عودة الأرشيف أرشيف شؤون فلسطينية الاستفتاء والقانون الأساسي الفلسطيني

الاستفتاء والقانون الأساسي الفلسطيني

الاستفتاء والقانون الأساسي الفلسطيني

تباينت وجهات النظر في شأن قانونية قرار الرئيس محمود عباس بالدعوة إلى استفتاء شعبي حول وثيقة الأسرى «وثيقة الوفاق الوطني» في حال وصول الحوار الوطني إلى الفشل.وقد تبارى رجال القانون في الضفة والقطاع في عرض وجهات نظرهم، بين مؤيد لمبدأ الاستفتاء، ومعارض له. وقد توصل البعض إلى خلاصة مفادها أن نتائج الاستفتاء من شأنها أن تحدث تغييراً في أوضاع السلطة الفلسطينية. ففي حال فشل الرئيس عباس في الحصول على الأغلبية يتوجب عليه تقديم استقالته والدعوة لانتخاب رئيس بديل للسلطة. وفي حال تأييد الأغلبية له، توجب على الحكومة والمجلس التشريعي أن يستقيلا وأن تتم الدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة.
«الحرية»، مساهمة منها في الإضاءة على هذا الأمر تنشر وجهتي النظر. الأولى للمستشار القانوني د. عدنان عمرو، يجيز فيها الاستفتاء مستنداً إلى مبادئ الشريعة الإسلامية وإلى القانون الأساسي للسلطة. والثانية لم تحمل توقيعاً، لا تجيز الاستفتاء، لكنها تخلص إلى ضرورة الالتزام باستحقاق نتائجه، بحيث يستقبل الرئيس (في حال عدم تأييد الشارع للوثيقة) أو تستقيل الحكومة والمجلس التشريعي، في حال تأييد الشارع للوثيقة وإنحيازه لصالح الرئيس عباس.
 
 
 مذكرة قانونية حول الاستفتاء الشعبي
للرئيس الحق في الدعوة للاستفتاء كونه الحامي للنظام السياسي الفلسطيني
إعداد المستشار القانوني د. عدنان عمرو
مشروعية الاستفتاء مستنبطة من نصوص القانون الأساسي حيث لم يرد في القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 نص صريح يسمح أو يمنع اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي، فإن مواده تؤدي وتعزز قانونية اللجوء إليه على النحو التالي:
1ـ نظام الحكم في فلسطين نظام ديمقراطي نيابي
بالرجوع إلى المادة (5) من القانون الأساسي المعدل التي تنص على «نظام الحكم في فلسطين نظام ديمقراطي نيابي......» والنظام السياسي الديمقراطي هو الذي يمثل الإرادة الشعبية، وهو النظام الذي يقوم على مبادئ الديمقراطية، وفي مقدمتها حق المواطن بالمشاركة في الحياة السياسية وهذا ما أكدته المادة(26) من القانون الأساسي المعدل التي نصت على «للفلسطينيين حق المشاركة في الحياة السياسية أفراداً وجماعات.......» والاستفتاء هو طريقة من طرق المشاركة في الحياة السياسية. فالنظام الديمقراطي يرتبط كلياً بالإرادة الجماعية للأفراد ويخضع لها.
2ـ مشروعية الاستفتاء من مفهوم السيادة الشعبية: إذا كان هناك من يقول بأن السيادة للمبادئ الدستورية، ومن يقول بأن السيادة للقانون فإننا نقول السيادة للشعب لأن الشعب فوق المبادئ وفوق القوانين لأنه هو صانع القوانين وهو الذي أسس المبادئ التي يريدها حسب ظروفه وحياته.
