(1)

■ بعد انقضاء عقدين من الزمن على دورته الاخيرة، سعينا جاهدين، بل ناضلنا بإصرار ان يتم انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني بعد التحضير الجاد لأعماله، على يد لجنة تفعيل وتطوير م. ت. ف، التي تضم المستوى القيادي الاول لقوى الحركة الفلسطينية الرسمية والحزبية والمستقلة.

وفي هذا، كما هو حال الشعب الفلسطيني في كل مكان، كان هاجسنا وطموحنا ان تشكل الدورة الجديدة محطة فاصلة تنهي الانقسام، ومحطة تُستعاد من خلالها الوحدة الداخلية، وتقطع الطريق على السياسات الانفصالية التي يتم التحضير لها؛ محطة تُنتج البرنامج الموحِّد للقوى، لتجدد الحركة الوطنية انطلاقتها وتواصل مسيرتها على طريق العودة الى الديار، ومن اجل الدولة المستقلة بالقدس عاصمة.

لقد نجحنا في ان نتصدى لما شهدناه من اصرار غير مفهوم وغير مبرر على رفض دعوة لجنة تفعيل وتطوير م. ت. ف، على الرغم من النداءات المتكررة، الضاغطة والملحة لمعظم القوى السياسية. كما رفضنا التحضيرات المتعجلة وغير الكافية لأعمال الدورة الجديدة للمجلس وافشلنا محاولات تمرير الدعوة لتفعيل المادة 14/ج من النظام الاساسي لمنظمة التحرير على غير مقصدها.

مارسنا هذه السياسة حرصا منا على صون وتجديد واستمرار الشرعية القانونية للمؤسسة الام: م.ت.ف، مع ادراكنا – اسوة بغيرنا من القوى – بان هذه الشرعية وحدها ستكون معرضة للتاكل، مالم نسارع لاستكمالها بالشرعية التمثيلية من خلال الاحتكام الى صندوق الاقتراع وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، او بالشرعية التوافقية المتاتية من وحدة داخلية بقيادة جبهوية محصّنة ببرنامج مشترك.

هدفنا من هذا التحرك، ضد الدعوات المستعجلة، والفاقدة للتحضير الكافي، هو انعقاد مجلس وطني بنصاب سياسي كامل ولا تغيب عنه قوى موصوفة بدورها الكفاحي ضد الاحتلال، قوى سياسية ذات حيثية شعبية وازنة بلا منازع.

وناضلنا، ايضا، لعقد دورة جديدة للمجلس الوطني تخرج بأفضل النتائج الممكنة لتصويب الخط السياسي المطبق عمليا، وتفعيل وتحسين اداء مؤسسات م.ت.ف، وبث الحياة من جديد في المؤسسات الغائبة او المغيّبة.

كما اردناه مجلسا من اجل الخروج بقرارات واضحة للتقدم على طريق استعادة الوحدة الداخلية المفقودة.

من هنا، وبعد ان توافقنا على التأجيل ندعو لعقد (فورا) دورة عمل كافية للجنة تفعيل وتطوير م.ت.ف. لا ترفع اعمالها الا بعد اقرار الخطوات والاجراءات الضرورية لإنهاء الانقسام، وانهاء كل الصيغ القائمة خارج هيئات م.ت.ف ومؤسساتها. والتحضير للدورة القادمة للمجلس الوطني باعتبارها اخر دورة له بالتشكيل القائم، وان يعاد تشكيله من خلال انتخاب عضويته بنظام التمثيل النسبي الكامل، حيث امكن اجراء انتخابات، وبالتوافق الوطني حيث يتعذر ذلك، على ان يعقد المجلس الجديد اجتماعه كمجلس وحدة وطنية حتى موعد اقصاه منتصف العام القادم. لا قيمة للتأجيل اذا لم يتم التحضير الكافي والجيد للدورة الجديدة للمجلس، والا اعتبر التأجيل مجرد خطوة معدومة الاثر تندرج في اطار المناورات التي احبطناها في الدعوة المتعجلة لانعقاد المجلس.

■■■

 

 

(2)

 

 

ماذا نريد من الدورة القادمة للمجلس الوطني ؟

 

■ في الخط السياسي ندعو الى مغادرة اي رهان على استئناف المفاوضات الثنائية بعد ان تبيّن، منذ زمن، وبالتجربة المرة كم هو عقيم الرهان عليها، وفي السياق الرهان على مشاريع قرارات دولية لاستئناف هذه المفاوضات بشروط هابطة.

