تحاول هذه الورقة رصد الأداء الفلسطيني تجاه مدينة القدس، مبتدئة بالحديث عن واقع القدس في ظل المخططات الاستعمارية الاستيطانية الرامية إلى تهويدها وتفريغها من سكانها الفلسطينيين من خلال حسم المسألة الديمغرافية لصالح جعل القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، والاعتداء على المقدسات، ومعرجة على حال المقدسيين الذين يعانون من سحب "الهوية المقدسية"، ومن الضرائب الباهظة، ومن المحاولات الإسرائيلية الرامية إلى كي الوعي المقدسي من خلال فرض المناهج الإسرائيلية، وتشجيع الجريمة والمخدرات.

وتوضح الورقة أن الموقف الفلسطيني تغيّر من القدس تدريجيًا منذ تبني برنامج "النقاط العشر"، وترافق اعتماد نظرية المراحل مع وهم تصور إمكانية التوصل إلى تسوية تحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية في ظل اختلال ميزان القوى والاعتماد على العمل السياسي كطريق وحيد. وبلغ التغير ذروته عندما أسقطت القدس من الأراضي التي ستتولى السلطة الفلسطينية السيطرة عليها وفق "اتفاق أوسلو"، وإلى الموافقة على مبدأ "تبادل الأراضي"، ومقترحات كلينتون التي تضمنت موافقة على ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة إلى إسرائيل في أي حل نهائي، وتقسيم القدس الشرقية إلى أحياء فلسطينية و"أحياء يهودية".

وتخلص الورقة إلى أن يحصل حاليًا في القدس هو تحصيل حاصل لاستمرار تنفيذ المخططات الإسرائيلية ولسياسة السلطة القائمة على المفاوضات، والتي أدت إلى فتح شهية إسرائيل لتحقيق المزيد من التنازلات، وقادت إلى سلسلة من الأخطاء، منها عدم وضع القدس على أولويات السلطة على كل المستويات وعدم تخصيص الميزانيات المناسبة لها.

وتطرح الورقة أمثلة على الأداء الفلسطيني المتخبط في القدس، مثل تعدد المرجعيات وتنافسها وتضاربها، والفشل في بلورة مرجعية موحدة، وانسحاب المؤسسات الواحدة إثر الأخرى، خصوصًا بعد إغلاق بيت الشرق، ووفاة فيصل الحسيني الذي كان يمثل مرجعية معترفًا بها، ما انعكس سلبًا على القدس، وأضعف إستراتيجية الصمود لدى المقدسيين؛ ومثل إسقاط القدس من الانتخابات البلدية بحجة أنها تحت السيطرة الإسرائيلية.

وتوصي الورقة بمعالجة قضية القدس، من خلال تحمل القيادة في المنظمة، والسلطة، والفصائل، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، لمسؤولياتهم تجاه المدينة المقدسة، ووضعها على رأس جدول الأعمال والاهتمامات، على أن يكون العلاج عاجلًا للقضايا التي لا تحتمل التأجيل، مثل الإسكان والصحة وفرص العمل ومكافحة التهويد والأسرلة، إضافة إلى الشروع في حوار وطني شامل بهدف بلورة رؤية شاملة، وإستراتيجية عمل مشتقة منها.


واقع مدينة القدس

قبل التطرق إلى الأداء الفلسطيني إزاء القدس، لا بد أن نعرّج على الواقع الذي تعيشه المدينة المقدّسة حاليًا، وإلى الأهداف الإسرائيلية الموضوعة للقدس والمخططات الرامية إلى تنفيذها.

استهدفت الحركة الصهيونية منذ تأسيسها وبعد الشروع في تنفيذ مخططها، وخصوصًا بعد قيام إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني سياسات الأرض، والتخطيط المديني، والعمراني، والاجتماعي، والديمغرافي، من أجل تحقيق أهداف جبو-سياسية في القدس، ومن أجل السيطرة المحكمة والمطلقة على أراضي المدينة جلها وما حولها، وخاصة ما هو في عمق الضفة الغربية، وكذلك إعادة صياغة تاريخ القدس من جديد، عبر إنتاج أسطورة "أورشليم" القديمة واستحضارها بهدف ترسيخ تحويلها إلى عاصمة إسرائيل الأبدية.[1]

ويرى يوسف جبارين أن التخطيط يلعب بلا هوادة دورًا منقطع النظير من أجل حسم مستقبل القدس، بهدف "ضمان" مستقبلها الجيوسياسي كعاصمة أبدية لإسرائيل ومنع تقسمها. فإسرائيل تهدف إلى حسم الحالة الديمغرافية والجيوسياسية للقدس الشرقية بهدف منع إقامة عاصمة فلسطينية فيها ودمجها بالقدس الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية.[2]

