عودة ثقافة عربي أدبية النص القصصي العربي وجماليته

أدبية النص القصصي العربي وجماليته

أدبية النص القصصي العربي وجماليته

لقد عرفت القصة العربية المعاصرة أشكال التحديث والتجديد الفني وساهمت في تحقيق طفرات جديدة لمستويات التعبير الجمالي والتقني، سواء بالنسبة للرؤى والتصورات الجديدة والمغايرة التي ينبغي أن يستند إليها الفن القصصي الجديد.
ولما كانت القصة العربية الحداثية التجريبية تكتتر في جوهرها أصول معرفية لا تعرف الجمود ولا الركود، لأنها قادرة على التجديد والتطور والاستمرار والفاعلية في الساحة الأدبية.
وقد أخذ الإبداع القصصي العربي مكانته المرموقة كتعبير أدبي انفتح على آفاق وأعماق وأبعاد غاية في الحداثة، فاقتحم الساحة الواسعة للحياة بكل مكوناتها السياسية والاجتماعية، فعمر النتاج القصصي المعاصر صفحات الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية والدوريات الشهرية.
ربما يكون من الأنسب، قبل الحديث المباشر عن التجربة القصصية العربية، التمهيد لها بكلمة موجزة تبين الخطوط العامة للإبداع القصصي العربي، الذي يشهد اندفاعة جديدة تمثلت في تجربة فنية معاصرة، تستند إلى أجواء إشراقية عرفانية، فتمة مكابدة روحية تمتص محاولاتها الحسية والمعنوية، ثم تعيد إنتاجها في النص القصصي عبر عملية الكشف والتخفي التي تقوم بها العملية السردية على طريق تجربتها الروحية في دمج الواقعي بالتخيلي بالاستبطاني الرؤيوي.
ومن هذا المنطلق، فإن المنجز القصصي العربي يستحق اهتماما نقديا متواصلا، ومعمقا، لأن هذا المعطى الإبداعي متميز ومثير الأسئلة، بعد أن نقل اهتمامه من المدلول إلى الدال السردي، الأمر الذي مكنه من تأسيس خطاب قصصي جديد، شهد تحولات مهمة على مستوى البناء الفكري والتشكيلي الفني والرؤى الجمالية.
وقد لا تفي هذه الدراسة بتحديد ملامح تلك التجربة على مستوى العناصر الفنية والتعبيرية، أو على مستوى الرؤية السردية، واللغة السردية التي شكلت أدبية النص القصصي العربي، بل تحاول هذه الدراسة الوصول إلى الدلالات الوظيفية التي أدتها بنية السرد الحكائي وعوالمه القاسية.
وغني عن البيان، أن تحليل النص القصصي تحليلا حقيقا، موضوعيا، يقتضي الاهتمام بمستوياته الأساسية، وأهمها الإظهار اللغوي، الذي يعتبر المسؤول الحقيقي عن أدبية النص القصصي وجماليته، لأنه من جهة يشكل المعطى المادي الإبداعي الوحيد الذي يجسد في الوقت نفسه البنية الأولية للدلالة والبرامج السردية.
وإنه لمن الضروري بمكان، الإشارة إلى أن القصة القصيرة المعاصرة، لم تعد مرآة تعكس الواقع الاجتماعي، تنسخه وتسجله، صحيح إنها كتابة أدبية تنطلق من الواقع اليومي المعاش، إلا أنها سرعان ما تحلق عاليا نحو فضاءات الرمز والإيحاء والخيال، والغرابة والعجائيسة، فالتفاصيل اليومية مادة الأساس، لكنها لا تكفي بالنسخ والتسجيل، وإنما تقوم بالنبش في أعماق مسالك أخرى، لإنقاص ذلك الغريب في واقعنا ووجودنا، ومسائلة انشغالنا الذهني والاجتماعي.
ولا يغيب عن البال، إن بناء النص القصصي الجديد، على الوقائع الملموسة التي تصنع الحياة، قد يكسب ذلك التجسيد الواقعي والتخيلي مزيدا من الخصب والثراء الفني والغنى والجمالي، فتسمو هذه الرؤى بالنص من الناحية التعبيرية التي تخدم عملية توليد طاقة جديدة داخل تشكيلة النص، تستمد حرارتها من رؤى جمالية من الوجهة التي تتلائم فيها مع الهموم الجماعية.
ويحلو لنا في هذا السياق، أن نتريث عند ربط التجديد القصصي الذي هو من السمات المميزة للجنس البشري، الذي يرفض الأشياء الساكنة الجامدة الثابتة، وبالتالي فإن السرد القصصي العربي الراهن، منفتح على متون نصية غائية تحل فيه بالقوة لتخصيب معانيه وتزيد من قوة الصراع الدلالة الفكرية داخله، بالإضافة إلى ذلك، فهو إبداع تجريبي قد انفتح على فضاءات متخيلة غير مألوفة والتوجه نحو إنشاء خطاب سردي متعال، جماليته في المزج بين السرود اللغوية والإيقاع الأسلوبي المتشظي، بدلا من السرد المتماسك، وإلى تعدد زوايا النظر، بدلا من وحدة المنظور، إلى التباس المتخيل بالواقع من خلال اللجوء إلى تقنية السرد داخل السرد، وإلى النص المفتوح بدلا من النص المغلق.
وعلى هذا الأساس، فإن التطور الذي لحق بالإبداع القصصي العربي، لم يكن أكيد الارتباط بالأحداث والتحولات التاريخية والثقافية، والمستجدات الفكرية، على الرغم مما سيطرأ من صميم التفاعل والترابط الجدلي بين الواقع والنص، لهذا، فلم يكن ينتظر أن تبرز ملامح التجديد الفني والتحديث الشكلي، أو تحديد خاتمة تلحق بالمعمار النصي أو مدار الكتابة القصصية، وعلى الرغم من التفاوت في طبيعة رؤيا النصوص القصصية المعاصرة، فإن قاسما مشتركا يحدد ملامحها ويؤطرها داخل رغبة جامحة، هدفها تشكيل حالة حضارية وفكرية تبدد سائب الظلام وتكسر قيود الجمود الثقافي والركود الفكري.
والحق أن الكتابة القصصية ظاهرة موضوعية، مهما أمعن كاتبها في الذاتية، وهذه القصص تستمد موضوعيتها من قدرتها على التسلل داخل المخبوء والمكنون في النفس وسط هيجان الناس وازدحامهم في العالم، وتبعثرهم في الحالات البسيطة والمعقدة.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
أهلاً و سهلاً بك معنا في مجلة الحرية

اسمك *
البريد الالكتروني *
المدينة
المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف