قليلة، حتى شهد العالم زلزالاً سياسياً آخر، وهو فوز دونالد ترامب برئاسة البيت الأبيض، الذي يرجّح أن يكون أشدّ وقعاً وأثراً، وأوسع مجالاً، وذلك بحكم الوزن الهائل للولايات المتحدة على الساحة الدولية من جهة، وبحكم كونها «النموذج» القائد للعالم الغربي، من جهة ثانية. ولعلّ أبرز تعبير عن التشابه بين الحدثين هو مسارعة نايجل فرّاج، زعيم حزب «الاستقلال»، وأحد أبرز دعاة انفصال بريطانيا عن الاتحاد، إلى زيارة نيويورك لتهنئة ترامب على فوزه، ليكون بذلك أول سياسي بريطاني يلتقي ترامب بعد انتخابه.

وكانت أحزاب اليمين الأوروبي بمجملها قد سارعت إلى الترحيب بفوز ترامب؛ فعبرت ماري لوبان، زعيمة «حزب الجبهة الوطنية» الفرنسي، عن أملها بأن تشكل ـ بعد فوزها برئاسة فرنسا ـ مع كلٍّ من ترامب وفلاديمير بوتين «ثلاثيا يقود العالم نحو السلام»!. يجدر بالذكر أنّ لوبان تعتبر حزبها جزءاً من «حركة عالمية صاعدة بقوة ترفض العولمة وانهيار الحدود وانتشار القيم الليبرالية المرتبطة بالتعددية الثقافية». وفي ألمانيا اعتبر «حزب البديل» أن فوز ترامب يمثل «حقبة جديدة في تاريخ العالم». أما في هولندا فقد اعتبر أحد زعماء اليمين المتطرف أن الأميركيين «استعادوا أرضهم»، وأن أوروبا «تشهد ربيعاً قوميا».

«بريكيست» ثانٍ في إيطاليا

وقد بدا المشهد «البريطاني» وكأنه يتكرّر أخيراً في إيطاليا أيضاً، وذلك غداة فشل رئيس الوزراء ماتيو رينزي في التصويت لصالح تعديلاته الدستورية المقترحة، والتي دفعته إلى وضع حدّ لحياته السياسية على رأس الحكومة الإيطالية، على غرار ديفيد كاميرون، رئيس الحكومة البريطانية، الذي فشل أيضاً بتمرير استفتائه، الذي عُرف في ما بعد بـ «بريكسيت»، ومثلما ترك الأخير وراءه معضلة سياسية ودستورية ليس لبريطانيا وحدها، بل للاتحاد الأوروبي برمّته، فإن المعضلة التي سيخلّفها رينزي وراءه قد لا تقل وقعاً وتأثيراً عن سابقتها!.

وعلى ذلك، فقد شبّه المراقبون التصويت الإيطالي بـ«بريكيست» ثانٍ، ستعيش على وقعه إيطاليا ومعها القارة الأوروبية بأكملها، بعد أن أحدث رجّة أخرى لعاصمة الاتحاد، بروكسل، التي أخذت تتصدّع تحت وقع «اللاءات المتتالية» التي تظهر مدى توغل ونفاذ الأفكار الشعبوية في القارة العجوز، في ظلّ الأزمات والمشاكل المتعدّدة، المعقدّة والمركّبة، التي تشهدها، على رغم ما بين الحركات الشعبوية من تباين في الأهداف والأسباب والخلفيات الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية والفكرية بين بلد وآخر، لكنها تتضافر جميعاً في المحصلة لتساهم في بناء وتنامي تلك «المنظومة» المبعثرة من القيم والمواقف وطرائق التعبير والتعاطي السياسي، لتخلق فيما بينها ما يشبه «الإيديولوجيا» المبنية على قواسم مشتركة تتمحور حول العنصرية والانغلاق وثقافة التعصّب القومي، مما بات يتهدّد مشروع الوحدة الأوروبية، بما يحمله من قيم وطموحات عالمية وانسانية مشتركة، بشكل جديّ وعلى نحو لم يسبق له مثيل.