وجاء أيضًا في كتاب جبارين أن إسرائيل قامت بتدمير شامل للبلدان الفلسطينية غربي مدينة القدس، وتهجير القدس الجديدة المسماة اليوم "القدس الغربية"، وسيطرت على الأحياء والإرث المعماري الفلسطيني في القدس الغربية، وصادرت غالبية أراضي القدس الشرقية خلال الفترة (1967-2015). وجرّمت أكثر من 89% من الفلسطينيين وفق قانون التخطيط الإسرائيلي، وحوّلت القدس إلى مدينة "ثنائية القومية" (43% يهود مقابل 57% من الفلسطينيين). كما استفحل الفقر ليصل إلى نسبة 70% عن الأطفال الفلسطينيين، وتحولت أحياء القدس العربية إلى مساكن فقر، بينما تحولت القدس الشرقية إلى كانتونات منفصلة مبعثرة، وتمت عرقلة إقامة عاصمة فلسطينية مستقلة في القدس الشرقية.[3]

 

الإجراءات الإسرائيلية ضد المقدسيين

قامت إسرائيل بإجراءات وخطوات تصعيدية ضد المقدسيين بهدف تفريغ المدينة من مواطنيها الفلسطينيين، استكمالًا لتهويدها وجعلها "عاصمة" لدولة "إسرائيل الكبرى"، حيث سحبت الهوية من 50 ألف مقدسي تطبيقًا لنظام الإقامة المفروض من سلطات الاحتلال، الذي لا يوجد له مثيل في أي مكان في العالم، والذي يتضمن فقد المواطن المقدسي لهويته إذا عاش بعيدًا عن القدس لسنوات قليلة، حتى لو كانت إقامته في مكان آخر في فلسطين لا يبعد عنها سوى كيلو مترات قليلة. وهناك 50 ألف مقدسي آخرون مهددون بالتشرد وهدم منازلهم، بحجة عدم الحصول على التصريح اللازم للبناء. ومسألة الحصول على التصاريح معقدة جدًا، وما يزيد الأمر صعوبة أن شراء بيت في القدس مساحته 120 مترًا مربعًا يكلّف أكثر من 300 ألف دولار أميركي، وما يزيد من التكلفة أن رسوم بناء البيت تكلّف 50 ألف دولار.

وتقوم سلطات الاحتلال بفرض ضرائب باهظة على المقدسيين تجعل حياتهم صعبة، بل مستحيلة، وتدفعهم بشكل قسري إلى الهجرة خارج القدس، سواء إلى أماكن أخرى داخل فلسطين، أو إلى خارج فلسطين. وتقوم أيضًا بإجراءات فصلت وميزت بين أهالي القدس، بين من يقيم داخل حدود الجدار العنصري الذي يستطيع الحفاظ على هويته المقدسية، وبين من أجبر على الإقامة خلف الجدار وهو مهدد بسحب الإقامة، فضلًا عن الصعوبات التي يجدها في التنقل والعمل.

وأشاعت سلطات الاحتلال أجواء الجريمة والفوضى في القدس من خلال تشجيع الجريمة وعدم محاسبة المجرمين، بل عملت على توفير الحماية لهم، واستخدامهم ضد شعبهم مقابل عدم تقديمهم للمحاكمة. كما شجّعت الدعارة وروّجت المخدرات، حتى غدت القدس من أكثر المناطق الفلسطينية ترويجًا للمخدرات، الأمر الذي خلّف آلاف المدمنين، وأضعافهم من المتعاطين.

ومضت سلطات الاحتلال، خصوصًا في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية في فرض المناهج الإسرائيلية في المدارس الفلسطينية بدلًا من المناهج الفلسطينية، ومن أجل ضمان تحقيق ذلك ربطت القيام بترميم المدارس وتزويدها بالميزانيات المخصصة لها بموافقتها على تدريس المناهج الإسرائيلية، إلا أنه لم يستجب لها سوى عشر مدارس من أصل 140 مدرسة.

