المؤلف والمؤلف الضمني:

في الصفحة الثالثة من رواية «ساق البامبو» الفائزة ببوكر للرواية العربية، لهذا العام، نقرأ العنوان أعلى الصفحة، واسم المؤلف سعود السنعوسي في وسطها، وفي الصفحة السابعة نقرأ في أعلى الصفحة اسم المؤلف الضمني للرواية باللغتين العربية والإنكليزية (هوزيه ميندوزا) (JOSE MENDOZA) وفي وسطها العنوان (ساق البامبو) و(ANG TANGKAY NG KAWAYAN) وأسفل منه اسم المترجم إبراهيم سلام واسم مراجع النص ومدققه خولة راشد. وأما في الصفحة التاسعة فتعريف بالمترجم وفي الصفحتين 11 و12 فكلمة المترجم، يلي هذا كله الإهداء، والأسماء المهدى النص إليها هي شخصيات حقيقية في الرواية. كم من المؤلف يوجد في المؤلف الضمني؟ وهل هوزيه / عيسى مختلف عن سعود كلياً، أم أن ثمة ما هو مشترك بينهما في جوانب محددة؟

من المؤكد أن إجراء موازنة بين سعود وهوزيه / عيسى، تقول لنا إن ثمة اختلافاً كبيراً بينهما، بل وإن المتشابه بينهما يكاد لا يذكر قياساً للمختلف.

وأنا أقرأ في ص332 تساءلت: كم من المؤلف الحقيقي في المؤلف الضمني: هوزيه؟ وربما ما دفعني لهذا السؤال هو قراءتي إحدى المقابلات مع سعود، حيث أشار إلى أنه عمل مع الفلبينيين في الكويت وأصغى إليهم.

يأتي هوزيه على عمله في المطعم، ويظهر شكل العلاقة بين الزبائن الكويتيين والعمال الفلبينيين والهنود. إنها علاقة تعال واحتقار. تعالي الزبائن على العمال لسببٍ تافه بسيط، ويترتب على هذا انتقام العمال من الزبائن باللجوء إلى الغشّ والاحتيال، وهكذا يردّد هوزيه عبارته «أوغاد ينتقمون من أوغاد» (ص333).

إن إتيان هوزيه على صورة الكويتيين وعلى تمجيد المقاومة الكويتية إبّان احتلال العراق للكويت، ما هو في النهاية إلاّ رأي سعود نفسه. وما النقد الذي يظهره هوزيه للكويتيين إلاّ نقد سعود، أيضاً. وهذا النقد يبدو في صفحات عديدة من الرواية، وفي مواضع كثيرة، أيضاً، ولعلّ أبرزها الصفحات 346/347/348/349. لا يتعالى الكويتيون على الأجانب وحسب، إن بعض العائلات تتعالى على العائلات الأقلّ مكانة منها. وكما ترفض ماما غنيمة حفيدها هوزيه / عيسى لأنه ابن خادمة من الفلبينيين، فإنها ترفض أن تزوج ابنتها هند من غسان صديق ابنها راشد لأنه من «البدون» ـ أي من كويتيين يقيمون في الكويت، ولكن الدولة لا تعترف بمواطنتهم. وثمة كويتيون يشربون الخمر في الكويت في السرّ، لا خوفاً من الشرطة، فالشرطة لا تخيف، وإنما لا يشربونها خوفاً من كلام الناس، فالكويت صغيرة.

وأنا أقرأ إحدى فقرات الرواية وجدتني أكتب على صفحة الـ «فيسبوك»: طلب انتساب لحركة «فتح». لماذا؟ إحدى شخصيات الرواية توضح الفارق بين شخص كويتي وآخر غير كويتي في أثناء إبداء الرأي. حين تكون كويتياً تقول بجرأة، ما لا يجرؤ على قوله غير كويتي. وحين تكون ابن حركة «فتح» تقول بجرأة وتنتقد، أيضاً، بجرأة قد لا يُتاح قول الشيء ذاته لشخص آخر من غير حركة «فتح»، بخاصة إذا ما كانا ينشران في الصحيفة نفسها. (ينظر ص377 من الرواية).

السخرية:

هوزيه/ عيسى، ومن ورائه سعود السنعوسي مؤلف الرواية، يبدو ساخراً من المجتمع الكويتي في صفحات عديدة من الرواية، ولعلّ أبرزها الصفحات 219/220/221. في هذه الصفحات يأتي هوزيه على لقائه بعائلته الكويتية: جدّته غنيمة، وعمّاته نورية وعواطف وهند. كيف سينظرن إليه هو ابن الخادمة الفلبينية جوزافين؟

يشبه هوزيه نفسه، في حضرة جدّته غنيمة، بجرذ في حضرة نسر، وإذا كانت عمّته عواطف تشبه الدولفين، فإن عمته نورية تشبه سمكة القرش، ما يجعله يتساءل: كيف يخرج الدولفين وسمكة القرش من رحمٍ واحد؟

هكذا تبدو أجواء لقائه بعائلته الكويتية:

«الدولفين يبتسم بسذاجة.. سمكة القرش تتحدث بعصبية.. والنسر المنغولي العجوز يُخرِس الجميع بإشارة من رأسه. في حين بقي الجرذ الذي هو أنا أخرس ينقل نظراته مرتبكاً من دون أن يفهم شيئاً سوى نظرات حانية من عصفورة وديعة اسمها: خولة».