هذا الاصرار على استئناف المفاوضات الثنائية لا يتجاهل وحسب موقف الحكومة، لا بل الحكومات الاسرائيلية الرافض بقوة كل ما يتصل بعملية سياسية ذات مغزى، بل ينم ايضا عن عدم توفر قناعة حقيقية بما ترتب ويترتب على التطور المفصلي الذي احدثه قرار الجمعية العامة للامم المتحدة الرقم 19/67.

■ القرار 19/67 الذي، الى تاكيده على «حل مشكلة اللاجئين على نحو عادل وفقا للقرار 194»، جعل من فلسطين دولة مستقلة «على الارض الفلسطينية المحتلة منذ عام 67»، وحوّلها الى الدولة الرقم 194 في الامم المتحدة؛

هذا القرار اخرج انجاز الحقوق الوطنية في الدولة والعودة من اسار المفاوضات الثنائية بشروطها المجحفة وبالرعاية المتحيّزة لواشنطن، الى رحاب الساحة الدولية بمظلة الامم المتحدة، ما يفتح الباب على مصراعيه امام تدويل قضيتنا الوطنية بكل مفاعيلها الضاغطة على دولة الاحتلال.

وكما وجد اتفاق اوسلو اليته في المفاوضات الثنائية التي حجزت ومازالت على الحقوق الوطنية، يجد القرار 19/67 اليته في تدويل القضية التي تفرج عن هذه الحقوق بعد ان تطلقها في فضائها الاممي.

وغني عن القول ان الضغوط المتعاظمة على الاحتلال المتأتية من تدويل القضية الوطنية لن تؤتي ثمارها على النحو المطلوب، مالم تترافق – على خلفية توفير شروط صمود المجتمع الفلسطيني – مع تسخين الارض بالمقاومة الشعبية وصولا الى العصيان الوطني، ومالم نتحصَّن بوحدة وطنية تستظل بها وحدة العمل في الميدان التي تُغنى والحال هكذا، بوحدة التوجه والمهام.

هذه هي شروط المعادلة التراكمية التي تعجل برحيل الاحتلال واقتلاع مستوطناته، وليس الكلام المجاني عن تبادل الاراضي(!)، والقدس عاصمة لدولتين(!)، والحل المتفق عليه(!) لقضية اللاجئين، او الاكتفاء بشعار رفع علم فلسطين فوق قبة الصخرة وكنيسة القيامة واسوار القدس، في معرض رسم عناوين جدول اعمال المفاوضات الثنائية التي لا تأتي.

لقد عبّرت الدورة 27 للمجلس المركزي (اذار/ مارس 2015) برهافة عن هذه الوجهة في بيانها الختامي الذي قطع بانسداد الافق السياسي امام المفاوضات، وقرر المضي قدما بتدويل القضية، ووقف التنسيق الامني بكافة اشكاله ومقاطعة المنتجات الاسرائيلية في اطار التحلل من املاءات رئيسية نصت عليها اتفاقيات اوسلو.

والان نلاحظ بان معظم هذه القرارات، لا سيما ما يتصل بالجانبين الامني والاقتصادي مازالت حبرا على ورق، فيصبح المطلوب من المجلس الوطني التاكيد على تنفيذ هذه القرارات، لا بل توسيع نطاقها لجهة اعادة النظر ببروتوكول باريس الاقتصادي، وصولا الى الغاء الاعتراف بالتقسيم التعسفي للمناطق في الضفة الفلسطينية على قاعدة ا، ب وج، الذي يضمن مسبقا استيلاء الاحتلال على القسم الاكبر عن ارضنا.

ان العمل على التطبيق الدقيق لقرارات المجلس المركزي مع التطويرات الانف ذكرها، تنقلنا من خانة مواجهة التعبيرات الاكثر فجاجة واستفزازا واذلالا لاتفاقيات اوسلو الى مواجهة اتفاقيات اوسلو بمجملها، لجهة مطالبة المجلس الوطني باتخاذ قرار بوقف العمل بهذه الاتفاقيات واعلان انتهاء المرحلة الانتقالية مترافقة مع اعلان بسط سيادة دولة فلسطين على كامل اراضيها المحتلة بعدوان 67، والغاء اعتراف م.ت.ف بدولة اسرائيل.

