«ظاهرة دونالد ترامب، وصعود القوميات الشعبوية، والفاشية، وعودة مبدأ الحماية التجارية، وتردي قيم الديمقراطية..». هذه هي علامات «الانحدار الغربي» كما حددها خافيير سولانا وزير خارجية إسبانيا الأسبق، وستروب تالبوت نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق، في وثيقة سياسية مشتركة. غير أن الصحف والفضائيات والمواقع الالكترونية لم تكن في انتظار وثيقة كهذه، فقبل ذلك بسنوات صار الحديث عن «أزمة في الغرب» طبقاً رئيسياً شبه يومي على مائدة الإعلام، لا ينافسه في ذلك إلا الحديث عن الإرهاب الإسلامي..

وإذا كان الحديث عن «انحطاط الغرب» (عنوان كتاب شهير لشبينغلر) قديماً نسبياً، إلا أنه كان مقصوراً على أعداء الرأسمالية، ولا سيما في المعسكر الاشتراكي، وعلى نخبة فكرية ضيقة في الدول الغربية، ولم يعدم المنافحون يومئذ أدلة كثيرة تضعف مصداقيته هذا الحديث، إلى أن جاءت نهاية الثمانينات من القرن الماضي (انهيار المنظومة الشيوعية) محولة الكلام عن «حتمية انهيار الرأسمالية» إلى ما يشبه النبوءات القيامية في بعض العقائد الدينية.

كتاب فرانسيس فوكوياما «نهاية التاريخ» هو المثال الأكثر شيوعاً عن التفاؤل المفرط بمستقبل النظام السياسي الاقتصادي الغربي (الليبرالية الديمقراطية واقتصاد السوق) إثر سقوط جدار برلين، ولكنه ليس المثال الوحيد، فزبغينو بريجنسكي، السياسي الأمريكي الرزين والمخضرم، تحدث في كتاب شهير له، «لعبة الشطرنج الكبرى»، عن إمكانية أن يكون القرن الواحد والعشرين أمريكياً أيضاً، مستنداً إلى استمرار تسيد الولايات المتحدة للغرب، واكتساح القيم الغربية لكل البدائل التي كانت مطروحة..

لم يصمد هذا التفاؤل طويلاً. فوكوياما عاد في كتابه (أميركا على مفترق الطرق)، مثلاً، ليقيد أفكار «نهاية التاريخ»، واضعاً الكثير من استنتاجاته بين قوسين، بل إنه تراجع تماماً عن بعض الطروحات. بريجنسكي بدوره ألف كتاباً آخر، عنوانه «رؤية استراتيجية»، تحسّر فيه على «ضياع الفرصة».

التفاؤل «المفرط» والوقائع الصلبة

لقد تعاظمت الإشارات والإنذارات المعاكسة لهذا الاتجاه المتفائل، قبل أن تتحول إلى وقائع صلبة وملموسة يصعب تجاهلها أو إنكارها: أزمة 2008 المالية التي عصفت بالأسواق العالمية، الصعود السريع لليمين المتطرف، تآكل أحزاب الوسط الليبرالية، والتراجع الكبير في نسب المقبلين على صناديق الانتخاب، بروز الخطاب الشعبوي، وعودة المفهوم الضيق للهوية، وارتفاع منسوب الكراهية للمهاجرين والأجانب، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ما يفتتح، ربما، عودة جديدة إلى الحمائية والحدود المغلقة.. لتأتي الذروة مع وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في الدولة الغربية الأعظم، وهو الرجل الذي زايد على زعماء عالمثالثيين في كراهية الكثير من قيم الديمقراطية الغربية..

يرى الكثيرون أن البداية الفعلية لهذا المسار كانت في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن العشرين، وتحديداً مع وصول مارغريت تاتشر ورونالد ربغان إلى السلطة في كل من بريطانيا والولايات المتحدة. إلى هذين الزعيمين يعزى التدشين الرسمي لعهد الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية.. اقتصاد السوق المنفلت من كل القيود والضوابط)، حيث تم التراجع عن الكثير من عناصر الاقتصاد الكينزي (نسبة إلى الاقتصادي البريطاني كينز)، الذي ساد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد تخلت الدولة عن دورها في الرعاية الاجتماعية، ولم يعد لها الحق في الإشراف على الاقتصاد، ولا في التدخل من أجل حماية الأقل حظاً. وإذا كانت تاتشر قد سميت «المرأة الحديدية» فإن استحقاقها لهذا اللقب يعود أساساً إلى صلابتها في وجه النقابات العمالية وانتزاع الكثير من مكتسباتها.

