عودة ثقافة عربي قراءات نقدية في نصوص روائية

قراءات نقدية في نصوص روائية

قليلة هي الكتب والدراسات النقدية، التي تصدرها دور النشر العربية، او هناك شكوى عنها، من المؤلف منها بالعربية او المترجم ايضا. والأقل منها طبعا الكتابات الاكاديمية. وهي قضية مطروحة للنقاش والدراسة ومطلوب الاهتمام بها، اذ لا يمكن ان تتطور الحياة الثقافية بدون النقد والفكر النقدي والنقاد الحريصين فعلا على الوظيفة النقدية والمهمة الادبية والإنسانية عموما، رغم كل ما يحمله المشهد الثقافي من تعقيدات المشهد السياسي، وارتباطه بالتحولات والتغيرات العاصفة في اغلب البلدان، ومنها العراق طبعا.

وتتحمل الاوساط الثقافية عامة مثل هذه الاوضاع. وقد تكون الجهات المسؤولة رسميا اولها وتأتي بعدها بالتسلسل الاتحادات والمنظمات والمؤتمرات والفعاليات، الرسمية والأهلية، ان تأخذ دورها في تنشيط هذا المجال والإسهام في رفد الثقافة والأدب بما يجعلها في صدارة المشهد العام.

'قراءات نقدية في نصوص روائية'، كتاب الدكتورة فاطمة عيسى ابو رغيف، و'في النص الروائي'، كتاب الدكتور ابراهيم جنداري، جهدان أكاديميان من دراسات وبحوث منشورة وفي فترات سابقة جمعت ورتبت ونشرت، يشكلان بادرة تتطلب المواصلة والاتساع منهما ومن غيرهما من الكتاب والنقاد والأكاديميين. وقد صدر الاول عن دار ينابيع الدمشقية ( ط1، 2010) والثاني عن دار تموز الدمشقية (ط1، 2012). ضم الاول عشر قراءات في نصوص روائية. وكذلك الثاني تسع دراسات. يمكن تقسيمها الى قسمين. بحوث في نصوص لكتاب من العراق وأخرى لكتاب من بلدان عربية. تناول الناقد د. جنداري نصوصا عراقية انشغلت في موضوع الفضاء الروائي والمكان عند عماد الدين خليل وابتسام عبد الله وغانم الدباغ، وكذلك للروائيين، عبد الرحمن منيف وجبرا ابراهيم جبرا، وحنا مينة، والطيب صالح. كما تناولت د. ابو رغيف نصوصا لكتّاب مبدعين من العراق، هم: احمد خلف، محمد خضير، خضير عبد الامير، جاسم عاصي ونجمان ياسين، ولكاتبين عربيين معروفين، نجيب محفوظ وغسان كنفاني.

في النصوص والقراءات النقدية صور عن المشهد الادبي العربي وفي العراق. يعكس اهتمام الناقد الاكاديمي في العراق في الادب العربي عموما، وخاصة الرموز الابداعية والاسماء التي تبرز في ابداعها الادبي والمشهد الثقافي. رغم انها كتابات نقدية كتبت في فترات زمنية سابقة، إلا انها تظل شهادات للنقد الاكاديمي للنصوص الروائية. تلفت الانتباه فيها طريقتها الاكاديمية في كل قراءة وأسلوبها البحثي، في المدخل او التقديم لكل عنوان للنص ومن ثم التحليل والنقد فيه. وهي ظاهرة ليست جديدة في المشهد الادبي الاكاديمي، ولكنها تعيد له مظهره وجديته في تطوير ونقد النصوص الروائية، وتقديم نماذج اكاديمية للنقد والبحث في النصوص الروائية.

في بحوث الناقدة التي ضمتها الى الكتاب فرادة في انتقاء المواضيع واختيار عناوين البحث والنقد فيها، كما انها محاولات نقدية جادة تقيم النصوص الروائية والقصصية بعيون اكاديمية ناقدة. تدرس النص وتحلله وتبين اسباب الاختيار وروافع النص والنقد على السواء. ولم يكن هذا الاختيار عفويا او اعتباطيا، كما تبين المواضيع، وإنما بوثوق واهتمام وتقارب لمسار ادبي وثقافي له جذوره في التاريخ الثقافي العربي. في واقعية النصوص وغائية كتابها وجديتهم في جدلية الحياة والثقافة والوظيفة الثقافية. كما ان الناقدة تتفحص ما تكتب وتدل عليه، تعرفه وتقدم له ومن ثم تبين تفاصيله ودلالته وقيمته الابداعية. وهذا واجب الناقد الحريص فعلا على مهمته ودوره في الاشارة الى الابداع وتطوير الادوات ورفع النصوص التي تستحق القراءة والإمعان في جهد كتابها وإمكاناتهم الابداعية والإنتاجية عن رفوف المكتبات ووضعها في مقدمة المشهد الثقافي وواجهة الكتب والكتاب. وتواصل الناقدة الاكاديمية اسلوبها في قراءاتها في كل نص، نوعه ولغته، والأبرز فيه من تقنيات الابداع الجديدة وإمكانيات المبدع في استخدامها وإظهارها في نصه.