 

(3)

 

انعقاد المجلس الوطني فرصة لا يجب ان تفوَّت من اجل التوصل الى صيغة وطنية متفق عليها لتجديد شرعية هيئات م.ت.ف وضخ دماء جديدة فيها وفي هذا الاطار ندعو الى:

1– اعادة الحياة للجان المجلس الوطني التي طواها النسيان، وتشكيل مجلس ادارة للصندوق القومي كما ينص على ذلك النظام الاساس لـ م.ت.ف (المادة 24) وبرئيس مستقل تبعا للعرف السائد، وكذلك تشكيل لجنة رقابة مالية من المجلس الوطني على اعمال الصندوق القومي الفلسطيني وصندوق الاستثمار الفلسطيني.

2- انتخاب اللجنة التنفيذية، واعتماد اسس تشكيل المجلس المركزي وتكليفه بتوسيع عضويته من المستقلين في اول اجتماع له.

3- مساندة مؤسسات القدس وتوحيدها تحت سقف مرجعية واحدة ورصد الموازنات اللازمة.

4- ايجاد الية للمراقبة على السلطة الفلسطينية وعمل قياداتها وحكوماتها ومؤسساتها كلها، مدنية وغير مدنية، بتشكيل هيئة مشتركة بين اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني (ومن بين اعضاء التشريعي من عضويته بالتحديد) لوقف الانفراد، وللرقابة الملزمة على تنفيذ القرارات الصادرة عن المجلس الوطني كما والمجلسين المركزي والتشريعي (في حال بقاء الاخير).

من الاهمية بمكان اعادة الاعتبار لهذه المؤسسات، بحيث تكون هيئات مقررة، ذات قرارات ملزمة، ونافذة، لها اليات محددة ترسم لها دورات اجتماعاتها، وصلاحياتها، وسلطاتها، وليست مجرد هيئات، تدعى عند الحاجة، ولا يؤخذ احيانا حتى برايها الاستشاري.

وفي هذا المجال ندعو الى التعاطي مع اللجنة التنفيذية – عمليا وليس لفظيا وحسب – كقيادة لعموم شعبنا الفلسطيني، ذات صلاحيات وقرارات ملزمة ونافذة. كما ندعو للتعاطي مع المجلس المركزي باعتباره الهيئة التي تنوب عن المجلس الوطني في دوراته العادية، وباعتباره ايضا صاحب صلاحيات وقرارات ملزمة ونافذة.

 

 (4)

 

في اطار مراجعتنا لتجربتنا الوطنية لا بد من التوقف امام الوضع في قطاع غزة، وتحديدا امام المشاورات غير المباشرة بين حماس وسلطات الاحتلال لنقول التالي:

هذه المشاورات وخلافا لما قيل لا تشكل امتدادا للمفاوضات غير المباشرة للوفد الفلسطيني الموحد في اعقاب عدوان «الجرف الصامد»، بل نراه شكلا خطيرا من اشكال الاستفراد بالمصير الوطني للقطاع، لذلك ندعو الى وقف هذه المشاورات فورا، والعودة الى الصيغة الوطنية البديلة ممثلة بالوفد الفلسطيني الموحد، وعبر هذا الوفد، ومن خلال الرعاية المصرية، يفترض الوصول الى التفاهمات الضرورية، ان حول التهدئة وزمانها، وفك الحصار واجراءاته بما في ذلك اعادة تاهيل مطار غزة وانشاء مرفاها، واعادة اعمار ما دمره عدوان «الجرف الصامد».

ان اية نتائج قد تسفر عنها المشاورات المنفردة، ستلحق ضررا بالغا بالمشروع الوطني الفلسطيني، وستشكل خطرا داهما على مستقبل القطاع، وعلى علاقته بالضفة الفلسطينية.

ومن هنا ايضا حرصنا على ضرورة استئناف الحوار الوطني، لاستعادة الوحدة الداخلية وتكريس مبدا الشراكة الوطنية في صياغة القرار الوطني.

 

(5)

 

تدخل نكبة اهلنا في سوريا عامها الخامس، وهي تزداد تعقيدا خاصة بعد موجات الهجرة الجماعية التي باتت تهدد تماسك ومستقبل الكتلة السكانية الفلسطينية في القطر. ولا نضيف جديدا اذا ما اشرنا الى اجواء عدم الرضى بل والسخط التي تسود صفوف اهلنا في سوريا جراء احساسهم بان م.ت.ف لم تقم بواجبها الضروري في معالجة قضاياهم، ولم تستجب لسلسلة نداءاتهم في تشكيل خلية ازمة لمتابعة اوضاعهم في اطار اللجنة التنفيذية بالتعاون الوثيق مع دائرة شئون اللاجئين. اننا على ثقة بان مجلسنا الوطني ان يولي قضية اهلنا اللاجئين في سوريا الاهتمام اللازم من خلال اعتماد وتاكيد مايلي:

1– توحيد السياسة الفلسطينية من الازمة السورية بالتاكيد على تحييد الحالة الفلسطينية، وتحييد مخيماتنا، وعدم الزج بها في الصراع الجاري، وضمان خلوها من السلاح والمسلحين، وبقاءها مناطق امن واستقرار لسكانها.