في كتابه «انهيار الرأسمالية» يستطرد الباحث الألماني أولريش شيفر في تعداد آثار هذه النقلة التاريخية: «اقتصاد السوق المتكفل بالرعاية الاجتماعية استعيض عنه بنموذج جديد يتصف بالوحشية والأنانية ويطلب من بني البشر ما لا طاقة لهم به.. ففي الثلاثين عاماً المنصرمة كفت الدولة، ومعها السياسيون المنتخبون وفق القواعد الديمقراطية، عن التدخل في عمل اقتصاد السوق تاركة قوى السوق تصول وتجول على النحو الذي يطيب لها، أي أن الدولة والسياسيين تركوا الاقتصاد الوطني توجّهه حفنة رجال تهيمن على الشركات العملاقة والمصارف، ولا تتمتع بأي شرعية ديمقراطية.

الرأسمالية المنفلتة

ومنذ ذلك الحين أطلقت الرأسمالية العنان لطاقاتها الجامحة، لطاقاتها «المعظمة للرفاهية من ناحية، والمدمرة لوحدة المجتمع من ناحية ثانية». إن أبناء الطبقة الوسطى، على وجه الخصوص، هم الذين سيذوقون مرارة هذا «التحول العظيم»، لقد «صاروا الآن المواطنين الذين يعانون المصائب». لهذه الأسباب فـ «المواطنون لم يعودوا يثقون بأن المنافسة في الأسواق العالمية والمباراة الضارية في البورصات تسبغ النفع عليهم. إن عدد المواطنين النافرين من اقتصاد السوق في تزايد مستمر، أضف إلى ذلك أن هؤلاء المواطنين قد صاروا يتحفظون على الإطار السياسي المناسب لاقتصاد السوق وعن الديمقراطية أيضا، وأنهم يشيحون بوجوههم عن الأحزاب السياسية، ويتخلفون عن المشاركة في الانتخابات، ويعتزلون المجتمع».

يتحدث أمين معلوف، في كتابه «اختلال العالم»، عن مفارقة كبرى: فعندما كان الاتحاد السوفييتي لا يزال موجوداً، مقدماً نموذجاً تحتذيه الكثير من بلدان المعمورة، كانت قوة الغرب في أوجها، وعندما انهار هذا النموذج وأثبت فشله، فإن الغرب دخل في مأزق. لقد انتصر النموذج الرأسمالي وأثبت نفسه كخيار ناجح وحيد، ما جعل دولاً كبيرة، كالصين والهند والبرازيل، تنخرط في مسار التحول إلى الرأسمالية، وتأتي بحجومها البشرية الكبيرة إلى مائدة الاقتصاد العالمي لتطالب بحصتها من الكعكة. ملايين الصينيين والهنود والبرازيليين صاروا ينافسون الأميركيين والأوربيين، ليس على الحاجات الضرورية وحسب بل وعلى الكماليات أيضاً، وآلاف المصانع مع ملايين فرص العمل هاجرت من الشمال إلى الجنوب حيث الأيدي العاملة الأوفر والأرخص.. بالمحصلة: فإن لحظة انتصار الغرب هي نفسها اللحظة التي بدأت فيها أزمته.

النيوليبرالية والعولمة

لقد سلكت العولمة في ظل النيوليبرالية مساراً مزدوجاً: فمن جهة نجحت في تدويل اقتصاد السوق وإزالة حواجز الدول والأمم من أمامه، وعبر ثمار التكنولوجيا من وسائل الاتصال المتقدمة أوشكت على تحويل العالم إلى قرية كونية صغيرة، ولكنها، من جهة ثانية، أيقظت هواجس الهوية، وأثارت فزع أبناء الكثير من القوميات والعصبيات والانتماءات، ممن فهموا العولمة على أنها خطر على الهوية وعلى الخصوصية الثقافية والأخلاقية..

