الجمعة:10/09/2010 - العدد: 1301(2375) - من 05/09 إلى 11/09/2010
آخر الأخبار: إصابة جنديين إسرائيليين في إطلاق نار في مناطق الـ 48      الإحتلال يغلق باب الحديد ويكثف انتشاره في باحات المسجد الأقصى      فتح معبر كرم أبو سالم لإدخال مساعدات لغزة      حماس تستنكر استهداف مسيرة تضامنية لدعم القدس في باكستان      أكثر من 300 ألف مصلي يحيون" ليلة القدر"في رحاب المسجد الأقصى      باراك يتوعد منفذو عملية الخليل بدفع الثمن      سلفيت: المستوطنون يطلقون النار صوب شبان من ديراستيا      القوات الإسرائلية تعتقل ثلاثة أطفال من مخيم العروب بالخليل      بعد المقاطعة الثقافية-150 محاضرا يقاطعون النشاطات التعليمية للمستوطنات      المفتي العام للقدس و الديار المقدسة يحذر من خطورة عقد المؤتمر اليهودي العالمي في القدس      مقتل اربعة جنود اميركيين في تفجير في افغانستان      الجيش الإسرائيلي يعتقل 5 فلسطينيين في بيت لحم      جماعات ايرلندية تشتري سفينة لقافلة مساعدات جديدة لغزة      مصادر: حشود عسكرية اسرائيلية بالجولان و شبعا استعداداً لضرب مخازن حزب الله بسورية      عشية إنطلاق المفاوضات:تظاهرة إحتجاجية لليسار في رام الله الأربعاء المقبل      المراحل التي مرت بها المفاوضات منذ اوسلو      الاحتلال الإسرائيلي يهدد بترحيل بدو وهدم ستة منازل خلال 48 ساعة جنوب نابلس      لحظة انطلاق المفاوضات: بابا الفاتيكان يستقبل بيريس     

ناجي العلي .. الوطن و الهوية

pdf

خميسيات
هنادي طه حسين تجدد موتها مرة أخرى

ثقافة
العقوبة

شرفات / بسام الهلسه
عَصِيُّ الدَّمْع

اصدرات
أعمال بدرخان الكاملة

قضايا
العلمانية والحالة الفلسطينية

صحة
الكرز ينشط القلب ويعالج الالتهابات
تطوير خلايا كبد من الجلد
نجاح زراعة القرنية بغزة
ارسل الى صديق أضف للمفضلة طباعـة أضف تعليقك
نقد نقد المشروع النهضوي العربي من (1 إلى 9)
بقلم د. خالد الحروب ــ كامبردج 2010-07-26 عدد القراءات 166

