«ولكن ها هو الحرس المدني يتقدّم، زارعاً في طريقه الخراب والحرائق». هذا البيت من الشعر ربما كان هو ما كلّف صاحبه ذات يوم حياته. فالبيت جاء في النشيد الغجري الخامس عشر من مجموعة «رومانثيرو خيتانو» لشاعر إسبانيا الكبير فدريكو غارثيا لوركا. لكنه كان يعتقد حين كتبه إبان الحرب الأهلية، أنه مجرد كلمات يعبّر بها عن رأيه، هو الذي لم يشارك في الحرب الأهلية، ولم تسل من أصابعه نقطة دم واحدة، بل اكتفى بأن تحدّث عن فظاعة الحرب، وعرّج في طريقه على ضروب القسوة التي كان يمارسها رجال الحرس المدني التابعون لفرانكو، فإذا بهؤلاء لا يغفرون له موقفه ذاك. وهكذا، ذات يوم فيما كان كعادته متوجهاً لتمضية الصيف في غرناطة، في شهر آب (أغسطس) 1936، هو المقيم عادة آمناً في مدريد، تمكّن رجال الحرس المدني من التعرّف إليه واعتقلوه. وما إن حلّ يوم 19 من الشهر نفسه، حتى حكموا عليه بالإعدام من دون محكمة أو دفاع بالأحرى، ونفذوا الحكم برميه بالرصاص. وعلى ذلك النحو وضعوا حداً لحياة ونشاط واحد من كبار الشعراء الذين عرفتهم إسبانيا في القرن العشرين.

> والحال أن رجال فرانكو كانوا هم الذين حوّلوا فدريكو غارثيا لوركا، باغتياله على ذلك النحو، الى أسطورة، بحيث أن كثراً اليوم يعتقدون أنه كان بطلاً من أبطال الحرب الأهلية، وأن اغتياله كان لمشاركته مشاركة فعالة فيها، وطبعاً في صفوف الجمهوريين التقدميين والمناضلين اليساريين الذين انتفضوا ضد فاشية فرانكو المتحالف حينها مع هتلر ونازييه. لكن هذا ليس صحيحاً، فلوركا عند استشهاده كان بعيداً من المشاركة في الحرب، بل كان على خلاف فكري عميق مع الحزب الشيوعي الذي عاد وتبنّاه كلياً بعد استشهاده، كما كان على خصومة حادة مع عدد كبير من المثقّفين والمبدعين الذين كانوا يخوضون الحرب، لكن من دون أن يعني هذا أنه كان مناصراً لفرانكو أو للفاشيين في شكل عام. كان الرجل تقدمياً على طريقته، تقدمياً في شعره وأدبه كما في كتاباته المسرحية العظيمة. أما بالنسبة الى المجموعة الشعرية المعروفة بـ «الأناشيد الغجرية» أو «رومانثيرو خيتانو» التي ذكرناها أول هذا الكلام، وكانت سنوات عديدة قد مرّت منذ صدورها، فهي مجموعة للوركا صدرت للمرة الأولى في العام 1928، وتضمّ من قصائده السابقة ثماني عشرة قصيدة تنتمي الى الأسلوب الذي ساد لدى شعراء ما يسمى بـ «جيل 27»، وهو – في شيء من الاختصار – أسلوب يحاول الجمع بين ما يمكن اعتباره القصيدة المثقفة والشعر الشعبي. أما بالنسبة الى لوركا، فإنه يسعى في هذا التضافر الى العودة الى ما يمكن اعتباره بدايات الشعر الشعبي الإسباني، بل الأندلسي تحديداً، كما ساد خلال القرن الخامس عشر، من ناحيتي الشكل والمضمون، في استلهام مباشر من أغاني التروبادور.

ومن ناحية الشكل، تتميز القصائد هنا بتكوّنها من ثمانية مقاطع، وبكون الشطر الثاني فقط يحمل قافية تتطابق مع قافية البيوت الشعرية جميعها. ولقد صرّح لوركا مراراً وتكراراً منذ صدور هذه المجموعة، بأنه إنما أراد فيها أن يعيد الى الحياة ذلك الشعر الغجري – الأندلسي المغتذي منذ أقدم العصور بالثقافة الغجرية التي تسعى في أقوى تجلياتها، الى التعبير عن «معاناة شعب يعيش على هوامش المجتمع»، أي عن المهمّشين الذين يمضون حياتهم «تحت وطأة القمع الذي لا ينفك يمارسه عليهم ممثلو السلطة وزبانيّتها». وبالتالي، كان واضحاً هنا أن قصائد «رومانثيرو خيتانو» تتجاوز، ومن بعيد، الإطار الغجري لتحاول أن تطل بقوة وعزم على مآسي البائسين جميعاً من أبناء الشعب. أولئك الذين لن يلبثوا بعد حين من صدور المجموعة أن بدأوا ينتفضون. وبالتالي، كان من الطبيعي للسلطات الفاشية، ما إن استتبت لها السلطة، أن تنظر بعين الحذر ثم الغضب، الى لوركا وشعره، من دون أن تعبأ بخلافاته الأيديولوجية، أو حتى الشخصية مع مناوئيها الآخرين. فبالنسبة الى السلطات، لم يكن ليسهى عن انتباهها ما في شعر لوركا – معبَّراً عنه بتلك القصائد – من رمزية تبدو أحياناً مضمرة، لكن في أحيان كثيرة فاقعة: فالقمر واللون الأخضر، مثلاً، ووفق دارسي شعر لوركا، يرمزان الى الموت، فيما الماء والحصان يرمزان الى الحرية والانطلاق. أما المشكلة الأكبر هنا، في نظر الرقيب، فكانت تكمن تحديداً في بساطة اللغة وجزالة الإيقاعات التي كتبت بها القصائد، بعيداً من الأساليب النخبوية، ما يجعل أشعار «رومانثيرو خيتانو»، في متناول البسطاء في كل لحظة وحين، كما حال الأغاني الشعبية. كان الخطر هنا، بساطة هذا الشعر وتعبيريته، ما من شأنه أن يفسر لنا تكالب السلطات الشرس ضد صاحبه، وربما كذلك إعدامه اللاحق على الشكل الذي أثار الكثير من التساؤلات وربما الدهشة. ولعلّ في إمكاننا هنا أن نقول إن الدهشة إنما أصابت فقط أولئك الذين لم يكونوا شديدي التعمق في شعر لوركا... الذين كانوا أقل تعمقاً من السلطات القمعية في دلالات ذلك الشعر ورمزيته وخطورته!