حققت العولمة الكثير من الإنجازات، لكنها بالمقابل خلقت الكثير من الخائبين والساخطين والخائفين، ليس في دول العالم الثالث وحسب بل وفي دول المركز الغربي أيضا. ومن تكاثر هؤلاء نبتت بذور الظواهر التي تقلق الغرب هذه الأيام.

يقول أمين معلوف: «إن ما نشكو منه هو الهوة المتزايدة عمقا بين تقدمنا المادي السريع، الذي يزيدنا خروجا من عزلتنا كل يوم، وبين تقدمنا الخلقي البطيء الذي لا يسمح لنا بأن نواجه العواقب المفجعة لهذا الخروج من العزلة». إذاً، فعندما وضعتنا العولمة جميعاً، غرباً وشرقاً.. شمالاً وجنوباً، على قارب واحد، لم نكن قد أعدينا بعد العدّة المناسبة لهذه المغامرة البشرية الكبرى. لم نكن قد طورنا الوسائل الكفيلة بأن نفهم بعضنا جيداً، ولا أن نحترم هوياتنا وخصوصياتنا وثقافاتنا المختلفة. لم نكن قد تعلمنا، كما يجب، العيش سوياً وبهذا القرب.

وبالنسبة لنا نحن العرب، فإذا كانت الكثير من نخبنا مسؤولة عن عدم تبني قيم الغرب الحضارية (الديمقراطية، الليبرالية، حقوق الإنسان)، بل ومناصبة العداء لهذه القيم، فإن الغرب ـ حسب معلوف ـ مسؤول أيضاً. لقد ظل حاملاً لوجهين متناقضين: الوجه المشرق، بملامحه الحضارية المتطورة، في الغرب وللغرب، فيما مثل أمامنا، نحن وبقية العالم، بوجهه الآخر: أساطيل غازية، وقوة صلبة فظة، وشركات طامعة ونهابة..

وفي هذا السياق، يمثل كتاب المفكر الفرنسي الشهير تزفيتان تودوروف، «روح الأنوار»، مساهمة بارزة  في نقد الأوضاع السائدة في الغرب. وهو يتوقف مطولاً عند مآلات عصر الأنوار في أيامنا هذه، والتحديات التي تهدد إرثه، مستعرضاً المشكلات الكثيرة التي تعصف بالحياة الاجتماعية المعاصرة، والانحرافات والتشويهات والضغوطات التي تعانيها مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان من قبل ماكينات إعلامية وقوى اقتصادية وسياسية مختلفة.. ويحذر تودوروف من إطفاء الغرب لأنواره، مؤكدا الحاجة إلى مذهب إنساني جديد يستلهم روح الأنوار ويعم العالم برمته..

يتفق كثيرون، إذاً، على وجود أزمة حقيقية في الغرب، وعلى توصيفها. ولكن ماذا عن الاحتمالات التي تلوح في الأفق؟ ماذا عن النتائج والمسارات والمخارج المستقبلية؟.

تتراوح التوقعات بين كثير من التهوين وكثير من التهويل. غير أن السيناريو الأكثر شيوعاً هو أننا سنشهد قريباً نهاية العلاقة الحميمة والطويلة، نسبيا، بين الديمقراطية والليبرالية، إذ سنقف أمام نمط من الديمقراطية غير الليبرالية: انتخابات ديمقراطية تفرز قيادات سياسية شعبوية تتصرف باسم الأكثرية (بمفهومها الأكثر فجاجة)، دون اهتمام بمبدأ الحرية الفردية وبالتعددية الثقافية، ودون مراعاة للأقليات والهويات المختلفة.. ترامب نموذجاً إذاً.

وماذا عنا؟.

من الغريب أن تعلو أصوات عندنا لتعلن الشماتة والتشفي، وأن تكون العبرة الوحيدة هي أننا كنا على حق في عدم تبنينا للقيم التي «أودت بالغرب». هكذا يقفز هؤلاء من حقيقة تعثر اتجاه محدّد في النظام الرأسمالي (النيوليبرالية) إلى نتيجة حتمية مفادها تجديد الرفض المطلق لكل ما أنجزه الغرب، وكلّ ما أرساه، وكل ما صدّره إلينا. ينسى هؤلاء احتمالاً قائماً وذا أرجحية: إذا ما أطفأ الغرب أنواره بالفعل فإن الظلام قد يغمرنا جميعاً!.