      1 - نقد "الـمشروع النهضوي العربي"
 تقول مقدمة "الـمشروع النهضوي العربي" الذي صدر، مؤخراً، عن مركز دراسات الوحدة العربية إن فكرة الـمشروع بدأت في التبلور في العام 1988، وإن باحثين بدؤوا عملياً تقليب وصياغة أول أفكاره في العام 1996، ثم تطوّر تشكّله في ندوات ولقاءات في السنوات اللاحقة إلى أن صدر كما هو بين أيدينا الآن.
معنى ذلك أنه خلاصة تداول فكري وبحثي امتد على مدار عقدين من الزمن، أو أربعة عشر عاماً على أقل تقدير. وعليه لنا أن نتوقع أن ما يتضمنه هذا الـمشروع يتصف بالصلابة والدقة والتمحيص الذي تتيحه كل تلك السنوات، وتوفره إسهامات كل أولئك الـمشاركين وندواتهم من بيروت إلى القاهرة إلى فاس وغيرها.
الكتيب الصادر حديثاً يقدم إذاً رؤية القوميين العرب لراهن ومستقبل العالـم العربي تحت عنوان "الـمشروع النهضوي العربي"، ويستحق وقفات نقدية موسعة لـما فيه من طروحات بغية إثراء النقاش العام حول الحاضر والغد العربي، وهو ما ستحاول سلسلة هذه الـمقالات القيام به.
يفصل الكتيب بإسهاب الـمنطلقات الفكرية والرؤى النظرية التي "يجب" أن يستند إليها "الـمشروع النهضوي العربي" الذي يجتمع حوله القوميون. وبصرف النظر عن الـموقف من الـمشروع برمته أو مكوناته يجب القول ابتداءً إن إصدار أي تيار سياسي وفكري في الـمنطقة العربية رؤيته بتفصيل ووضوح كافيين للنقاش العام هو خطوة إيجابية تستحق الإشادة. فهنا نستطيع التعرف إلى معالـم الفكر السياسي والتطلع الـمستقبلي واختبار الأفكار ونقدها وكذا فحص آليات التطبيق. إضافة إلى ذلك نمتلك أدوات لنقد ومحاسبة أي تيار بناءً على إعلاناته الفكرية والسياسية، وهذا، وهذا وحده، يعمق تداول الأفكار ونقاشها والسجال حول إمكانيات تطبيقها ومدى واقعيتها وخدمتها للجمهور الذي تستهدف خدمته. وقبل الشروع في تأمل ونقد ما جاء في "الـمشروع النهضوي العربي" ربما جاز التمني هنا على بقية التيارات السياسية أن تطرح للجمهور رؤاها "النهضوية" بعيدة الـمدى تحت الشمس وللنقاش العام أيضاً. نريد أن نرى ما يمكن أن يسميه الإسلاميون "الـمشروع النهضوي الإسلامي"، وما يمكن أن يسميه اليساريون "الـمشروع النهضوي اليساري"، وما يمكن أن يسميه الليبراليون "الـمشروع النهضوي الليبرالي".
الشيء الذي يميز التيار القومي العربي في الوقت الراهن، ويمكّنه من إصدار مشروعه الـمُقترح لنهضة العرب هو وجود تجمع وقطب فكري وسياسي يتحدث باسم القوميين يتمحور حول "الـمؤتمر القومي العربي" ومركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. لا يتمتع أي تيار آخر في الـمنطقة العربية يروم التعبير الجماعي عن مكوناته أو فروعه في العالـم العربي بناطق رسمي أو قطب فكري وسياسي يستطيع الزعم بأنه يعبر عن رؤية جماعية عابرة للحدود الوطنية. حتى حركة الإخوان الـمسلـمين التي لها فروع ربما في كل الدول العربية تعاني من حيرة وارتباك مثير عند مواجهة سؤال ما بعد الوطنية. بمعنى أنها لا تطرح مشروعاً أو رؤية تفصيلية على مستوى العالـم العربي أو الإسلامي تقول فيه ما الذي تعمل على تحقيقه في كل فضاء من الفضاءات: الوطني، العربي، الإسلامي. والأمر نفسه ينطبق على قوى اليسار والقوى الليبرالية التي هي أضعف بكثير من التيار الإسلامي ويشتغل ويُستنزف كل منها في دائرة الوطني. لكن يجب ألا يمر هذا من دون أن نذكّر أنفسنا بأن وجود عنوان فكري وسياسي ونخبوي للتيار القومي وإن كان يقدم ميزة تفضيلية فإنه لا يعكس بأي حال من الأحوال ميزة تفوق من ناحية القوة والتأثير. بل ربما العكس تماماً، أي أن غياب أحزاب وحركات قومية فاعلة في كل بلد من البلدان العربية أتاح بروز نخبة قومية تتحدث باسم تيار قومي (غير موجود بالـمعنى الفعلي على الأرض) حيث لا توجد خلافات أو صراعات حقيقية بين تلك الأحزاب الـمُفترضة على من يمثل من، ومن ينطق بماذا.