وخلافاً لما جرى في إيطاليا، فقد حملت الانتخابات الرئاسية في النمسا بعض الأمل لدعاة الوحدة الأوروبية، جرّاء هزيمة مرشح حزب الحرية اليميني المتطرف، نوربرت هوفر، أمام منافسه المرشح اليساري ألكسندر فان دير بيلين، (53,6 % مقابل 46,4 %). وبذلك خالفت هذه النتيجة بعض التوقعات، ولم تحمل أول يميني متطرف إلى رئاسة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.

ولو تحقق سيناريو نجاح هوفر، لكان ذلك سيشكل دفعة قوية أخرى لمختلف الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة على المستوى الأوروبي، مثل الجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب «من أجل الحرية» القومي بقيادة غيرت فيلدرز في هولندا، وحزب «البديل من أجل ألمانيا» (اليميني الشعبوي). فهذه الأحزاب ومثيلاتها، كانت تنتظر جميعها أن يشكل انتصار هوفر «نقطة تحول للنمسا» وأن يكون بمثابة «إسفين جديد يُدقّ في نعش الاتحاد الأوروبي»، وذلك قبل موسم انتخابي على درجة كبيرة من الأهمية عام 2017، في كلّ من فرنسا وهولندا وألمانيا.

مرحلة عالمية مضطربة

وهكذا نشهد، ويشهد العالم أجمع، تمدّد اليمين الشعبوي والمتطرف في أوروبا، منذراً بمرحلة شديدة الاضطراب يمرّ بها النظام العالمي، لا يشكل «البريكيست» وفوز ترامب وفشل «الاستفتاء الدستوري» أكثر من نتاج وتعبير عنها، بقدر ما ستتحوّل، بدورها، إلى أسباب مؤثرة ومساهمة في مفاقمة ذلك الاضطراب والفوضى العالمية، وتوليد المزيد من إفرازاتها وتفرعاتها، وخصوصاً مظاهر التطرف ورفض الآخر، والدفع نحو العودة إلى الجذور بحثاً عن ذوات عرقية أو دينية أو مذهبية، «ظناً أنها أكثر تماهياً مع خصوصية المجتمعات»!. وبمعنى ما، هي تعبير عن عمق أزمة «الهوية» التي تجتاح عالماً متباين الثقافات والحضارات، بعد أن «تعولم» بتسارع مفرط.

ولقد فضحت تصريحات ترامب، إبان حملته الانتخابية وبعدها، توجهاته العنصرية المنحازة للبيض وللأثرياء والمعادية للمسلمين عموماً، وأكدّت أن هذا الرجل ليس معنياً إلا بعودة أميركا القوية (كما يتخيلها هو)، ولو على جثة العالم كله. فقد تعهد بحظر دخول المسلمين (المتطرفين) الى الولايات المتحدة، وبترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين، وبإلغاء، أو تعديل، برنامج أوباما للرعاية الصحية، وبإجراء تخفيضات كبيرة على الضرائب، وبانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية المناخ، ومن مناطق التجارة الحرة، وبفرض رسوم جمركية باهظة على أي منتجات صينية تدخل السوق الأميركية، وبإقامة سور على الحدود مع المكسيك تتحمل الأخيرة كلفته، وبتحميل حلفاء الولايات المتحدة، خصوصاً في حلف شمال الأطلسي ومجلس التعاون الخليجي، قسطاً متزايداً من الأعباء المالية في مقابل ما تقدمه الولايات المتحدة لهم من حماية أمنية، وبإلغاء الاتفاقية المبرمة مع إيران حول برنامجها النووي... إلخ. وهذه العناوين كلها هي أشبه بـ«أجندة إعلان حرب» على أطراف كثيرة، داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها.

الدولة الوحيدة التي عبر ترامب عن مشاعر ودية تجاهها كانت إسرائيل، فقد كرر التزامه المطلق بأمنها، واعتبر نشاطها الاستيطاني شرعياً ولا يشكل عقبة في طريق التسوية، كما اعترف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل ووعد بنقل السفارة الأميركية إليها. ولتأكيد أن تصريحاته ليست مجرد وعود انتخابية لإسرائيل أعلن أنه ينتظر حفيداً يهودياً، معبَّراً عن شعوره بالسعادة إزاء المولود الجديد!.