فالشعب مصدر كل سلطة، والسيادة الوطنية ملك للشعب وحده، والسلطة التأسيسية ملك لشعب. وهذا يتفق مع رأي الفقه الدستوري القائل بأن الشعب هو صاحب السلطة الدستورية كونه لا يستمد وجوده من الدستور. فقد عرضت ديباجة القانون الأساسي المعدل لذلك بالقول «إن هذا القانون الأساسي المؤقت يستمد قوته من إرادة الشعب الفلسطيني....» وأكدت ذلك المادة (2) من القانون الأساسي المعدل التي نصت على «الشعب مصدر السلطة ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية....» وكذلك المادة (116) بنصها «تصدر القوانين باسم الشعب العربي الفلسطيني» وبالتالي فالشعب الذي يملك هذه الصلاحيات الدستورية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننكر عليه أو نحرمه من قول رأيه في أمر ما. فالشعب في النظام الديمقراطي هو صاحب السيادة المطلقة على كل شؤونه، وهو مصدر كل سلطة سياسية تشرف على تنظيم وإدارة أموره العامة وهو الذي يبني النظام السياسي بإرادة جماعية ويجعل منه أداة لممارسة سيادته ومعالجة قضاياه العامة وتلبية حاجياته المشتركة، وتحقيق مطامحه الاجتماعية.
رابعاً: مشروعية الاستفتاء من خلال المواثيق الدولية:
لقد أكدت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وخاصة المادة (21) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة (25) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على «لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده إما مباشرة أو بواسطة ممثلين....
 مشروعية حق الرئيس في الدعوة للاستفتاء الشعبي
1ـ مشروعية حق الرئيس في الدعوة للاستفتاء الشعبي من خلال القسم الدستوري
إن حق رئيس الدولة باللجوء إلى الاستفتاء الشعبي حق ثابت لرؤساء الدول في جل دساتير الأنظمة القانونية المعاصرة، ومؤكد لسيادتكم كونكم أقسمتم يوم تقلدكم رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية على رعاية مصالح الشعب رعاية كاملة وفقاً لنص المادة (35) من القانون الأساسي المعدل، وبالتالي إذا ما تلمستم أمرا يهم مصالح الشعب فإنه يتحتم عليكم اللجوء إلى كل الوسائل المتاحة لتحقيق تلك المصالح وإلا كنتم ـ لا سمح الله ـ مقصرين في أداء مهامكم وواجباتكم نحو الشعب الذي انتخبكم وائتمنكم على مصالحه.
2ـ مشروعية حق الرئيس في الدعوة للاستفتاء الشعبي من خلال دوره الدستوري
يتمتع رئيس السلطة الوطنية بمكانة عالية في النظام السياسي الفلسطيني فالقانون الأساسي قدمه على كافة السلطات العامة، ولم يجعله جزءاً من السلطة التنفيذية بل الحكم بين السلطات وفقاً للمبادئ الدستورية العامة التي أكد القانون الأساسي الفلسطيني الزاميتها بمنطوق المادة (51) من القانون الأساسي «يقبل المجلس استقالة أعضائه ويضع نظامه الداخلي وقواعد مساءلة أعضائه بما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون الأساسي والمبادئ الدستورية العامة....» وبما اضطلع به رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية من صلاحيات إزاء المجلس التشريعي والحكومة والقضاء والأمن القومي.
3ـ مشروعية حق الرئيس في الدعوة للاستفتاء الشعبي كونه الحامي للنظام السياسي الفلسطيني
رئيس السلطة الوطنية هو الحامي للنظام السياسي الفلسطيني بدليل أنه المخول وفقاً للمادة (110) من القانون الأساسي بإعلان حالة الطوارئ.