بكل الأحوال تتوفر لدينا الآن وثيقة فكرية مهمة تنقل السجال حول الفكر القومي العربي إلى مرحلة أكثر معاصرة، وتكرس عنوان الفكر القومي في الوقت الراهن. فإن كنا في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات نتابع أدبيات الأحزاب القومية، أو منظّري القومية العربية الكبار حتى نستكشف معالـم وتطورات الفكر القومي العربي، فإن من يقوم بذلك الدور الآن هو الأدبيات التي تصدر عن الـمؤتمر القومي العربي ومركز دراسات الوحدة العربية. الفرق الكبير واللافت بين الحالتين هو عدم وجود حامل سياسي (حزب فاعل، أو سلطة حاكمة) في الحالة الثانية أي الحالية يمكن أن يطبق الأفكار التي ترد في الأدبيات. كما ثمة فرق كبير آخر يتمثل في جماعية التعبير عن الفكرة وعدم نسبها لفرد أو منظر محدد. فـ "الـمشروع النهضوي العربي" لا يكتبه منظر واحد ننسب إليه الأفكار. ليس هنا أي ساطع حصري، أو ميشيل عفلق، أومنيف الرزاز أو عبد الله الريماوي. بل هناك نص جماعي يستقوي بسمته العامة والجماعية تلك، لكنه في الوقت نفسه يتيح إمكانية الـمراوغة والتفلت لأي مُساهم شارك في صياغته بالقول إنه وافق على هذا الجزء ولـم يوافق على ذاك. وهي مشكلة دائمة تواجه النصوص الـمشتركة حيث تضيع الـمسؤولية الفكرية ويتم التهرب من الـمآزق الحقيقية فيتعثر السجال ولا يعود النقاش غنياً.
يتوزع "الـمشروع النهضوي العربي" على ثمانية فصول هي "في ضرورة النهضة"، "التجدد الحضاري"، "الوحدة، "الديمقراطية"، "التنمية الـمستقلة"، "العدالة الاجتماعية"، "الاستقلال الوطني والقومي"، "آليات تحقيق الـمشروع". وكل فصل من هذه الفصول يستحق نقاشاً مستقلاً وموسعاً، وهو ما سنقوم به تباعاً في الـمقالات الآتية. لكن من الـمهم والـمفيد الإشارة إلى بعض الـملاحظات النقدية التقديمية العامة. أولها الاهتمام البارز والـمركزي بقضية الديمقراطية وأولويتها وموضعتها في قلب الأفكار التي يتبناها الـمشروع. وهذا يعد نقلة أساسية ومهمة في الفكر القومي العربي الحديث مقارنة بالـمشروعات القومية الكلاسيكية التي وإن اهتم بعضها بالديمقراطية فإن ذلك الاهتمام بقي هامشياً وجزئياً. الـملاحظة الثانية النزعة التوفيقية التي غلبت على الـمشروع حيث أراد صياغة مشروع يكون محط توافق قومي، إسلامي، يساري، ليبرالي. وبسبب هذا الهاجس الذي بدا كبيراً في أذهان من صاغوا الـمشروع فإن خلاصاته التوافقية الهادفة إلى بناء "كتلة تاريخية" ظلت تتسم بالعمومية والغموض الذي أريد منه أن يرضي كل الأطراف. لـم تكن هناك حاجة إلى مثل هذه الـمغامرة الفكرية الفاشلة مُسبقاً، إذ لا يمكن صوغ مشروع فكري توافقي. يمكن الوصول إلى توافقات سياسية جبهوية مؤقتة أو مطولة تتسم بتنازلات مُتبادلة، لكن من الصعب جداً إن لـم نقل من الـمُستحيل الوصول إلى توافقات فكرية بين أطراف تحمل برامج وأيديولوجيات متناقضة. محاولة التوفيق الفكري شلت كثيراً من نصوص "الـمشروع" وأبقتها في منتصف الطريق، كما سنناقش ذلك لاحقاً. كان حرياً بـ "الـمشروع النهضوي العربي" أن يقدم رؤية القوميين العرب وحدهم من دون لبس، ومن دون محاولة أو ادعاء تمثيل بقية التيارات الفكرية والسياسية في الـمنطقة العربية. كل تيار من تلك التيارات يعبر عن رؤيته الخاصة بطريقته الـمنفصلة، وعندها نستطيع أن نساجل كل فكرة على حدة، ويستطيع الجمهور أن يُفاضل بينها ويحكم. والبقية تأتي.
 
