عبارات مثل «الانهيار الشامل» و «النفق المظلم» و «الفظائع الوحشية» تلخص حاضر بعض البلدان العربية الذي أعقب تمردات 2011 الشعبية، وهو حاضر يطرح سؤالاً عريضاً حاسماً على النخب المؤهلة فكرياً وعلمياً: ما العمل التحليلي النقدي الضروري المنوط بأهل الفكر في العالم العربي بغاية تقديم تفسير وافر لعوامل انقلاب الأوضاع وبعيد عن الرؤى الاستشراقية القديمة والجديدة، وأيضا عن القراءات الدينية الساذجة أو المغرضة؟

لنُشر في سياق هذا التساؤل الى دراسة جادة ذات طابع تاريخي تضمنها كتاب جورج قرم الجديد الصادر بالفرنسية عن دار «لاديكوفيرت». وغير خاف على المهتم أن هذا المفكر اللبناني معروف ببحوثه عن لبنان وتمزقاته وأوضاع الشرق الأوسط وتاريخه ومثير للاهتمام بمواقفه النقدية وأطروحاته المعاكسة لتيار الرؤى الغربية السائدة. وواضح من صفحات الكتاب الأولى أن باعث الدراسة التي طالت حتى تجاوزت صفحاتها ثلاثمئة وأربعين صفحة، تتضمن أربعة عشر فصلاً ومقدمتين وخاتمة، يلخصه أساسا التساؤل المطروح آنفاً.

يتضمن الكتاب عرضاً بانورامياً لمسيرة الفكر العربي طيلة قرنين من الزمن، أي منذ انطلاقته الأولى مع رفاعة الطهطاوي في القرن التاسع عشر الى اليوم، وتلخيصاً لمحتويات أبرز الكتب لمفكرين علمانيين وقوميين ومصلحين ليبيراليين، وتقريراً لأهم النقاشات الفكرية التي تمثل علامات كبرى لحيوية الفكر العربي وحداتثه. ومما يتعين لفت النظر إليه هو أننا امام محاولة لا سابق لها من حيث تناولها الشمولي للفكر العربي في جوانبه السياسية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية. ويبدو أن مسعى الخبير في القضايا الجيوستراتيجية في المنطقة العربية تمثل في البرهنة المسندة بوقائع على أن وقوع العالم ضحية أشكال الاسلام السياسي التي كانت في السياقات التاريخية السابقة ظواهر هامشية في المجتمعات العربية، ليس مردهما لافتقار العالم العربي إلى الفكر السياسي بل هما راجعين الى دور عوامل جيو - سياسية اجتماعية - اقتصادية مرتبطة فقط بلعبة المصالح، وإلى تأثير خطابات استشراقية جديدة تنزع الى قراءة العالم العربي قراءة دينية مختزلة لهويته في ماهية جوهرانية مغيبة للتاريخ وسياقاته المؤثرة.

ويندرج تكريس الفصل الأول من الدراسة للثقافة العربية وبيان ثراء مكوناتها اللادينية وديناميكيتها التاريخية ضمن استراتيجية فكرية وسياسية تمس إشكالية الهوية، وتهدف الى التمييز الضروري بين الثقافة العربية ذات الوجود السابق على الحدث القرآني والمكونات اللادينية وبين الثقافة الإسلامية، وبالتالي إلى رفض ابتلاع وهمي للأولى وهي الأوسع من طرف الثانية. وانطلاقاً من هذه المقاربة، يرجع المحلل حدوث ردة الفعل المحبطة لآمال التمردات الى ثلاثة عناصر سياسية وأيديولوجية متضامنة ومتفاعلة تاريخياً. فهناك أولاً دور القوى الأميركية والأوروبية وإرادتها في الهيمنة على المنطقة من الناحية الجيوستراتيجية وخدمة هذه السياسة بتهميش الفكر العربي التقدمي والعقلاني على المستوى الأكاديمي والإعلامي بفضل إعادة إنتاج في صيغة استشراقية جديدة للأحكام المسبقة التي روج لها الاستشراق الكلاسيكي وأصبحت روايات مرجعية فيما يخص العرب والإسلام. ونجد ثانياً سياسة «مجلس التعاون الخليجي» وعلى رأسه العربية السعودية وقطر الضالعتان في نشر الأيديولوجية الوهابية بفضل الإمكانات المالية الهائلة وتجنيد شيوخ الدين وبعض المثقفين ممن تغيروا أيديولوجياً في مختلف المؤسسات والقنوات المؤثرة على الشباب. أما الأمر الثالث فيتصل بنشاط المنظمات الإسلاموية التي تعود جذورها الى سياق الحرب الباردة وتجنيد الولايات المتحدة الشباب العربي من أجل محاربة واستنزاف القوات السوفياتية في أفغانستان.

 

 

الكتاب مهم ويستحق القراءة. كما يثير بتحليلاته ومواقفه تساؤلات لدى القارئ الملم بالإشكالية التي يطرحها، وملاحظات تمس ما استخلصه وقرره المفكر نتيجة المفاهيم التي جنّدها في المقاربة والتحليل.