 
 
 وجهة نظر قانونية أخرى في شأن الاستفتاء
على الجهة التي لم تأتِ، نتيجة الاستفتاء لصالحها تقديم استقالتها سواء أكان الرئيس أو الحكومة أو البـرلمان في شأن الاستفتاء العام
يعرف الفقه الدستوري الاستفتاء العام على أنه أخذ رأي الشعب في مسألة معينة، بحيث يعرض هذا الأمر على جمهور المواطنين لأخذ الموافقة أو عدمها على تلك المسألة. وفي شأن تعريف الاستفتاء العام يقول جوليان لافرير إن الاستفتاء أداة ديمقراطية مباشرة يتم بموجبها دعوة «هيئة المواطنين إلى أن تعبـر عن طريق تصويت شعبي، عن رأيها وعن إرادتها تجاه تدبير اتخذته سلطة أخرى أو تنوي اتخاذه». وهذا يعطي للمواطنين حق الفصل في بعض أمور الحكم والمشاركة في صناعة القرار، بما يندرج في إطار الديمقراطية شبه المباشرة.
وتتنوع أشكال الاستفتاء بين استفتاء دستوري وتشريعي وسياسي، وما يهمنا هنا هو الاستفتاء السياسي الذي يطلب فيه من المواطنين الفصل في أمر مهم يثير الخلاف ولا ينطوي على قاعدة عامة مجردة، ويستخدم كأداة لتحكيم الشعب فيما بين سلطات الدولة أو بين الحكومة والمعارضة من نزاع، ويسمى الاستفتاء في هذه الحالة باستفتاء التحكيم. ويتم إجراء الاستفتاء في هذه الحالة بين الرئيس والحكومة أو بين الحكومة والبـرلمان أو بين البـرلمان والرئيس، وذلك بحسب النظام السياسي المتبع.
وعادة ما يستند إجراء الاستفتاء إلى نص دستوري يشكل الأساس الذي تنطلق منه القاعدة القانونية في تنظيم العملية الإجرائية للاستفتاء، وتوضح شكله وطبيعته، والمسائل التي تطرح للاستفتاء، والجهة المخولة بالدعوة لإجرائه، والجهة المخولة بإجرائه، والآثار المترتبة عليه.
وعلى هذا النحو جرت العادة في فرنسا، إذ تنص المادة (11) من الدستور الفرنسي الحالي على أن: «لرئيس الجمهورية، بناء على اقتراح من الحكومة خلال فترة أدوار انعقاد البـرلمان أو بناء على اقتراح مشترك  من المجلسين، يتم نشره في الجريدة الرسمية، أن يطرح للاستفتاء كل مشروع قانون يكون متعلقاً بتنظيم السلطات العامة أو بإصلاحات خاصة بالسياسة الاقتصادية أو الاجتماعية للأمة أو بالمرافق  العامة التي تسهم في هذه السياسة، أو يهدف إلى إذن بالتصديق على معاهدة قد يكون لها، دون أن تكون مخالفة للدستور، تأثير على عمل المؤسسات. عندما يجري تنظيم الاستفتاء بناء على اقتراح الحكومة، فعليها تقديم بيان أمام كل مجلس تعقبه مناقشة. إذا ما أسفر الاستفتاء عن إقرار مشروع القانون يقوم رئيس الجمهورية بإصداره خلال خمسة عشرة يوماً التالية على إعلان نتيجة الاستفتاء».
أما في مصر، فإن نصوص الدستور أكثر وضوحاً في شأن الاستفتاء فقد نصت المادة  (62) من الدستور المصري على أن: «للمواطن حق الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء وفقاً لأحكام القانون، ومساهمته في الحياة العامة واجب وطني». كما جاء المادة (152) على النحو التالي: «لرئيس الجمهورية أن يستفتي الشعب في المسائل الهامة التي تتصل بمصالح البلاد العليا». أما المادة (74) فقد جاءت على النحو التالي: «لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر، ويوجه بياناً إلى الشعب، ويجري الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال ستين يوماً من اتخاذها». وتنص المادة (88) على أن: «يبين القانون أحكام الاستفتاء والانتخاب، على أن يتم الاقتراع تحت إشراف هيئة من القضاة». أما المادة (127) فقد منحت لرئيس الجمهورية صلاحية عرض مواضيع الخلاف بين الحكومة ومجلس الشعب على الاستفتاء. فقد جاء نص المادة على النحو التالي: «جاز لرئيس الجمهورية أن يعرض موضوع النزاع بين المجلس والحكومة على الاستفتاء الشعبي. ويجب أن يجري الاستفتاء خلال ثلاثين يوماً من تاريخ الإقرار الأخير للمجلس، وتقف جلسات المجلس في هذه الحالة. فإذا جاءت نتيجة الاستفتاء مؤيدة للحكومة اعتبـر المجلس منحلاً، وإلا قبل رئيس الجمهورية استقالة الوزارة».