وسرعّت سلطات الاحتلال من عمليات الاستيطان، حيث يقدر عدد المستوطنين في الضفة الغربية بحوالي 800 ألف مستوطن، منهم 350 ألفًا يعيشون في القدس الشرقية، وفق معطيات معهد أريج[4]. كما منعت كل المؤسسات العاملة في القدس، ولها صفة تمثيلية ووطنية من العمل، فأغلقت بيت الشرق، وتلاحق كل مؤسسة تكون امتدادًا لنظرتها الفلسطينية، إضافة إلى أنها شجعت الجنود والمستوطنين المدججين بالسلاح على ارتكاب الجرائم ضد الفلسطينين بحجة أنهم يشكلون أو يمكن أن يشكلوا تهديدًا علي حياتهم.

وأخيرًا، فإن أكثر المخططات التي تصاعد تنفيذها في السنوات الأخيرة هي الاعتداءات على المسجد الأقصى، والحفريات حوله وتحته. وهذه الاعتداءات كانت تتم في السابق من أعداد قليلة ومن مشاركين متطرفين على هامش الحياة السياسية الإسرائيلية. أما حاليًا، فأصبحت تنفذ بمشاركة الآلاف من ضمنهم وزراء وأعضاء كنيست وكبار رجال الدين وقادة أحزاب مركزية، وسط دعوات لتقسيم الأقصى مكانيًا وزمانيًا تمهيدًا لهدمه وبناء "هيكل سليمان" المزعوم بدلًا منه.

تسخّر إسرائيل من أجل تنفيذ أهدافها في القدس أموالًا ضخمة من موازنتها، ومن تبرعات تقدم من داخل إسرائيل ومن خارجها، خصوصًا من الولايات المتحدة الأميركية، وبتنظيم من اللوبيات الصهيونية والمجموعات المؤيدة لإسرائيل في مختلف البلدان، لدرجة أن المليادير اليهودي الأميركي أرفين مسكوفيتش قدم أموالًا لتهويد القدس وأسرلتها تكاد تقارب كل ما قدمه الفلسطينيين والعرب.

 

ماذا فعل الفلسطينيون والعرب؟

من الإنصاف أن نبدأ بالقول إن الموقف الفلسطيني التاريخي كان مدافعًا عن الحق الفلسطيني في القدس. فكانت انطلاقة الثورة الفلسطينية تهدف إلى تحرير القدس باعتبارها جزءًا من فلسطين المحتلة التي كانت تعمل على تحريرها، وبالتالي لم تكن هناك أي مساومة أو تفاوض على القدس.

ثم تغيّر الموقف تدريجيًا منذ تبني برنامج "النقاط العشر" بعد حرب أكتوبر 1973، الذي تغير عبر الزمن ليصبح البرنامج المرحلي: برنامج حق العودة، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية على جميع الأراضي المحتلة العام 1967، بما في ذلك القدس، التي كانت توصف أحيانًا بـ "العربية"، أو "الشريف"، أو "الشرقية".

لا يكمن الخلل ولا جذر المشكلة في اعتماد البرنامج المرحلي، لأن خصائص وتعقيدات الصراع مع الحركة الصهيونية، وطبيعة مشروعه الاستعماري الاستيطاني العنصري، وعلاقته العضوية مع عدد من الدول الكبرى في العالم، وخصوصًا الولايات المتحدة، المبنية على الدور الوظيفي لإسرائيل بوصفها دولة مناط بها توفير الأداة والهراوة الجاهزة لضمان استمرار المنطقة العربية، وخصوصا بلدان الطوق، أسيرة للتجزئة والتخلف والفقر والجهل والتبعية، إضافة إلى عدم وحدة العالم العربي؛ جعلت مسألة اعتماد نظرية المراحل مقبولة سياسيًا. أما الخطأ الكبير، فيكمن في ترافق اعتماد نظرية المراحل مع وهم تصور إمكانية التوصل إلى تسوية تحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية في ظل ميزان القوى المختل لصالح إسرائيل وحلفائها، ومن خلال اعتماد العمل السياسي والمفاوضات وأشكال النضال السلمي كطريق وحيد أو أساسي.

وعندما اصطدم هذا الوهم بحقائق الواقع العنيدة، وبجدار التطرّف والعدوان والعنصرية الإسرائيلية، الذي ازداد سماكة مع تقدم الزمن؛ فبدلًا من التراجع عن هذه الإستراتيجية توغلت القيادة الفلسطينية فيها بصورة أكبر، الأمر الذي قاد إلى سلسلة التنازلات الفادحة التي بلغت الذروة في توقيع "اتفاق أوسلو"، الذي اعترفت فيه الضحية بحق الجلاد في إقامة دولة على 78% من فلسطين التاريخية الانتدابية، دون أن يعترف الجلاد بحق أصحاب البلاد الأصليين في إقامة دولة على 22٪‏ من أرض فلسطين، ولا الاعتراف بأي حق من الحقوق الفلسطينية. فالاعتراف الإسرائيلي الوارد في الرسائل المتبادلة بين ياسر عرفات وإسحاق رابين، هو بالمنظمة كممثل شرعي، ولم يعترف بحقها في إقامة دولة، ولا بحق الشعب في العودة وتقرير المصير.

