نظمت مجلة «عالم الفكر» الكويتية ندوة في 27 كانون الأول/ديسمبر 2015 الماضي، تحت عنوان: «ثقافة الحوار». ومن الواضح أن المنظمين، كان حافزهم لعقد الندوة، هو ملاحظتهم للتراجع الواضح في مساحة الحوار المتاحة داخل المجتمعات العربية. هذا ، فقد خُصص محورعن إشكاليات الحوار ومعوقاته. ولكن يبدو أن عمق الأزمة الشاملة التي تحيط بنا، تُجبر المشاركين على خلق جو إيجابي موهوم يحاول التقليل من حقيقة حجم الأزمة. ويتم ذلك من خلال آليتين تتكرران في كل اللقاءات الفكرية الخاصة بالقضايا الحيوية المشتبكة بالواقع وتؤثر عليه، مثل: الحرية، والحوار، وحقوق الإنسان. إذ تحاول الآلية الأولى، اثبات أن الفكرة المطروحة موجودة أصلا في الإسلام حتى قبل أن يصل إليها الغرب. وهنا يتم الاستشهاد بنصوص دينية صريحة مباشرة أو مؤولة، وفي هذه الندوة ورد كثير من الاستشهاد بآيات وأحاديث تحض على الحوار. أما الآلية الثانية، فهي وهم من نوع آخر، فنحن نتحدث عن الصورة الذاتية عن أنفسنا التي نتمناها، ولكن نتعامل معها وكأنها متحققة فعلا. فنحن نقدم صورتنا الذاتية كمتسامحين، وكرماء، ومضيافين، ونقبل الآخر؛ ولكن التعصب هو السائد في حياتنا.

يصر الواقع العربي على أن يُخرجنا سريعا من عالم مثالي نتوافق عليه كمهتمين بالشأن العام. ولكن الواقع يصدمنا، ففي نفس توقيت ندوة ثقافة الحوار، تجيئ الأخبار بما يصيب العقل بالشلل.فقد عادت ظاهرة تهمة الرّدة بقوة للساحة العربية، وللمفارقة بعد ما سُمي بـ : «ثورات الربيع العربي»، وملأت الفضاء شعارات الحرية والديموقراطية والكرامة الإنسانية.ومن الواضح أن الغالبية تفصل بين الحريات، وبين الديمقراطية الإجرائية الشكلية والتي تقف عند حدود تكوين الأحزاب، وحق الأغلبية في الحكم. فهي تتحفظ على ضمانة الحريات خاصة حريات المعتقد، والتعبير، باعتبار أنها تفتح الباب أمام الحق في تغيير الدين. وهذا أكبر شرخ في تكامل الموقف الديمقراطي: إمكانية أن يكون المرء «ديمقراطيا» شكلانيا وفي نفس الوقت متحفظا، أو غير متحمس في الدفاع عن الحريات العامة. ونلاحظ أن الحريات المكفولة في أغلب الدساتير العربية مقيدة باستمرار بجملة احترازية، تقول: «على ألا يتناقض ذلك مع القانون».

بعد الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت المنطقة، يتجلى إنكماش الحريات وخضوع المثقفين للإرهاب الفكري. فقد شهدت المحاكم نشاطا محموما من قبل المحافظين، والذي نجح في فرض الصمت على كثير من المثقفين النقديين. ففي خلال عام واحد، تم الحكم على الكاتب الموريتاني (محمد الشيخ ولد امخيطير) بالإعدام بتهمة سب النبي (ص). وفي نفس الفترة، كان قد حُكم على (إسلام البحيري) بخمس سنوات سجنا. ودخل في سراديب المحاكم للاستئنافات ، وكانت النتيجة هي النجاح في تعطيله وايقافه عن التفكير والمجادلة. أما مؤخراً، فقد تم استدعاء المفكر والروائي المصري (يوسف زيدان) للنيابة للتحقيق معه تحت تهمة(ازدراء الأديان) في قضية حسبة. كنت أظنها قديمة لأنها أثيرت قبل سنوات.ولكن هذه المرة، هو متهم بإنكاره في برنامج تلفزيوني لحادثة المعراج رغم تأكيده لامكانية حدوث الإسراء. وهذه التهمة هي في حقيقتها تعني الرّدة باعتبار أنه شك في ثوابت دينه، كما أساء لدينه وهذا معنى الازدراء، فهو في حكم الخارج عن الدين بعد إيمان. وهذه دائما خطورة تهمة الرّدة المنتشرة: لا ينطق بها صاحبها صراحة، بل يقوم المحتسب بتقويل الشخص نيابة عنه. أما القضية الساخنة الآن ، فهي الحكم بإعدام الشاعر (أشرف فياض) الفلسطيني الأصل، السعودي الجنسية. فقد لاحقته جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب ديوان شعر صدر قبل خمس سنوات. وهو مهدد بتنفيذ الحكم في أي لحظة رغم حملات الاحتجاج والدفاع عنه. وقبله كان جلد (رائف بدوي).