تراجع الأحزاب التقليدية

وفي ضوء سلسلة النجاحات التي حققها الشعبويون في أوروبا وأميركا، يلاحظ المراقبون كيف تسجّل الأحزاب التقليدية العريقة، (وخاصة يمين الوسط ويساره)، خطاً بيانياً متراجعاً ومنحدراً، سواء على صعيد التأييد الجماهيري، أم على الصعيد السياسي ومستوى التمثيل البرلماني. وعلى سبيل المثال، فقد أصبح للأحزاب الأوروبية المعارضة للاتحاد الأوروبي 174 نائباً من إجمالي 751 عضواً في البرلمان الأوروبي منذ العام 2014.

ويعوّل اليمين الأوروبي على انتخابات العام القادم؛ ليس فقط بسبب فوز ترامب، ولكن بسبب التطورات السياسية في العامين الماضيين، والتي يعتقد أنها ستخدمه وستحفز الناخبين على التصويت لصالحه. والمقصود هنا، على وجه الخصوص، تدفق أعداد هائلة من اللاجئين إلى أوروبا، هذه الموجة التي بلغت ذروتها في عامي 2015 – 2016، إضافة إلى بروز تنظيم داعش وقيامه بتنفيذ هجمات إرهابية في بلدان أوروبية عدة، وخصوصاً في فرنسا بين عامي 2015 – 2016.

وكان المشكّكون في الاتحاد حققوا المزيد من النجاحات في الانتخابات التي أجريت في سبع من إجمالي 16 حالة انتخابية عامة أجريت في غضون السنتين الماضيتين، في الدنمارك وإستونيا ولاتفيا وبولندا والسويد وسلوفاكيا. كما حكمت أحزاب معارضة للاتحاد في سبع دول من إجمالي 28 عدد الدول الأعضاء فيه.

وإذا أخذنا فرنسا كنموذج، فسوف نلاحظ أن المدّ الشعبوي واليميني المتطرف وصل إلى مرحلة خطيرة. ففي الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2012 احتلت مارين لوبان، زعيمة «الجبهة الوطنية» المتطرفة، المركز الثالث بحصولها على حوالى 20 % من الأصوات، في سابقة هي الأولى من نوعها. وفي انتخابات البرلمان الأوروبي للعام 2014 حصلت هذه «الجبهة» على 25 % من الأصوات (مقابل 6 % فقط في انتخابات 2009)، كما حصلت في الانتخابات البلدية للعام 2016 على 28 % من الأصوات، بإجمالي 365 مقعداً (مقابل 118 فقط في انتخابات 2010). ويتوقع البعض أن تتصدّر لوبان الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة للعام 2017، وهو ما سيمكّنها من خوض جولة الإعادة، وبالتالي من احتمال أن تصبح رئيسة لفرنسا، على رغم أن كثيرين يستبعدون هذا الاحتمال.

ويرى مراقبون أن بعض الأحزاب اليسارية (المتمرّدة على اليسار التقليدي) في أوروبا؛ مثل ائتلاف «سيريزا» اليساري في اليونان، وحزب «بوديموس» (قادرون) اليساري في إسبانيا، وعلى خلفية القصور في تجربة الاتحاد، وأوجه الفساد والفشل والثغرات التي تعاني منها، وخصوصاً على صعيد تلبية احتياجات الكثير من الفئات الشعبية، فإن تلك الأحزاب تنتقد على الأقل السياسة الحالية للاتحاد الأوروبي، حيث تبدو «بروكسل» كما لو أنها باتت عدواً مفضلاً، سواء لليساريين أم لليمينيين.

ويقول محللون إنه أصبح لدى الاتحاد الأوروبي الكثير من الخصوم، والقليل من المدافعين المتحمسين. فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة التي تجتاحه تدمّر نظامه المناعي وتجعله أشبه بمريض مزمن يُستعصى إيجاد دواء شافٍ لمرضه!.

ويؤكد هؤلاء على صعوبة الوضع، وخطورته أيضاً، في ظل وجود مناخ ومزاج عاميّن، يغذيان توجهاً عالمياً يميل نحو معارضة المؤسسات والسياسة التقليدية ومعارضة النخب، وهي الروح نفسها التي ساعدت دونالد ترامب على الفوز في سباق الرئاسة الأميركية.