 

القدس و"اتفاق أوسلو"

أسقط "اتفاق أوسلو" القدس من الأراضي التي ستتولى السلطة الفلسطينية السيطرة عليها. فقد قسّم أوسلو الأرض الفلسطينية إلى مناطق (أ)، التي تشمل المدن، وتسيطر عليها السلطة إداريًا وأمنيًا، وتبلغ نسبتها 18%، ومناطق (ب) البالغة نسبتها 22%، حيث تسيطر عليها السلطة إداريًا بينما الاحتلال أمنيًا، ومناطق (ج) البالغة نسبتها 60%، وتسيطر عليها سلطات الاحتلال، إداريًا وأمنيًا.

وتكمن الخطيئة في الموافقة على فصل القضية عن الأرض والشعب، ثم تقسيم القضية إلى قضايا، والحل إلى مراحل، والشعب عمليا إلى "شعوب"، والأرض إلى (أ) و(ب) و(ج) والقدس و48، إضافة إلى فصل الضفة عن غزة. ويزداد الطين بلة عندما نعرف أن المساعدات الأميركية التي تخصص للسلطة لا يقدم أي جزء منها للقدس، وأن جزءًا بسيطًا من المساعدات الأوروبية يخصص للقدس.

يشار إلى أن إسرائيل تراجعت بعد زيارة شارون للأقصى في أيلول 2000 التي أشعلت "انتفاضة الأقصى" عن عدم دخول أراضي السلطة، فاستباحتها، وأعادت احتلالها، وحاصرت مقر الرئيس ياسر عرفات، وصولًا إلى اغتياله. ولا تزال سلطات الاحتلال تغزو مناطق السلطة أينما وكيفما تشاء، ما يؤكد عمليًا أن إسرائيل قد تجاوزت جوهريًا "اتفاق أوسلو"، وكل ما يهمها منه استمرار السلطة الفلسطينية في تطبيق التزاماتها السياسية والاقتصادية والأمنية المترتبة عليه.

وهنا، لا بد من توضيح أن الموافقة الفلسطينية والعربية على أن تكون المشاركة الفلسطينية في "مؤتمر مدريد" من خلال الوفد الأردني الفلسطيني المشترك دون تمثيل القدس كانت الخطوة المؤسسة للتنازلات التي حصلت بعد ذلك، والتي وصلت إلى حد الموافقة على مبدأ "تبادل الأراضي" الذي يعطي شرعية للاستيطان ومصادرة الأرض. كما أنه قاد إلى مقترحات كلينتون التي تضمنت موافقة على ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة إلى إسرائيل في أي حل نهائي، وتقسيم القدس الشرقية إلى أحياء فلسطينية و"أحياء يهودية" (تحولت المستعمرات الاستيطانية إلى أحياء!).

كما يمكن إدراج الموافقة الفلسطينية على الرعاية الأردنية للأقصى في البداية، والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ضمن هذه الخانة، بناء على تقدير أن معاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية والعلاقات التي ترتبت عليها وما نصت عليه من رعاية أردنية للمقدسات يمكن أن تشكل حماية، في حين أنها لم تمنع استمرار الاعتداءات والانتهاكات والحفريات، وانتهت إلى مسألة تركيب كاميرات في الأقصى كادت أن تؤدي إلى فتنة فلسطينية أردنية، إلى أن تراجع الأردن عنها وأنقذ الموقف وحال دون تدهوره.

يتغنّى المفاوض الفلسطيني بحصوله على اختراق في "أوسلو"، من خلال الاتفاق على إدراج القدس في المفاوضات النهائية، وعلى اعتبار الضفة الغربية وقطاع غزة، بما فيها القدس، وحدة إقليمية واحدة، وهذا أفضل من "معاهدة السلام" المصرية-الإسرائيلية التي تحدثت عن إقامة حكم ذاتي فلسطيني دون أي إشارة إلى القدس، ومن "معاهدة السلام" الأردنية-الإسرائيلية التي اكتفت بالموافقة على الرعاية الأردنية للمقدسات الإسلامية، وعلى إعطاء الأردن أولوية عند التفاوض النهائي حولها. ويتجاهل هذا المفاوض أن الاختراق الذي يتحدث عنه لم يوفر الحماية للمقدسات أو للقدس، وهبط عن ما ورد في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، التي أدانت احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة وطالبت بالانسحاب منها.[5]