        2-ضرورة النهضة
  
الفصل الأول في كتاب "المشروع النهضوي العربي" الذي يؤسس لرؤية قومية جديدة وجماعية حول كيفية الخروج من المأزق التاريخي الذي يواجه العرب يحمل عنوان "في ضرورة النهضة".
وفي هذا الفصل هناك توصيف لحالة "التراجع" العربي والسياق الإقليمي والعالمي للتدهور، وتحليل لواقع غياب اي "مشروع نهضوي معاصر" (مع الإشارة والإشادة بمشروعين للنهضة يتوقف عندهما النص هما مشروع محمد علي في القرن التاسع عشر ومشروع جمال عبد الناصر في النصف الثاني للقرن العشرين، وسوف نناقش هذا الاعتبار الخلافي لاحقا).
ثم يحدد الفصل طبيعة المشروع النهضوي وأهدافه وشكل العلاقة بين عناصره.
يبدأ الفصل بوصف الحالة العربية الراهنة على أنها "تراجع" في محاولة تخفيفية ولنفي الإحباط الذي قد يرافق أي توصيف قاسٍ وحقيقي مثل أنه واقع "انحطاط" أو واقع "تخلف". هذه نقطة ثانوية قد لا تكون مهمة، لكن الذي يلح على الذهن هو التساؤل عن خط المرجعية حضاريا وزمنيا وربما مكانيا والذي يُقاس على أساسه "التراجع"، تراجع عن ماذا؟
بيد أن أحد الموضوعات المهمة والكبرى والخلافية التي يتضمنها هذا الفصل وتعتبر أيضا فكرة أساسية في المشروع برمته هي اعتبار أن النهضة العربية في العصر الحديث شهدت محاولتين رئيسيتين، متساويتي الأهمية تقريبا كما يُقرأ من النص الذي بين أيدينا.
المشروع الأول هو المحاولة التحديثية التي قام بها محمد علي، لكنها أجهضت بسبب التدخل الخارجي والشروط والديون الأوروبية التي فرضت على محمد علي وأجبرته في النهاية على التوقف عن محاولته تلك.
اما المشروع النهضوي الثاني فيتمثل في المشروع الناصري وثورته التي، بحسب النص، "احدثت مكتسباتها استنهاضا لا سابق له لكل قوى الأمة وطموحاتها التحررية والقومية". وهنا من المفهوم بطبيعة الحال أن يحتل المشروع الناصري في أية رؤية قومية عربية موقعا مركزيا ومتقدما.
لكن ليس من المفهوم أن تُدرج الناصرية بكل خلافيتها في نص يروم تقديم "مشروع نهضوي عربي" يستلهم مقبولية التيارات السياسية والأيديولوجية الأساسية الأخرى في العالم العربي.
وكما ذكرنا سابقا فإن ادعاء النص التعبير "الجماعي" عن تيارات ورؤى متناقضة قاد إلى تقديم رؤية توافقية، أو بالأحرى تلفيقية، حاولت أن ترضي الجميع بصيغ دبلوماسية فضفاضة. بيد أن تلك الدبلوماسية لا يمكن أن تستطيع التعمية على المنعطفات والمحددات الأساسية في المصائر السياسية والأيديولوجية، لذا يشكل ادراج المشروع الناصري كحقبة أساسية وثانية "للمشروع النهضوي العربي" اللحظة التي تفترق عندها كل التيارات الأخرى مع التيار القومي.
فالتيار الإسلامي، خاصة الإخواني، الذي يغازله النص أحياناً، لكن يرتبك أمامه في أحايين أكثر، لن يقبل باعتبار الناصرية الإنجاز النهضوي العربي الوحيد في القرن العشرين، فكلاهما ناصب العداء للآخر عقودا طويلة. كما أن التيار الليبرالي، على ضعفه، لن يقر على الأغلب التقييم القومي في النظرة إلى المشروع الناصري وإعلائه إلى المستوى الذي يشير إليه النص، خاصة وان كثيرا من الليبراليين يحملون الناصرية مسؤولية مباشرة في وأد المرحلة الليبرالية على علاتها في مصر، ومسؤولية غير مباشرة في إغلاق الطريق أمام أي نهوض ليبرالي في المنطقة. بكلمة واحدة، من حق التيار القومي اعتبار ما يشاء وترسيم خطوط المستقبل لنضالاته بالكيفية التي يرتئيها. لكن ليس من حقه افتراض أن ذلك الترسيم مقبول من الجميع ويشكل أساسا لبناء "كتلة تاريخية" كما يأمل.
تستحق معالجة نص "المشروع النهضوي العربي" للإسلاميين ومشروعاتهم في المنطقة العربية وقفة مفصلة، فهي معالجة تتسم بالحيرة والارتباك. فهناك ابتداءً هاجس التميز حيث يجتهد النص لرسم خطوط واضحة تعبر عن الموقف القومي، لكن هناك أيضا هاجس التجميع والتنظير لبناء "كتلة تاريخية" تكون الرافعة للمشروع.
وفي نفس الوقت هناك الإرث التاريخي العدائي بين القومية العربية والإسلامية الإخوانية.
إضافة إلى هذا وذاك هناك افتراض ضمني في النص وعند كاتبيه بأن الرؤية القومية هي الطريق الأساس وما خلاها لا يتعدى سوى وجهات نظر أو رؤى سوف، أو يجب، ان تصب في المسار والاهداف التي يرسمها القوميون. يتكشف ذلك في مواقع عديدة في النص، وخاصة عند الاضطرار للحديث أو التلميح عن الإسلاميين. ومن ذلك ما يرد في هذا الفصل من تسجيل للمقاومات السياسية والفكرية الكبرى التي ردت ورفضت السيطرة الغربية أو حالة الضعف العربي العام أو الهزيمة أمام إسرائيل.