بعث تهمة الردّة خلال الفترة الأخيرة، ليس وراءه أي أسباب دينية أو عقدية قوية، بل هي محاولة لتجديد أدوات الاستبداد السياسي، وتزويد النظم القمعية بوسائل إذلال وتخويف أكثر فعالية وتخويفا ضد الجماهير بسبب قدسيتها. وذلك لأن مفهوم الردّة الإيمانية بالذات وليست السياسية، غير متفق عليه ومثار جدل وخلاف. فالحدث الكبير المعروف بحروب الردّة لم يكن لأسباب دينية مباشرة أو مرتبط بالعقيدة. فقد اعتبر بعض المؤرخين الحدث، ردّة أو ارتدادا وعودة للبداوة والقبلية وليس خروجا عن الدين الإسلامي، فالصراع آنذاك كان في رأيهم بين الإسلام والبداوة، وليس بين الإسلام والشرك. فقد ظلت صفة الأعراب مرتبطة بكل ما هو مخالف للإيمان، ووصف الأعراب بأنهم أشد كفرا ونفاقا رغم نطقهم لفظيا بالشهادتين. فقد عمل الدين الجديد على نقلهم من الجاهلية إلى ثقافة جديدة وطريقة حياة لا تقتصر فقط على الإيمان والعبادات، فقد طالت الملبس، والنظافة، والعلاقات الجنسية، والتعايش سلميا. وكان رفض الاقتتال من أهم القيم في التسامح والحوار. وقد جاء في الحديث: «ألا لا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض».فهذا كفر ليس في خروج من الدين.

لم تكن حروب الردّة دينية أو عقدية بسبب الخروج من الإسلام أو ازدرائه. فقد كانت حروب الردّة بسبب امتناع القبائل عن دفع الزكاة للخليفة (أبي بكر)، فقد كانت أغلب القبائل مقتنعة بفكرة أن محمدا (ص) نبي وليس حاكما، كما أنه لم يشر لهم بطاعة أبي بكر. ويبدو أن عملية الانتماء للعقيدة الجديدة لم تكتمل بعد، ولم يتبلور الشعور عند الأعراب أن الدين الجديد سيقدم لهم نفس الحماية والسند الذي تقدمه القبيلة. لذلك لم تتغير النظرة من سيادة قريش عليهم، واعتبروا أبابكر مجرد شيخ قبيلة.لذلك، خاطب مسيلمة بن حبيب (المشهور بالكذاب) بني حذيفة باليمامة: «اريد أن تخبروني بماذا صارت قريش أحق بالنبوة والإمامة منكم، والله ما هم بأكثر منكم أو أنجد، وأن بلادكم لأوسع من بلادهم، وأموالكم أكثر من أموالهم». وحسب مثل هذه الدفوعات، لم يجد أي منطق في دفع الأموال لقريش/أبي بكر. ولا تحتوي مثل هذه المواقف على أي سجال ديني أو عقدي.

لذلك نلاحظ أنه طوال التاريخ الإسلامي، لم يستخدم السلاطين الردّة كتهمة ضد الخصوم لعدم وجود سند ديني لها. وقد ساد مفهوم الزندقة ، في التعامل مع الهرطقات أو الاجتهادات. وحتى وقت قريب لم تكن مفاهيم الردّة والازدراء مستخدمة، ومن الغريب انتشارها في نتحدث منه عن الصحوة الإسلامية. فالعقيدة ليست في حالة خطر، والإسلام ليس مهددا. فلماذا هذا التشنج الديني، وبعث أفكار تكفيرية تسيء إلى الدين أكثر مما تخدمه؟ يرجع ذلك للتوظيف الخبيث للدين في السياسة، والتديين الفائض للسياسة. ونلاحظ أنه في زمن ماض قريب، أصدر المفكر (اسماعيل أحمد أدهم) كتابه الشهير: (لماذا أنا ملحد؟) ولم يحاكم بالردّة. وفي مطلع ستينيات القرن الماضي، أعلن المواطن السوداني (مصطفى حامد الامين) على صفحات الجرائد، خروجه من الإسلام واعتناقه البوذية.وخاطبه رجال الدين بالقول: «الإسلام لن ينقص بخروجك ولن يزيد بدخولك».

أخيرا، ليس للردّة ولا ازدراء الأديان أي أصل ثابت في الكتاب والسنة. وأقصى ما يعتمد عليه أهل الحسبة، هو حديث سنده عكرمة مولى إبن عباس، يقول: «من بدّل دينه فاقتلوه». ولابد للدول الإسلامية جميعها أن تُضمن دساتيرها مادة صريحة تحرّم تهمة الردّة وازدراء الاديان، والاستغلال المجاني للتهمة.

 

٭ كاتب سوداني