تأسيسًا على ما سبق، ما يحصل حاليًا في القدس هو تحصيل حاصل لتطبيق السياسات الإسرائيلية تنفيذًا للمشروع الاستعماري الصهيوني الذي لم يغلق ولا يزال مفتوحًا على مصراعيه، وعاد إلى الحلم القديم بإقامة إسرائيل الكبرى. وهو أمر ينسجم مع التحوّلات التي شهدتها إسرائيل خلال المراحل الثلاث التي مرت بها منذ تأسيسها: مرحلة سيطرة حزب العمل (1948-1977)، ومرحلة سيطرة اليمين بقيادة الليكود (1977-1999)، ومرحلة ما بعد حكومة العام 1999 وحتى الآن التي اتسمت بتعميق الطابع القومي اليهودي الاستيطاني العنصري للدولة، وتعزيز هيمنة حزب الليكود اليميني، وتغلغل تيار الصهيونية الدينية في الحكم والمجتمع.

وبالرغم من ذلك، استمر اعتماد السياسة الفلسطينية ذاتها، بل وأبى أنصارها مراجعتها بالرغم من اتضاح أنها لم تقد حتى إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية على جزء من فلسطين لا يصل إلى ربع مساحتها، ولا إلى تطبيق حق العودة والتعويض للاجئين كما ينص القرار الدولي (194) الصادر في 29/11/1947، وإنما قادت إلى تعميق الاحتلال والجدار وفصل القدس عن بقية الأراضي المحتلة، والضفة عن غزة، إضافة إلى الحصار الخانق على القطاع، والانقسام السياسي والجغرافي، وتهميش القضية الفلسطينية التي لم تعد قضية شعب يعيش مرحلة تحرر وطني، وإنما صراع حدود، وبين المتطرفين والمعتدلين، وأنصار السلام وأعدائه.

لقد أدت هذه السياسة إلى فتح شهية إسرائيل لتحقيق المزيد من التنازلات، فتراجعت عن موافقتها الشكلية على إقامة دولة، ووضعت شروطًا للتفاوض والوصول إلى اتفاق، أهمها الاعتراف بإسرائيل بوصفها دولة "للشعب اليهودي"، وهذا يعطي لكل يهودي في العالم حق المواطنة في فلسطين، كما أن هذا الاعتراف يزوّر الرواية التاريخية، ويحرم أصحاب البلاد الأصليين من موطنهم، ويحرم اللاجئين الذين كانوا أو لا يزالون يقيمون في فلسطين من العودة إلى وطنهم.

يشار إلى أن حوالي 200 ألف فلسطيني كانوا متواجدين في أراضي 48 بعد النكبة تم تشريدهم ويعتبرون لاجئين، وأضعافهم من الذين شردوا وبقوا داخل الوطن في الضفة والقطاع. وفي سياق متصل، فقد توسع الاستيطان بالضفة الغربية، لدرجة وجود مستوطن مقابل كل ثلاثة فلسطينيين، أي أن ربع السكان من المستعمرين المستوطنين.

لقد قاد الخطأ المؤسس على توقيع اتفاق أوسلو وتأجيل التفاوض حول القدس إلى المفاوضات النهائية إلى سلسلة من الأخطاء، منها عدم وضع القدس على أولويات السلطة على كل المستويات والأصعدة، وهذا يظهر في أن الموازنة المخصصة للقدس في موازنة السلطة لا تكاد تذكر، وهي موجودة، على الأغلب، بشكل خفي حتى لا تعاقب إسرائيل السلطة على تخصيص موازنات محترمة للقدس.

إن هذا الالتزام الدقيق من السلطة بالاتفاقات لم يقابل بأي التزام مقابل من إسرائيل، إذ ينص "اتفاق أوسلو" على امتناع الطرفين عن القيام بخطوات أحادية قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، بينما قامت إسرائيل بتغيير الواقع كليًا، خصوصًا في القدس، ما كان يعفي السلطة من التزاماتها، لأنه وفقًا للقانون الدولي، فإن قيام طرف بعدم الالتزام بالتزاماته المترتبة على معاهدة سلام أو اتفاق دولي يعفي الطرف الآخر من التزاماته عملًا بميدأ "التبادلية" الذي يحكم الاتفاقات الدولية وغيرها.