يورد النص أنه ردا على ذلك كله كانت هناك "ثلاثة ردود فكرية وسياسية نهضوية ... هي المشروع النهضوي في القرن التاسع عشر، والفكر القومي المعاصر بين الثلاثينيات والخمسينيات من القرن الماضي، ثم المشروع القومي الناصري في النصف الثاني من القرن نفسه". نلاحظ هنا أن النص أضاف مرحلة ثالثة للنهضة العربية ووسطها ما بين مشروع محمد علي ومشروع عبد الناصر، وهي حقبة الفكر القومي بين الثلاثينيات والخمسينيات. وهذه الإضافة محيرة لأنه لم يلحقها تفصيل، كما أنه لم يتم ترقيتها لتعتبر مشروعا موازيا للمشروعين المذكورين، وربما كان السبب في افتقادها إلى تعبير سياسي ومشروع على الأرض ينقلها من مجرد "النشاط الفكري" إلى التجسد السياسي. لكن لنقل إنه لم يكن المقصود هنا الإشارة إلى ما يمكن اعتباره "مشروع نهضة" بل أوسع من ذلك إلى ما يقع تحت وصف "رد الفعل الفكري والسياسي". وفي هذه الحالة، وهي على الأغلب ما قصده النص، ثمة مشكلة أخطر تبرز في وجوهنا وهي إقصاء ردود الفعل غير القومية من التحليل التاريخي للعقود قيد التأمل. أين رد الفعل الاشتراكي في بلدان مثل سورية، والعراق، والجزائر، وحتى اليمن الجنوبي، وهو رد الفعل الذي حمل شعارات مناهضة للإمبريالية وأعلن الوقوف ضد الأطماع الخارجية. هل نفهم هنا أن الرؤية القومية لا تعتبر الفعل الاشتراكي وحقبته ومناطق تجسده غير جدير بأن ينتمي إلى أي فعل نهضوي أو أقله أن يُصنف كرد فعل فكري وسياسي على ما واجهه ويواجهه العالم العربي؟ الحذف الثاني هو رد الفعل الإسلامي الأصولي. فكما نلاحظ تتوقف ردود الفعل الفكرية والسياسية عند المشروع الناصري، ومعنى ذلك انه منذ وفاة عبد الناصر سنة 1970 والعالم العربي ليس فيه ردة فعل فكرية وسياسية قوية وعلى الدرجة التي تؤهلها للاندراج إلى جانب ردات الفعل الثلاث المذكورة في النص. نعرف جميعا أنه منذ منتصف أو نهاية السبعينيات يسيطر المشروع الحركي الإسلاموي على جزء مهم من الرأي العام والشارع العربي، إن لم نقل الجزء الأهم. وكان حريا بالتحليل القومي أن يذكر هذه الحقيقة الموضوعية حتى وإن اختلف معها.
أما إن لم يعتبرها ردة فعل سياسية وفكرية نهضوية تقدمية فلنا أن نفهم أنه يعتبرها ردة فعل رجعية ولا تنتمي إلى النهضة، لكنه آثر أن يسكت عنها كليا ويترك الحقبة الزمنية من السبعينيات وحتى الآن تعاني من فراغ "ردات فعل"، وهذا يشير إلى ارتباك في التحليل وعدم وضوح رؤية. ومرد هذا، مرة ثانية، إلى المداراة الفكرية والأيديولوجية التي تورط فيها نص "المشروع النهضوي العربي"، فلا عاد يعبر بوضوح ومن دون مواربة عن رؤية قومية، ولا هو قدم مشروعا "جبهويا" تتساوى فيه التيارات والقوى السياسية والأيديولوجية ليس فيه أفضلية قيادية للرؤية القومية.
إمعانا في الحيرة والارتباك يتحدث النص أيضا عن ضرورة عدم اليأس وأن "قوى المقاومة الحية في الأمة ما زالت قادرة على صد موجات التراجع"، ويشير إلى "انتفاضة الحجارة" في فلسطين في أواخر الثمانينيات، وإجبار "المقاومة الفلسطينية الحكومة الإسرائيلية على إخلاء قطاع غزة وتفكيك مستوطناته العام 2005"، وإلحاق هزيمة بالكيان الصهيوني العام 2006 في جنوب لبنان، و"تمكن المقاومة العراقية من تعويق المشروع الأميركي في العراق...". لكن النص يتفادى القول إن هذه "القوى الحية" هي عمليا القوى الإسلامية التي لا تتفق ايديولوجيا مع الرؤية المؤسسة لـ "المشروع النهضوي العربي".
وفي كل الحالات المذكورة كانت مساهمة التيار القومي في "القوى الحية" متواضعة في أحسن الأحوال، وحتى لا نقول منعدمة.
يعمل فصل "في ضرورة النهضة" على وصف مظاهر التراجع العربي الذي يدفع إلى وجوب الاستنهاض. وهنا أيضا هناك تحليلات غير دقيقة. فمثلا يشير إلى مظهر تزايد وتائر الاستبداد والتسلط في النظم السياسية العربية، فيما يمكن القول إن هناك راهنا انفتاح نسبي في معظم البلدان العربية مقارنة بحقب بعقود ما قبل التسعينيات. كما أن تحليل السياق العالمي مقصور على حقبة الثمانينيات وما بعدها، ولا يحلل العقود التي سبقت وكان فيها التيار القومي وشعاراته الوحدوية هي الطاغية في الساحة. لكن هناك مقاربة عملية وموضوعية لمسألة العولمة نناقشها في المقالة القادمة.
 