نماذج روائية عربية سابقة:

كقارئ لنماذج روائية عربية بكل قراءة «ساق البامبو» سأستحضر ثلاث روايات ربما تكون من قراءات سعود السنعوسي: «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف، و»بنات الرياض» لرجاء الصانع، و»مملكة الغرباء» لإلياس خوري. في رواية (ساق البامبو) إشارات مطوّلة لرواية كان راشد الطاروف/ والد عيسى، قد بدأ كتابتها، ولكنه لم يتمها، لأنه استشهد في أثناء مقاومة الاحتلال، وسيكتب ابنه هوزيه/ عيسى رواية (ساق البامبو) وسيترجمها إبراهيم سلام. هكذا كان رجب بطل رواية «شرق المتوسط» يفكر بكتابة رواية عن عالم السجن. وقد أراد لها أن تكون جديدة، وأن يكتبها غير شخص، وأن يظهر تصورات عديدة لعالم السجن. كيف يراه السجناء وكيف يراه من هم خارجه ولهم صلة بالسجناء و.. و.. . [تراجع الصفحات الخمسة الأخيرة من الفصل الرابع من شرق المتوسط].

في (ساق البامبو) في الجزء الخامس (325 و326 و327) إتيان على رواية راشد والد عيسى وخولة، وكان راشد في روايته يقول رأيه في بعض الأمور بصراحة وفي بعض الأمور يكتفي بالتلميح. هل ما قالته خولة عن رواية أبيها راشد يخص رواية (ساق البامبو)؟ كان والدها محباً قاسياً للكويت، أراد أن يغير الواقع برواية صريحة قاسية بدافع الحبّ لا غير، وتقترح خولة على أخيها (هوزيه)/ عيسى أن يكتب رواية عن الكويت كما يراها، حتى لو كانت قاسية بحق الكويت. هنا سيكون مثل أبيه، ثم إن الشعب الكويتي لا يقرأ (327) «راشد الطاروف لم يأبه بالطاروف حين أنجبك.. هل تفعل أنت؟» «ـ ألا ترث من أبيك شيئاً آخر غير صوتك المطابق لصوته؟» (ص326) إن رواية هوزيه إن أنجزت ستقدم صورة للكويت من الخارج، فيما ستقدم رواية أبيه التي ترغب خولة في إتمامها صورة للكويت من الداخل.

عدم اعتراف الجدّة غنيمة بحفيدها وتشويه العلاقة بين هوزيه وأخته خولة وما يؤول إليه مصيره، وعدم زواج هند، ممن تحب، من غسان الذي هو من «البدون»، يعود إلى المجتمع الكويتي المريض المتخلف كما تقول إحدى الشخصيات. هذا يذكر قارئ «بنات الرياض» بما قالته إحدى الفتيات فيها عن المجتمع السعودي وازدواجية الشخصية الذكورية فيه. في الرسالة 48 من رواية رجاء الصانع تقرأ الفقرة الآتية: «تأكّدي يا سديم أن فراس وفيصل رغم الفارق الكبير في السن بينهم (1) لكن اثنينهم من طينة واحدة، سلبية وضعف واتباع للعادات والتقاليد المتخلفة حتى إن استنكرتها عقولهم المتنورة! هاذي هي الطينة اللي خُلق منها شباب هذا المجتمع للأسف. هذولي مجرد أحجار شطرنج يحركها أهاليهم..» (ص306 ).

النموذج الروائي الآخر الذي تذكّرته وأنا أقرأ (ساق البامبو) هو رواية إلياس خوري «مملكة الغرباء». في «مملكة الغرباء» الكلّ غريب، والغربة كانت من نصيب المسيح، أيضاً: مملكتي ليست من هذا العالم. وهكذا الرّاهب جرجي غريب، والفلسطيني غريب، ووداد الشركسية غريبة، واليهودي غريب و... و... وفي (ساق البامبو) الفلبينيون غرباء، وخولة غريبة، وهوزيه غريب، وغسّان غريب، بل إن راشد نفسه كان غريباً على الرغم من أنه من عائلة الطاروف.

»عرفت مما ترجمته لي خولة، أن أبي كان يعيش غربة من نوعٍ ما في وطنه هو الآخر» وربما تبدو خلاصة الرواية في ص386 و387: إنكم تختلفون في أشياء كثيرة، ولكنكم تتفقون على رفضي».