تيار عريض ضدّ الشعبويّة؟

وفيما يعرب الكثيرون عن خشيتهم من رياح التعصّب هذه التي تهبّ على القارة الأوروبية، مهدّدةً الأنظمة الديمقراطية فيها، والتي تلوح في نظرهم، ليس كموجة عابرة، بل كظاهرة سياسية خطيرة يمكن أن تطبع العقد المقبل بطابعها الخاص، محذرين من أن العام 2016 ليس سوى البداية فقط، يبرز في مقابل ذلك، من يدعو إلى التخفيف من وطأة التوقعات المتشائمة، مذكّراً بالعديد من النقاط التي يجري تجاهلها، والتي تنطوي على عناصر قوّة ما زالت تتوفر عليها الحال في أوروبا؛ فـ«الهزيمة في بريكسيت» لم تحصل إلاّ بفارق ضئيل، وهيلاري كلينتون نالت الأكثريّة في عدد المقترعين (47,7% من الأصوات مقابل 47,1 % لترامب)، أي بفارق أكثر من نصف مليون تقريباً، علماً أن ترامب فاز بأكثرية أصوت «المجمع الانتخابي»، المكون من 538 مندوباً، يمثلون 50 ولاية (306 مقابل 232).

وفي أوروبا، كما في أميركا، صوّت العنصر الشبابيّ للديموقراطيّة، لا للشعبويّة، ما يوحي بأنّ الأخيرة لن تلقى أية مهادنة من الجيل الشاب في المستقبل، وهذا بحد ذاته يشكل، في نظر المحللين، فارقاً كبيراً وجوهرياً بين اللحظة الراهنة ومرحلة الثلاثينات من القرن الماضي، التي شهدت ظهور وتصاعد الفاشية والنازية، التي اجتاحت أوساط الشباب في كل من ايطاليا وألمانيا. وإلى ذلك، يسجّل المتابعون أنه ليس ثمّة بين الشعبويّين الحاليّين من يعلن أنّه سيلغي العمليّة الانتخابيّة أو يضع حدّاً للديموقراطيّة، كما حدث في المرحلة المشار إليها، وهذا فارق آخر من الأهمية بمكان أيضاً.

لكنّ ذلك لا يعفي، حسبما يقول المحللون، من تفحّص النواقص ومراجعة أوجه القصور التي تنطوي عليها تجربة الأحزاب الغربية التقليدية التي تناوبت على الحكم، مشيرين خصوصاً إلى ضرورة إيلاء اهتمام أكبر للمسألة الاجتماعيّة، والكفّ عن «محاباة النيوليبرالية»، كما فعل حزبا «العمال» البريطاني، و«الديمقراطي» الأميركي، وغيرهما من أحزاب الاشتراكية الديموقراطية، أو أحزاب اليمين المعتدل، في غير بلد أوروبي، وخاصة في ألمانيا (غيرهارد شرويدر)، وفرنسا (ليونيل جوسبان) ، الأمر الذي دفع مزيداً من المفقرين واليائسين إلى أحضان الشعبويّين.

وما يجعل الأمر مُلحّاً أكثر اليوم أن بعض قيادات تلك الأحزاب؛ مثل تيريزا ماي البريطانيّة، أو ربّما غداً، فرانسوا فيّون الفرنسيّ، لا يشجّع على افتراض السير في طريق المعالجة الجدية لأسباب تلك الأزمات المتلاحقة التي يشهدها العالم الرأسمالي، والتي سيكرّسها ويزيد من حدتها الصعود الشعبويّ الراهن.

لتجديد إقلاعها الديموقراطيّ، هناك من يعتقد أنّ أوروبا بحاجة إلى ائتلاف يجمع بين ليبراليّين، يناهضون النيوليبراليّة، ويساريّين، يناهضون العنف ويقطعون تماماً مع أشكال الحكم الاستبداديّ، ليس في أوروبا وحدها، بل في مختلف أرجاء المعمورة.

 

 

الصور: 1ـ هل يتهاوى زعماء الاتحاد واحداً إثر آخر؟     

2ـ الشباب ضد موجة «البريكيست»

ترامب: هل هو «شعبوي» أم «يميني متطرف»؟

شاع للوهلة الأولى مصطلحا «الصدمة» و«الذهول» في تعليقات بعض الدوائر الغربية، وغير الغربية، على فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية، وقد ذهب بعضهم إلى حدّ وصف فوزه بأنه «من علامات انهيار العالم الغربي، بما يحمله من قيم ومواصفات نعرفها»!.