         3 - سياق العولمة
  
يتعامل "المشروع النهضوي العربي" مع موضوعة العولمة بشكل أيجابي وأكثر عمقا من قراءات كثيرة لكتاب قوميين نظروا للعولمة نظرة عدائية بحتة ولم يروا فيها سوى تحول من تحولات الإمبريالية الرأسمالية (مثل جلال أمين ومنير الحمش وكثيرون غيرهم). فهنا يقول النص: "وإذا كان صحيحا أن العولمة الراهنة تكشف عن ذروة من ذرى تطور النظام الرأسمالي العالمي، فإن التاريخ سيتجاوز هذه اللحظة، وسيكشف المستقبل المنظور أن العولمة ستتجاوز شروط نشأتها لتصبح عملية عالمية واسعة المدى، ستنقل الإنسانية كلها إلى آفاق عليا من التطور الفكري والعلمي والتكنولوجي والسياسي والاجتماعي... (وأنها) ستحدث آثارا إيجابية لم تكن متصورة لدى من صمموا عملية العولمة... فالعولمة عملية تاريخية غير قابلة للارتداد، وبذلك يُعد منطقا متهافتا ما يدعو إليه البعض من ضرورة محاربتها". هذا النص، وبتجاوز التلميح التآمري التسطيحي لفكرة "تصميم العولمة"، ينقل الرؤية القومية إلى أفق جديد أكثر رحابة في التعامل مع العولمة من ردود الفعل الأولية المتشجة التي تورطت فيها نخب قومية وعربية كثيرة.
يأتي تناول مسألة العولمة في إطار قراءة وتحليل السياق العالمي والإقليمي الذي حدث في قلبه التدهور العربي العام واستمر. وهو تحليل طغت عليه الآنية على حساب المنظور الاستراتيجي والتحليل السياسي للوضع الراهن الذي ما زال قيد التشكل، إضافة لعدم توازن حجم الاهتمام المُعطى للحقب والعقود الزمنية. فالقارئ يتوقع تحليلا يجمل السياق العالمي والإقليمي منذ "تجربة النهضة الأولى" لمحمد علي مرورا بـ "تجربة عبد الناصر في النهضة الثانية" وصولا إلى الوضع الراهن. لكن التحليل الذي يقدمه النص يمر سريعا على حقب زمنية واسعة، ليتوقف بإسهاب في حقبة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسيطرة الولايات المتحدة على السياسة العالمية وصولا إلى نزعة الهيمنة الامبرطورية عند إدارة جورج بوش، ثم التغير الحاصل عند إدارة أوباما. لنتأمل مثلا هذا الاقتباس الذي يحلل للموقف الأميركي بعد غزو العراق عام 2003 وغرقه في التوصيف الذي ما زال قابلا للتغيير، وربما التغيير الحاد"... وبدا لوهلة أن الولايات المتحدة تشقّ طريقها بثبات نحو تحقيق الهيمنة على الوطن العربي. غير أن المقاومة العراقية والأوضاع الاقتصادية المتدهورة في الولايات المتحدة أوقفت تقدم المشروع الأميركي، وبدأت عوامل عالمية أخرى في التبلور على النحو الذي يؤيد وجهة النظر التي تنبأت بعودة قيادة النظام العالمي الى نموذج التعددية، فواصلت القوة الصينية تقدمها بثبات، واستعادت روسيا الاتحادية في ظل قيادة بوتين مقومات قوتها العسكرية، وتجاوزت محنتها الاقتصادية، وبدأت في تبني سياسة تعكس مصالحها الوطنية، بما أفضى إليه ذلك من تعقيدات في العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة بصفة خاصة. يضاف إلى ذلك، عودة اليسار إلى السلطة في بلدان أمريكا اللاتينية، عبر صناديق الاقتراع. وإذ رفعت هذه العودة العزلة عن كوبا وفنزويلا، أذنت بتحجيم النفوذ الأميركي في القارة اللاتينية التي كانت حديقة شبه خلفية لذلك النفوذ، وبكسر حلقة الاطباق الأميركي على مصائر شعوب وبلدان العالم الثالث، وتوسعة رقعة الممانعة الدولية للسياسات العدوانية الأميركية في العالم. ولا شك أن مجيء الادارة الأميركية الجديدة في مطلع 2009، وخطابها السياسي التصالحي، وبعض مبادراتها تجاه بعض الخصوم، قد أفضى إلى تراجع التوتر في عدد من الساحات التي شهدت أقصى درجات العدوانية الأميركية في عهد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن. ومع ذلك، فإن إمعان النظر يظهر أن المحصلة النهائية لهذه التطورات لم تمس جوهر السياسات الأميركية، ناهيك عن التمسك بالتصعيد في أفغانستان، الأمر الذي يؤكد من جديد أن مفتاح التغيير إلى الأفضل بيد العرب وحدهم".