بيد أن هذا لم يكن العنصر الأساسي في حياة لوركا. العنصر الأساسي هو كونه شاعراً شفافاً وحاداً في الوقت نفسه، وكاتباً مسرحياً من طبقة الكبار. وحتى اليوم، لا تزال مسرحياته مثل «عرس الدم» و «بيت برناردا ألبا» و «يرما»، تسحر المتفرجين وتشكّل جزءاً من ريبرتوار المسرح العالمي. ولوركا حين اغتيل، كان في السابعة والثلاثين من عمره، فهو وُلد في بلدة نوينتيغا كويروس في الأندلس قرب غرناطة في 1899. وهناك أمضى سنوات حياته الأولى في أوساط الشعب ملتصقاً بالأرض، وظلّ طوال حياته معبراً عن التصاقه بشعب الريف وأرضه، مستوحياً معظم ما كتبه من ذلك الاحتكاك. وهذا على رغم انتمائه الى أسرة ثرية، ما مكّنه من تلقّي دروس ثانوية راقية ثم الانتساب الى جامعة غرناطة حيث درس الأدب والحقوق ثم تعرف بالموسيقي الكبير مانويل دي فاليا، الذي زاد من حبه للفولكلور وولعه به. وتحت تأثير دي فاليا كتب ونشر، وهو بعد في الثامنة عشرة، مجموعته الأولى «انطباعات ومشاهد». ولقد قاده نجاح تلك المجموعة الى اتخاذ قراره بالانتقال الى مدريد.

حين وصل لوركا الى العاصمة، كان في العشرين من عمره، وهناك ارتبط بكل تلك الصداقات التي أحدثت انعطافة أساسية في حياته: مع سلفادور دالي ولويس بونيال وآخرين. وراح يهتمّ بالسينما والرسم والموسيقى الى جانب الشعر. وقاده هذا كله الى المسرح فأولع به، أولع به الى درجة أنه عمد لاحقاً الى إقامة مسرح للدمى في دارة أهله، راح يكتب له النصوص التي كان دي فاليا يضع لها الموسيقى. وبالنسبة الى الشعر، واصل لوركا كتابته وأصدر في 1921 «كتاب الشعر» الذي لفت إليه الأنظار حقاً، غير أن الشهرة الحقيقية لم تأته إلا في 1927، حين نشر في ملقا مجموعته «أغنيات». وهنا، هذه المرة، أيقن الإسبان أنهم أمام شاعر كبير، بخاصة أن مسرحيته الكبيرة الأولى «ماريانا بينيدا» عرضت في ذلك العام نفسه وحققت شهرة ونجاحاً كبيرين، ثم إن نشره مجموعته الشعرية الكبرى «أناشيد غجرية» (الرومانثيرو) في العام التالي رسّخ مكانته، فبات يعتبر أحد أكبر شعراء إسبانيا المعاصرين. وتجاوزت شهرته الحدود وبدأ شعره يترجم، فدعي الى الولايات المتحدة حيث ألقى مجموعة محاضرات، وعاد من هناك بواحد من أجمل كتبه «شاعر في نيويورك»، كما أن مروره بكوبا، في طريق عودته، رسّخ علاقته بالموسيقى والفولكلور، وهكذا حين عاد، عُيّن مديراً لمسرح «لاباراكا» الجوال، فأخذ يدور بين المدن والقرى ويجمع الفولكلور الإسباني ويقدم كلاسيكيات مسرح إسبانيا. وهذه الذخيرة كانت هي التي مكّنته، خلال الأعوام الأخيرة من حياته، من تكريس وقته للكتابة والمسرح، فأخذ يكتب مسرحية بعد الأخرى: «عرس الدم» (1933) ثم «يرما» (1934) و «روزيتا العزباء» (1935)، ثم «بيت برناردا ألبا» التي أنجزها قبل شهر واحد من مصرعه. أما آخر جولاته فكانت في أميركا اللاتينية خلال العامين الأخيرين من حياته، وهي جولة عاد منها بمشاريع وأفكار، أتى إعدامه ليلقي بها في وهدة النسيان.