كان يمكن وقف المفاوضات منذ البداية بعيد توقيع "اتفاق أوسلو" على خلفية ما قامت به إسرائيل في القدس، حيث كانت المواجهة مفروضة وضرورية حتى تأخذ إسرئيل ردة الفعل الفلسطينية بالحسبان. ولكن لم تتبع القيادة الفلسطينية هذه السياسة، وتجنبت المواجهة في أغلب الأحيان، خصوصًا منذ اغتيال الرئيس ياسر عرفات وتولي محمود عباس سدة الرئاسة وحتى الآن.

لقد جرت ردة فعل معقولة بعد الإعلان عن مخطط لإقامة مستوطنة في جبل "أبو غنيم"، حيث أدى الرفض الفلسطيني إلى ما عُرف بـ "هبة النفق "في العام 1996 التي أدت إلى مواجهة عسكرية مبكرة بين السلطة وقوات الاحتلال خلّفت 62 شهيدًا فلسطينيًا و17 قتيلًا إسرائيليًا. ولو استمرت السلطة على هذا النسق وبنت على مغزى ما حدث، ووفرت متطلبات مواجهة منظمة لما وصلنا إلى ما نحن فيه، خصوصًا في القدس.

بكل أسف، اعتمدت القيادة الفلسطينية مقاربة أخرى مفادها أنه لا داعي للتوقف والتصدي لكل اختراق، وأمام تجاوز إسرائيل لالتزاماتها في "أوسلو"، بذريعة أن ما لا نأخذه بالمفرق في المرحلة الانتقالية نأخذه بالجملة في المرحلة النهائية، التي كان من المفترض أن تنتهي في أيار 1999، وها نحن في تشرين الأول 2016 ولا يعرف أحد متى سنتوصل إلى الاتفاق النهائي.

وبالرغم من ذلك، ومن كل ما يجري، وفي ظل استمرار الشعب الفلسطيني في معركة البقاء في مواجهة السياسات الإسرائيلية التي تستهدف طرد أكبر عدد ممكن من السكان، ومصادرة أوسع مساحة ممكنة من الاراضي، واستخدام ما سمي "عملية سلام"، زورًا وبهتانًا، للتغطية على ما تقوم به إسرائيل من خلق حقائق احتلالية واستيطانية؛ لا تزال أوساط قيادية تراهن على استئناف المفاوضات الثنائية، ولكن هذه المرة برعاية دولية شكلية، وعلى إمكانية توصلها إلى اتفاق لم يكن ممكنًا خلال ثلاثة وعشرين عامًا، ولم يعد ممكنًا الآن أكثر بعدما استطاعت إسرائيل خلْق أمر واقع احتلالي استيطاني عنصري، يجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد الممكن على المدى المنظور إلى حين ينهض الوضع الفلسطيني والعربي مجددًا.

من يريد حلًا آخر غير الذي نصطدم به على أرض الواقع عليه أن يتبنى خيارًا آخر مختلفًا كليًا قادرًا على فتح طريق يستند إلى قناعة بأنك لن تحصد إلا ما زرعته، وأنك لن تحصل بالمفاوضات إلا على ما تستطيع أن تحصل عليه بالفعل. طريق يعمل على جمع أوراق وعناصر والقوة والضغط التي بين يديك، حتى تصل إلى وضع يصبح فيه الاحتلال خاسرًا، وليس احتلالًا مربحًا .. احتلال خمس نجوم.

 

تعدد المرجعيات

ومثال آخر على الأداء الفلسطيني المتخبط والمرتبك في القدس هو تعدد وتضارب المرجعيات، حيث توجد يوجد ثلاث مرجعيات للقدس عند الفلسطينيين: أولًا، مرجعيات تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية: تمثلت بـالمؤتمر الوطني الشعبي للقدس الذي أنشئ في العام 2008، ودائرة شؤون القدس التي تأسست العام 2009، ويقتصر دورهما على عقد المؤتمرات وورش العمل والأنشطة الإعلامية الخاصة بالقدس وقضاياها. ثانياً، مرجعيات تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وهي محافظة القدس التي أنشئت مع قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية، التي من المفترض أن تكون مهامها الحفاظ على الأمن والأخلاق والنظام وتحقيق الأمن، ووزارة شؤون القدس، ومنذ تولي محافظ القدس لمنصب وزير شؤون القدس، ألحقت الوزارة وموظفيها -مكانيًا- بمبنى المحافظة لتنجز مهامها وأعمالها اللوجستية من خلال استخدامها للمكاتب والأجهزة والأدوات المكتبية الخاصة بالمحافظة، على الرغم من الاستقلالية المالية والإدارية المفترضة بين المحافظة والوزارة، الأمر الذي أوجد حالة من التداخل بين المؤسستين. ثالثاً، مرجعيات تابعة للرئاسة وديوان الرئاسة، مثل اللجنة الوطنية العليا للقدس، ووحدة شؤون القدس في ديوان الرئاسة (سابقاً)[6]. وجل هذه المرجعيات عناوين فارغة بلا مضمون.