مشكلة الاعتماد على هذا التحليل انه يقوم على عناصر متحركة في السياسة وقابلة للتغيير والنقض والتناقض، وان استبطانه كخلفية في صياغة رؤية مستقبلية بعيدة المدى تثير أسئلة كثيرة حول المنهج، فضلا عن غموض السيناريوهات التي ما زال العالم يقف على مفترق طرقها. فمثلا يرى النص كيف أذنت التحولات بكسر حلقة الإطباق الأميركي على مصائر شعوب وبلدان العالم الثالث، وتوسعة رقعة الممانعة الدولية للسياسات العدوانية الأميركية في العالم. من وجهة نظر استراتيجية هناك عدم دقة في هذا التوصيف. ففي حقبة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتشار العولمة تحركت كتل بشرية هائلة باتجاه "الأمركة" من ناحية سياسية وثقافية وتموضع استراتيجي، وأهم تلك الكتل الهند بمليارها السكاني. إضافة إلى التوسع الاميركي السياسي والاستراتيجي في شرق اوروبا ثم في آسيا الوسطى وعلى الحدود الروسية. وهناك توسعات اخرى في افريقيا تحدث على حساب النفوذ الفرنسي التقليدي، في وسط وغرب القارة مثلا. أي ان حلقة "الاطباق الاميركي" توسعت ولم تتحجم. كما أن صعود الصين وقوة روسيا بوتين قد توفر وقد لا توفر مساحات إضافية لقوى الممانعة للسياسة الأميركية. فهذه القوى الكبرى لها مصالح عملاقة ليس بالضرورة ان تتناقض كليا في المنطقة العربية بما يوفر انشقاقات وتضارب يتيح فرص مناورة عربية أو حتى عالم ثالثية. المثل الأهم هنا هو الملف النووي الإيراني الذي تزداد مساحات التوافق الدولي (الأميركي، الاوروبي، الصيني، الروسي) على نوع السياسة الجماعية التي يجب تبنيها. النقطة المهمة هنا هي انه بغض النظر عن صوابية ودقة أي تحليل راهن فإن منهجية الاعتماد عليه تظل موضوع شك كبير بسبب طبيعة الظرف الدولي المتغير. فضلا عن ذلك هناك علامة تعجب إضافية هنا إزاء حقيقة عمق وطول النقاش الذي حظي به "المشروع النهضوي العربي" إذا اخذنا بالاعتبار الغلبة البارزة فيه لراهنية تحليل "السياق العالمي والاقليمي". فبحسب مقدمة المشروع نفهم أن النقاشات والحوارات التي رافقت صياغته تمتد إلى عشرين سنة تقريبا، حيث بدأت ارهاصاته في اواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. إذا كان الأمر كذلك كيف يمكن أن يتم التوسع في تحليل جله الأكبر متعلق بآخر عدة سنوات فقط، في حين انه من المؤكد أن النقاشات في حقبة التسعينيات مثلا لم تكن تُستنفد في سياسات جورج بوش وبوتين وصعود الصين وحرب العراق الثانية، وسوى ذلك مما هو راهن حاليا؟
لكن بعيدا عن كل ذلك من المهم القول إن خلاصة تحليل السياق العالمي والاقليمي المحيط بالتدهور العربي كانت جريئة ومهمة إذ تقول: "... الأمر الذي يؤكد من جديد أن التغيير إلى الأفضل هو بيد العرب وحدهم". بهذه الخلاصة في ربط عناصر البيئة الاقليمية والدولية بما يحدث وما يمكن إحداثه عربيا يقطع الفكر القومي ورؤيته للمستقبل مسافة مهمة إلى الأمام بتركيزه على العامل الداخلي وعدم انتظار التغيير من الخارج، وهي خلاصة كان بالإمكان بلورتها بشكل اكثر وضوحا وأكثر ترسخا، عوض الغرق في تحليلات سياسية قريبة من التحليلات الصحافية اليومية في التمهيد لها.
 