2- الوقوف الى جانب وحدة سوريا ووحدة ارضها وشعبها، ورفض سياسات التدخل في شؤونها، والدعوة الى حل سياسي لازمتها.

3- توفير كل مستلزمات الدعم والصمود لأهلنا في سوريا من اغاثة ومأوى ومصادر رزق بديلة لمن فقدوا مصادر رزقهم واملاكهم.

4- توفير الدعم للصامدين في مخيم اليرموك وغيره من المخيمات المنكوبة. والتحرك في مُختلف الاتجاهات لإخراج المسلحين من اليرموك وغيره من المخيمات واعادة سكانها اليها، والبحث في السبل الكفيلة بإعادة اعمار ما هدمته الحروب والمعارك، بما يضمن عودة الاستقرار لأهلنا.

5- التحرك نحو الجهات المعنية لمعالجة قضية الموقوفين والمفقودين من ابناء شعبنا.

وفي لبنان ايضا لا تقل مأساة اهلنا اللاجئين شدة عن مأساة اهلنا في سوريا، خاصة في ظل السياسات التمييزية ذات النكهة العنصرية التي مازالت الحكومات اللبنانية المتعاقبة تتبعها ضدهم في تعنتها ورفضها الاعتراف بحقوقهم الانسانية والاجتماعية.

كذلك مازالت قضية اعمار مخيم نهر البارد مفتوحة على مصراعيها، ويبقى مخيم عين الحلوة جرحا نازفا في الجسم الفلسطيني في لبنان، ما يستوجب لأهميته اليقظة الفلسطينية سياسيا وعسكريا بالتعاون مع الجهات الرسمية في لبنان لمحاصرة المؤامرة ذات البعد الاقليمي الهادفة الى زج وتوريط العامل الفلسطيني في المعركة الدائرة رحاها في اكثر من بلد على امتداد الاقليم.

ولا يصح ان نغلق ملف اللاجئين من ابناء شعبنا دون التوقف امام الاوضاع الاخيرة التي طرات على وكالة الغوث وعلى اوضاعها المالية، ما هدد بوقف او تقليص موازناتها الى ابعد حدود في شتى المجالات.

اننا نرى بان اي مساس بوضع الاونروا، خاصة وقف او تقليص تمويلها، يعد مساسا خطيرا بالاحتياجات المعيشية للاجئين من جهة، وبحق العودة من جهة اخرى، لذلك نحن مدعوون لبحث هذه القضية ولاتخاذ من القرارات والتوجهات ما يضمن للاجئين حقوقهم الانسانية والاجتماعية والسياسية والوطنية، وفي مقدمها حقهم في العيش الكريم والامن والمستقر الى ان يبزع فجر العودة الى الديار.

 

(6)

 

يعيش العالم من حولنا، وعلى امتداد الاقليم، متغيرات عاصفة، ستكون لها انعكاساتها الواضحة على مستقبل الكيانات والشعوب، وفي سياقها ستتعزز قيم وتقاليد الحرية والمساواة، والديمقراطية والكرامة الوطنية والحق في العيش الكريم بعيدا عن كل اشكال الاستغلال والاستبداد والظلم والكراهية.

وشعبنا الفلسطيني في مقدمة هذه الشعوب التي من حقها التمتع باستقلالها وحريتها وان يكون لها كيانها الوطني المستقل كامل السيادة، وان يتحقق للاجئين من ابنائه حقهم في العودة الى الديار.

ومهما بلغ تعنت العدو مبلغه، فان لا خيار امام شعبنا وحركته الوطنية سوى مواصلة الكفاح الى ان تتحقق اهدافه الوطنية.

ولنعمل معا على التحضير لدورة «جديدة» للمجلس الوطني الفلسطيني تأخذ القرارات والتوجهات الضرورية لاستعادة الوحدة الداخلية وبناء الوحدة الوطنية على اساس من الشراكة الوطنية المسؤولة، وتعزيز صمود شعبنا وقدرته على مواصلة النضال في مواجهة الاحتلال جيشا ودولة ومستوطنين■