وبناء على ما تقدم، يتضح لنا وجود فشل في بلورة مرجعية موحدة، حيث تعدد المرجعيات الفلسطينية الرسمية العاملة في القدس، وجاء استحداثها في كثير من الأحيان "لاعتبارات شخصية"، وليس ضمن رؤية واضحة تعكس جدية في التعامل مع القدس وقضاياها[7].

وانعكس تعدد المرجعيات بشكل سلبي على القدس، حيث نشأت أزمة ثقة بين المقدسي والسلطة، كما أدت ناوين إلى إضعاف إستراتيجية الصمود لدى المواطن المقدسي والمؤسسات المقدسية، إضافة إلى القيود السياسية والأمنية التي تحد من قدرة السلطة على التدخل الفعال في شؤون القدس، وافتقارها إلى رؤية واضحة للمدينة المقدسة، وشح الموازنة المخصصة لها.

لا بد من العمل على بلورة مرجعية وطنية موحدة ذات طابع مؤسسي تضطلع بمهمة توحيد الجهود وتنسيقها، وتقسيم الأدوار بين المرجعيات، والدعوة إلى أن تصبح السلطة الوطنية في حل من الاتفاقيات التي تحد من تدخلها في القدس، وأن تبدأ بالتدخل العملي والفعال لإدراج القدس ضمن أولوياتها الوطنية في خطة التنمية الوطنية، وضرورة بلورة إستراتيجية وطنية للقدس تتبنى دعم الصمود والتصدي والتنمية[8].

 

القدس والانتخابات البلدية

أسقطت السلطة القدس (المناطق الخاضعة للقدس في الهيكلية الإسرائيلية) من مخططاتها لإجراء الانتخابات المحلية، فلم تشارك في الانتخابات التي جرت في العامين 2005 و2012، واستدعت محكمة العدل العليا هذه القضية في قرارها بتأجيل الانتخابات المحلية التي كانت مقررة في الثامن من تشرين الأول الجاري[9]، وتجاهلتها عندما نظرت مرة أخرى في الموضوع بتاريخ 3 تشرين الأول الجاري، حينما اكتفت برفض إجراء الانتخابات في غزة[10]، لأن المحاكم القائمة هناك تخضع لسلطة الانقسام، ما يدل على أن القرار يرجع إلى أسباب سياسية وليس قانونية كما جرى تسويقه.

ما يهمنا هنا في هذه الورقة الإشارة إلى ضرورة أن تعمل السلطة على إجراء انتخابات محلية في القدس، بالرغم صعوبة ذلك جرّاء رفض سلطات الاحتلال، ولكن إثارة هذه المسألة بجدية عند إجراء أي انتخابات يذكّر العالم كله بأن القدس محتلة، على أن تقوم السلطة بتشكيل مفوضية لإدارة شؤون القدس بشكل توافقي، يمثل فيها مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، لتقوم بمقام المجلس البلدي إلى حين إمكانية انتخابه.

 

التوصيات

بالرغم من كل ما سبق، وفي الوقت الذي تصورت فيه سلطات الاحتلال أن القدس باتت لقمة سائغة تستطيع التهامها متى شاءت، جاءت الموجة الانتفاضية الأخيرة التي اندلعت في الفاتح من تشرين الأول العام الماضي لتلعب القدس دورًا محوريًا فيها، أسقط الكثير من الآمال التوسعية الإسرائيلية، وأثبت أن القدس ما زالت فلسطينية وعربية وإسلامية ومسيحية، وأنها قادرة على الصمود في وجه العدوان والمخططات الإسرائيلية التي تعتقد أن ما يجري في فلسطين من ضعف وانقسام، وما يجري في العالم العربي من حريق يوفر لها فرصة تاريخية لتحقيق أهدافها التي لم تتحقق، خصوصًا في القدس.

تسمع القدس كثيرًا عن المبادرات والاستثمارات والصناديق العربية والإسلامية والمشاريع الرامية إلى تعزيز صمودها من خلال قرارات القمم العربية والإسلامية والدولية، ومن خلال القرارات والتقارير الدولية. في حين ما يصلها ما هو إلا نزر يسير.