أما في الحالة الفلسطينية، فإن القانون الأساسي لا يتضمن أي نص يتعلق بإمكانية إجراء، أو اللجوء لإجراء، استفتاء عام من قبل أي سلطة كانت. وعليه، فإن القانون الأساسي الفلسطيني لم ينظم عملية الاستفتاء، وبالتالي فليس لها أي سند دستوري، ومسألة السند الدستوري هي مسألة أساسية جوهرية، إذ إن عملية الاستفتاء هي شأن دستوري بحت، ذلك أنها تتعلق بأمر من أمور السيادة، أي أن الشعب صاحب السيادة الأصلية، يمارس جزءاً من سيادته عبـر إبداء رأيه في مسألة الاستفتاء. لذلك تنحو معظم الدول، التي تأخذ بالاستفتاء، باتجاه تضمين الدستور نصاً في شأنه، لأن الاستفتاء من الأمور الدستورية.
وبما أن الاستفتاء السياسي (التحكيمي) يقوم على أساس أخذ رأي الشعب في النزاع الناشب بين سلطتين سياسيتين، فإن نتيجة الاستفتاء تعني أن المستفتين قد غلبوا رأي أحد الطرفين دون الآخر. فإذا ما كانت نتيجة الاستفتاء في القضية المختلف بشأنها، مؤيدة لوجهة نظر الرئيس ـ على سبيل المثال ـ فإن على الطرف المعارض لسياسته حينها أن يستقيل، والعكس صحيح.
وبسحب هذا الأمر على الوضع الفلسطيني، فإنه يقتضي أن يستقيل رئيس السلطة الفلسطينية فيما لو كانت نتيجة الاستفتاء مؤيدة لسياسة الحكومة، وأن تستقيل الحكومة ويتم حل البـرلمان وإجراء انتخابات مبكرة فيما لو كانت نتيجة الاستفتاء مؤيدة للرئيس.
والسؤال الأهم، هل طرفا المعادلة السياسية الفلسطينية، الرئيس من جهة، والحكومة والمجلس التشريعي الفلسطيني من جهة ثانية، مستعدان لتحمل أمر مماثل؟ تلك هي المسألة.
ملخص تنفيذي:
أولاً: إن إجراء استفتاء عام يحتاج إلى نص دستوري، يمنح الجهة الداعية للاستفتاء، سواء أكان الرئيس أو البـرلمان أو الحكومة، صلاحية الدعوة لإجرائه.
ثانياً: فلسطينياً، لا يوجد في القانون الأساسي ما يمنح الرئيس محمود عباس صلاحية إجراء استفتاء. بالتالي، فإذا ما قام الرئيس بخطوة مماثلة، فإن إجراءه يعد غير دستوري.
ثالثاً: فيما لو تم التوافق على إجراء استفتاء، فإن هناك ضرورة لتعديل أحكام القانون الأساسي الفلسطيني.
1ـ رابعاً: لإجراء الاستفتاء تبعات سياسية مهمة: الالتزام بنتيجة الاستفتاء، إن كان نوع الاستفتاء المتبع بعد تعديل القانون الأساسي استفتاء إلزامياً «ملزم لجهة نتيجته».
2- يؤدي هذا الأمر إلى إضعاف الجهة التي لم تأت نتيجة الاستفتاء لصالحها بما يقتضي تقديمها لاستقالتها، سواء أكان الرئيس أو الحكومة أو البـرلمان.