في ابداع نجيب محفوظ قرأت الناقدة د. فاطمة عيسى الفضاء في رواية اللص والكلاب، وبناء الشخصية في ثلاثيته محاولة تقديم الجديد الى الدراسات والبحوث الكثيرة التي تناولت ابداع محفوظ. معتمدة على ان النصوص الابداعية قابلة للنظر من زوايا متعددة. وبعد تعريف مصطلح الفضاء رأت 'ان الذي شجعني الى دراسة فضاء الرواية هو ما للفضاء من اهمية قصوى في النص الروائي من حيث الترابط بين المكان والزمان ووجهة النظر التي تتصل بالراوي وشخصيات الرواية' (ص 24). وحللت النص وفق منظورها عن الفضاء في الرواية. اما عن بناء الشخصية فاعتبرت الشخصية من ابرز اوجه الرواية العربية الحديثة، رابطة بحثها بالتطور الاجتماعي الحضاري في مصر قبل ثورة تموز/ يوليو 1952، من خلال الثلاثية، (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، وتسلسلها التاريخي والزمن الروائي. محددة بان 'الشخصية العنصر الرئيسي في البناء الفني للرواية، لكي نتعرف على ماهية الشخصية لابد من الالمام بجميع المعالم النفسية والفكرية للشخصيات الروائية والظروف المحيطة بها' (ص 74-75).

قدمت الناقدة في بحثين عن دلالية القص عند غسان كنفاني وعلاقة الانسان بالأرض في رواياته، مشخصة اهم دلالات ما يخطه قلم المبدع كنفاني وهمومه السياسية والثقافية ومسؤوليته الوطنية والقومية في منتجه الابداعي، القصصي والروائي. ورابطة بين موقفه الانساني والسياسي وانحيازه الى الفقراء من ابناء شعبه وإبداعه الفني في كل الوانه. معتبرة اياه كأول مبدع فلسطيني وعربي نقل القضية الفلسطينية الى حيز الفن. 'فقد كان نتاجه يمثل رحلة العذاب الفلسطيني وقضية شعبية'. وهدفها في البحث 'هو التركيز الاساسي على العلاقة بين العمل الادبي والواقع التاريخي الذي انتجه وتحليل البناء الفكري لكتابات غسان كنفاني الابداعية في المجال القصصي وهو في عطائه الابداعي يمارس دوره الاجتماعي والوطني ويسهم اسهاما فعالا في تاريخ الحركة الفلسطينية على صعد شتى' (ص146).

في تناول الناقدة لنصوص الكتاب العراقيين واصلت منهجها النقدي في الاختيار والعنوان وأساليب البحث. فكانت اولها قراءة في الحوارات في رواية 'الخراب الجميل' لأحمد خلف، محددة معناها ومن ثم وظائفها الجمالية وأشكالها ولغتها، محللة انماطها وصياغاتها الفنية وبنائها الفني. وتناولت الوصف في 'المملكة السوداء' لمحمد خضير، واختلاف النقاد في تحديد ماهيته في النص القصصي. ' وبالرغم من تعدد الاشكاليات واختلاف وجهات النظر فيها، يبقى الوصف تقنية فنية لا يستغنى عنها' (ص 55). وتحلل استخدام القاص لهذه التقنية الفنية في نصوص قصصه ومحاورها.

كما قرأت الناقدة بنية الخطاب القصصي عند خضير عبد الامير وقدمت تأملات في ابداعه القصصي، راصدة رؤيا القاص الانسانية والتعبير العميق عن المعاناة التي يعيشها الانسان في مجموعته القصصية المكونة من 21 قصة، وتكاد تشكل وحدة واحدة على الرغم من تعدد دلالاتها او معانيها. (ص 103). وتشخص قدراته وتفرده في اختيار شخصيات قصصه من ابناء الطبقة الكادحة ومن عمال الطين وحيواتهم ومعاناتهم ومشاكلهم. وتنتقده في افتقاد قصصه لعنصر التشويق والمصادفة الذي يدفع القارئ الى المتابعة والمتعة. (ص 127).

جدلية العلاقة بين المكان والذاكرة في كتاب المدينة لجاسم عاصي عنوان قراءتها ومنه وضحت اختيارها ونقدها لما ضمه الكتاب من مدونات تستعير مكوناتها من اجناس اخرى غير الرواية او القصة ولكنها تترابط في احداثها وطريقة تفعيل الذاكرة فيها. والحال ايضا في عنوان سنوات الجحيم، الاصرار التحدي نشوة الانتصار لنجمان ياسين وحكايته عن عذابات الاسرى في اقفاص الموت. وختام قراءتها في الرواية صدق التجربة وثمرة من ثمرات ابداع الكاتب والتزامه.