إن مسؤولية معالجة هذا الأمر هي مسؤولية فلسطينية تقع أولًا على عاتق القيادة في المنظمة، والسلطة، وثانيًا على الفصائل، والأفراد، وقوى ومؤسسات المجتمع المدني على اختلاف أنواعها، إضافة إلى القطاع الخاص الذي عليه مسؤولية خاصة تكمن في التعامل مع القدس ليس على أنها مسألة استثمارية ربحية فقط، وإنما أولًا وقبل أي شيء مسؤولية وطنية اجتماعية أخلاقية دينية إسلامية مسيحية مدنية.

يمكن أن يكون العلاج على مستويين: الأول إسعافي عاجل للقضايا التي لا تحتمل التأجيل، مثل الإسكان والصحة وفرص العمل ومكافحة التهويد والأسرلة. وأما على المستوى الأوسع الآخر، فلا بد من الشروع في حوار وطني شامل بهدف بلورة رؤية شاملة للشعب الفلسطيني تعيد وحدة القضية والشعب والأرض، وتستعيد خطاب التحرر الوطني، لا سيما نحن في وضع سيئ لم يعد ينفع الاكتفاء بخطوة هنا أو هناك، أو معالجة خطأ أو سياسة أو إجراء إصلاح في جانب أو آخر فقط.

إن المأزق شامل يحتاج إلى رؤية شاملة تنبثق عنها رؤى خاصة تتعلق بالقدس وغيرها، تتبلور من خلال مراجعة التجارب السابقة، واستخلاص العبر والدروس، والتخلص من الأخطاء، ومعالجة النواقص، والحفاظ على المكاسب ونقاط القوة، والبناء عليها، فليس كل تاريخنا هزائم وأخطاء وخطايا، فهناك إنجازات يمكن البناء عليها، أهمها أن الشعب لا يزال رغم كل ما جرى متمسك بقضيته ومستعد للكفاح والتضحية من أجلها. كما أن نصف الشعب الفلسطيني لا يزال على أرضه ولا تزال القضية حية رغم التراجع، كما تدل المقاومة بكل أشكالها، وخصوصًا المقاطعة السياسية والاقتصادية والأكاديمية، وكل أشكال صمود ونهوض الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وخارجه، وكما يدل قرار اليونسكو الأخير الذي اعتبر الأقصى تراثًا إسلاميًا خالصًا[11]، وكما يدل الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، وغيرها من القرارات التي تعترف وتؤكد أن القضية عادلة ومتفوقة أخلاقيًا، وقابلة للانتصار إذا وجدت المحامي القادر على إنصافها وتجسيدها.

 

 

 

الهوامش

[1] يوسف رفيق جبارين، التخطيط الإسرائيلي في القدس: إستراتيجيات السيطرة والهيمنة، ط1، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، رام الله، 2016، ص 9.

[2] المصدر السابق.

[3] المصدر السابق.

[4] هذه الأرقام صادرة عن معهد الأبحاث التطبيقية – القدس (أريج).
 
http://www.arij.org/services-and-cons/116-new/579-social-media-tools-dev...

[5] أحمد قريع، القـدس عاصمة الدولة الفلسطينية وقلب الصِّراع ... القدس في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، ورقة مقدمة إلى ملتقى القدس الدولي، الرباط، 2009.

[6] نائلة الرازم، المؤسسات والمرجعيات الفلسطينية الرسمية العاملة في القدس ودورها في تعزيز صمود المواطن المقدسي، ورقة مقدمة إلى مؤتمر "إستراتيجيات المقاومة"، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)، البيرة، 2015، ص 281ِ.

[7] المرجع السابق، ص 282 .

[8] المصدر السابق، ص 283.

[9] محكمة العدل العليا تقرر وقف إجراء الانتخابات المحلية، وكالة معا الإخبارية، 8/9/2016. تاريخ الوصول 20/10/2016.
https://maannews.net/Content.aspx?id=866132

[10] العليا تقرر استكمال إجراء الانتخابات في الضفة وإلغاء إجرائها في غزة، وكالة سما الإخبارية، 3/10/2016. تاريخ الوصول 20/10/2016.

 http://samanews.com/ar/index.php?act=post&id=282634

[11] قرار اليونسكو: الأقصى تراث إسلامي خالص، موقع الجزيرة نت، 18/10/2016. تاريخ الوصول 20/10/2016

https://goo.gl/Han9lf