لكن، وفي نظر البعض على الأقل، فإن الوقت لا زال مبكراً لتقييم سياسات الرئيس المنتخب؛ القادم من خارج السياسة ومؤسساتها الرسمية، والذي ليس لديه سجلٌّ يمكن التعويل عليه في مناقشة خياراته أو التنبؤ بسياساته. كما أن أغلب المحللين يدعون إلى الحذر في الحكم عليه، بمسوّغ أن «ترامب المرشح ليس بالضرورة ترامب الرئيس».

وما نعرفه عن ترامب، رجل الأعمال الأبيض والثري، الذي لم يسبق له أن شغل أي منصب رسمي، هو أنه متمرّد على «المؤسسة الرسمية»؛ سواء على مستوى النظام الأميركي ككل، أم على مستوى حزبه الجمهوري نفسه. ولأنه شخصية ديماغوجية بحكم تكوينه وتاريخه، فقد بدا أقرب ما يكون، في نظر البعض، إلى «مهرج سياسي منه إلى رجل دولة». لكن، وبوصفه كذلك، فقد استطاع أن يوحّد كل الرافضين للنظام ولسياساته التقليدية، الجمهورية منها والديموقراطية، وهي السياسات التي ينظر إليها باعتبارها المسؤولة عن التدهور الحالي في مكانة الولايات المتحدة على مستوى العالم.

وإذا كانت أحزاب اليمين الأوروبي قد سارعت إلى الترحيب بفوزه، ظناً منها أن ذلك سيعود عليها بالنفع والفائدة الأكيدة، فإن هناك من يعتبر، في المقابل، أن هذه المواقف أقرب إلى «الحماسة الصبيانية» المفرطة في التفاؤل، التي تتجاهل حقيقة أن ترامب، وعلى رغم تبنيه فكراً محافظاً، إلا أنه لا ينتمي إلى تيار اليمين السياسي المتطرف. فهو تنقل خلال تاريخه ما بين الحزب الجمهوري والديمقراطي، وقام بتبديل انتمائه وهويته السياسية سبع مرات متتالية. وهو ما يوضّح نفوره من «الهوية الواضحة والثابتة»، وما يؤذن بقابليته الكبيرة، كما يرجّح كثيرون، للقيام بانعطافات سياسية، تعرقل إمكان انضمامه بصورة أوتوماتيكية إلى معسكر اليمين الأوروبي المتطرف، كما تفترض لوبان وحلفاؤها، على سبيل المثال.

ويستدلّ المراقبون بمقابلة ترامب الأولى مع الإعلام الأميركي غداة فوزه، والتي تبعث على الشعور بأن التحول السياسي ليس ممكناً بالنسبة إلى هذا الرجل فحسب، بل إنه قد بدأ بالفعل. حيث ظهر في المقابلة متزناً، وشديد الحذر في إجاباته بصورة غير معهودة. فأبدى رغبته في الحفاظ على جزء من خطة الرئيس باراك أوباما للرعاية الصحية، التي كان يصفها بأنها كارثة قبل انتخابه. أما كلينتون، التي كان وعد بمقاضاتها في حال توليه الرئاسة، فأصبحت «رائعة وذكية وقوية»!.

وعليه، فقد لا يعود انتخاب ترامب بالفائدة المرجوّة على أحزاب اليمين الأوروبي المتطرف، التي تقوم رؤيتها للعالم بشكل أساسي على خطاب «الهوية»، والسياسة الثابتة المتجانسة، المبنية على قيم تتصل بالعرق أو الدين، أكثر من اتصالاتها بعالم المصالح والسياسات المتبدلة. وقد تكون هنالك إمكانية لأن يقوم النظام السياسي الأميركي، ومجموعات الضغط بـ«تدجين الرئيس»، ودفعه إلى سلوك مسار مغاير، إلى هذا الحد أو ذاك، عن وعوده الانتخابية.

يذكر أن كثيرين يصنفون ترامب كسياسي «شعبوي» بالدرجة الأولى، وليس يمينياً متطرفاً، كما يعتقد ويأمل ممثلو هذا التيار في أوروبا!.