'في النص الروائي' درس الناقد د. ابراهيم جنداري هو الاخر النصوص التي اختارها بزمنها ونظر في اساليب ابداع الروائي في كل نص منها. معتمدا على منهج نقدي اكاديمي، كما فعلت الناقدة د. فاطمة عيسى، يتسلسل في تقديم العنوان لكل موضوع وشرحه وتعريف اختياره له ومن ثم ينتقل الى تطبيقاته على النص الروائي، جامعا بين الفضاء الروائي والشخصية والمتكلم والمفارقة الروائية والحوار. فاختار المكان فضاء روائيا، مثلا، في روايات، تعاملت مع مدينة الموصل فضاء لها. محللا موضوع روايتين وكيفية استخدام كل نص للمكان والذاكرة والتاريخ وما لاحظه عليهما. كما درس هامش المكان في رواية غانم الدباغ، ابن مدينة الموصل، 'ضجة في ذلك الزقاق'، وتنقلات الروائي في وصف الامكنة والحالات التي عاشها بطل الرواية وتذكرها، وحرصه 'على تقديم تفاصيل التركيبة الاجتماعية لمدينته معتمدا في ذلك على الايحاء المكثف والعبارة الدالة'. كما ان امكنته لها مؤشراته الواقعية، تحيا بين جوانبها الشخصية التي تظل تهرب خارج هذه الامكنة، وهي شخصية لا تملك مكانها الذاتي. (ص167). متابعا في الروايات الثلاث اتجاهات الرأي العام والتيارات الايديولوجية التي كانت شائعة في المدينة خصوصا وانعكاساتها في وعي الرواة وشخصياتهم الروائية.

في حركة الشخوص في 'شرق المتوسط'، رواية عبد الرحمن منيف، قدم الناقد دراسة اكاديمية للرواية، مقرونة بدلالة العنوان وأسلوب الروائي في ابداعه، ومحللا في مدخله ابعاد الشخصية والرواية والشخصية وبناءها الفني. مؤكدا على ان منيف في شرق المتوسط قدم 'شخصيات تعكس واقعا تاريخيا محددا، تحيا فيه وتعكسه عبر شكل ووعي متفاوت يتراوح بين الوعي الخام والوعي الضبابي والوعي المحدد' (ص40).

اما دراسته عن المتكلم في الخطاب الروائي، روايات جبرا ابراهيم جبرا نموذجا، فقد توسع في الموضوع، وأعطاه ابعاده النقدية الاكاديمية، محللا ما ابدعه الروائي جبرا في النصوص الروائية الثلاثة، صياديون في شارع ضيق، السفينة، البحث عن وليد مسعود. متابعا استخدام الروائي لأساليب التقنية الروائية المتعددة، في الحوار واللغة، ودارسا النص الروائي في ضوء قدرات جبرا المتقدمة، و' جعل النص مرتبطا بكاتب ضمني فيه ابعاد لسلطة خارج- ادبية، هي سلطة الكاتب الواقعي المحدد تاريخيا اذ ان للنص الادبي منطقا خاصا يستمد قانونه من عملية الكتابة، مما يجعل احيانا ايديولوجية النص مناقضة لأيديولوجية المؤلف' (ص52).

استمر الناقد في منهجه الاكاديمي مع ثلاثية البحر لحنا مينة، دارسا بناء الشخصية الروائية. مجيبا على سؤال، ماهي الشخصية الروائية، وما هو مفهومها؟. مستعرضا ابرز التصورات الادبية والمفاهيم التي تناولتها الشخصية بين الملحمة والرواية. مفهوم الشخصية في المذهب الاجتماعي، في المذهب النفسي، وعند كتاب الرواية الجديدة، عند البنيويين. وواصفا انماط الشخصيات المرجعية تقديما لتطبيقات العنوان على الثلاثية، في تحديد بناء الشخصية الروائية، وأساليب تقديمها بأنواعها الفنية والواقعية. وتغليب طابع الرمز على الواقع في وصف ابطال محددين في الثلاثية، او هكذا وظف الروائي الشخصية الروائية ودورها في النص والواقع.

اما عند الطيب صالح وروايته 'عرس الزين' فدرس الباحث مستويات اللغة ونزوع السرد الى الانفلات من قيود درامية الحبكة والاقتراب من وجدان الكائن ومتخيله وقضاياه، باعتبار الرواية فنا مفتوحا.

الكتابان قراءات نقدية متفحصة في نصوص روائية لأسماء ابداعية لها مكانها في المشهد الثقافي وتأملات اكاديمية فيها وتقديم نقدي جمع بين الذائقة الفنية والعين الاكاديمية الباحثة عن الجديد والمبتكر وعن تعريف وتقديم ما هو مطلوب من النتاجات الادبية من دور لها في صناعة الثقافة والفكر والتقدم الانساني

    مقالات مرتبطة :