        4- الأهداف الستة
  
تحت عنوان فرعي يحمل "طبيعة المشروع النهضوي وأهدافه"، يحدد المشروع النهضوي العربي، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية مؤخراً ويجسد الرؤية القومية لنهوض العرب، ست معضلات أساسية فرضت نفسها على الواقع العربي منذ قرنين هي: الاحتلال، والتجزئة، والتخلف، والاستغلال، والاستبداد، والتأخر التاريخي. ويقدم "المشروع النهضوي" نفسه باعتباره ردا على هذه المعضلات، التي يتصدى لها عبر الإعلان عن اهداف ستة هي التالية: "الاستقلال الوطني والقومي هو الجواب التاريخي عن حالة الاحتلال. والوحدة القومية هي الرد الاستراتيجي على التجزئة الكيانية ... والتنمية المستقلة هي بديل التخلف ... والعدالة الاجتماعية هي نقيض الاستغلال والفوارق الضخمة ... والديموقراطية هي السبيل الوحيد لمشاركة الأمة في صنع مستقبلها. والتجدد الحضاري هو الحل لمعضلة التأخر التاريخي والانحطاط". هذه الاهداف الستة هي التي "تؤسس المشروع النهضوي العربي وتحمل على الحاجة إليه". ثم يشير النص إلى ان هذه الأهداف ليست جديدة وأنها "لازمت مسيرة الفكر والعمل السياسي العربيين منذ القرن التاسع عشر"، وهي "لم تتبلور كأهداف كاملة مترابطة إلا في هذا المشروع النهضوي".
يقود التأمل في منهجية صوغ المعضلات والاهداف التي وُضعت لمواجهتها (أو الآليات بالأحرى) إلى طرح عدة نقاط منهجية ومهمة. سوف نتجاوز هنا مناقشة قائمة المعضلات نفسها وفيما إن اتخذت طبيعة حصرية، والتساؤل عن "أحقية" بعضها في الانضواء في هذه القائمة، وكذا تعريفها الدقيق وفيما إن كانت معضلة أم لا، وفيما إن كان الهدف المعلن لحلها عمليا أو غائيا. فهنا من حق الرؤية القومية ان ترى ما تراه في سياق إعلان المانفستو الخاص بها. إضافة إلى ذلك فإن "المشروع النهضوي" يتوسع في معظم هذه العناوين في فصوله اللاحقه وسوف تُناقش تباعاً وبالتفصيل عند الوصول إليها. لهذا سوف يجري النقاش والنقد هنا من داخل منطوق النص والإشكاليات التي يطرحها، والفرضيات العدة التي يستبطنها وتخص الآخرين.
اهم فرضية تستثير النقاش، والتعجب، ويترتب عليها استنتاجات معرفية وعملية غير صحيحة هي القول إن الأهداف التي يطرحها النص "لم تتبلور كأهداف كاملة إلا في المشروع النهضوي العربي"، مع الإشارة إلى وجود شكل من اشكال الترابط فيما بينها تبلور في برنامج الثورة المصرية. هذه المقولة ليست صحيحة فـ "المعضلات" و"الأهداف" المذكورة هي جوهر السجال العربي الداخلي الفكري والسياسي والأيديولوجي على امتداد القرنين من الزمان التي يشير إليهما النص. والاهداف التي يبلورها المشروع النهضوي العربي حصريا كرؤية خاصة به، مركزا على جدة هذه الرؤية في التشديد على طبيعة ترابط تلك الاهداف وعلاقتها العضوية مع بعضها البعض، هي نفسها التي طرحتها حركة القوميين العرب، وهي نفسها التي طرحها حزب البعث بشقيه السوري والعراقي. وهي تقريبا نفسها مع اختلاف الوصف والتعبير التي طرحتها ايضا التيارات الإسلامية.
والمناورة اللغوية التي يقوم بها النص لتوكيد ما يمكن ان نسميه "الرغبة في حصر الملكية الفردية" لهذه الأهداف بالمشروع النهضوي لا تغير الحقائق والسياقات التاريخية. تتجلى تلك المناورة اللغوية بنسب هدف مركزي محدد إلى كل واحد من التيارات والمشروعات السياسية الأخرى، فيما يأتي المشروع النهضوي ليجمع كل تلك الأهداف ويشتغل على طرحها معاً ومن دون التركيز على واحد منها وإهمال الآخرين. يقول النص: "فقبل المشروع النهضوي كانت كل نخبة فكرية وسياسية تشتغل تحت عنوان هدف بعينه دون سواه: كانت الوحدة الهدف الاساسي للنخب القومية (ثم اضاف عبد الناصر الاستقلال والتنمية). وكانت العدالة الاجتماعية الهدف الرئيس للنخب اليسارية. والحرية (الديموقراطية) هدف النخب الليبرالية. وحفظ الهوية من التبديد هدف النخب الإسلامية. وكل واحدة من هذه النخب تحسب الهدف، الذي أقامت عليه مشروعها الفكري والسياسي، المفتاح الوحيد للجواب عن معضلات الواقع العربي غير آبهة بغيره من الأهداف". ثم يخلص النص إلى أن الخطأ "كان في التعامل معها كأهداف متمايزة ومنفصلة ومتعارضة .. وعلى ذلك، يمثل المشروع النهضوي العربي تصحيحا وتصويبا لتلك الرؤية وإعادة بناء وصياغة للعلاقة بين تلك الأهداف".
هذا التوصيف وبافتراضاته المتعددة هو تخيلي وليس تاريخيا، ويسهل الوصول إلى نتيجة مسبقة، ما يمكن الوصول إليها لو واجه التحليل حقيقة التعقيد التاريخي. فهنا سيبدو مقنعا وسلسا وجذابا ترسيم تيارات الحركة السياسية والفكرية العربية خلال العقود الماضية وكأن كلا منها منهمك في تحقيق هدف مركزي واحد "غير آبه بغيره من الأهداف" ليأتي المشروع النهضوي العربي ويلتقط ما غاب عن اولئك جميعا جامعا تلك الأهداف في رؤية واحدة. فهنا يمكن القول بقدر كبير من الثقة إن الوحدة مثلا لم تكن الهدف المركزي الوحيد للنخب القومية، بل إن مقاومة الاستعمار وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق التنمية المستقلة احتلت مواقع متقاربة ومتساوية وأحيانا تقدم بعضها على هدف الوحدة شعارا وممارسة. وفضلا عن مثال القومية الناصرية، فإن سياسات وشعارات حزب البعث في سورية والعراق حامت على الأقل حول ثلاثة اهداف أساسية "وحدة، حرية، اشتراكية"، وعلاقتها العضوية مع بعضها البعض شديدة، ويتناسل عنها اهداف اخرى لو صيغت لغويا لأنتهت إلى قائمة لا تبعد كثيرا عن الأهداف الستة المعلنة هنا في المشروع النهضوي العربي ما عدا هدف الديموقراطية كرد على معضلة الاستبداد.
وليس دقيقا أيضا حصر التيارات الماركسية بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية وافتراض أنها "لم تكن آبهة بغير ذلك من الأهداف". ففي قلب شعارات وإعلانات الماركسية العربية كانت اهداف الحرية، ومقاومة الاستعمار، وتحقيق التنمية المستقلة، وما يمكن أن يفهم منه ايضا التجدد الحضاري بحسب ترسيم المشروع النهضوي العربي (على غموض هذا الهدف)، وكذلك "الديموقراطية المركزية" التي كان هدفها "مشاركة الشعب في صنع مستقبل الأمة".
وذات الأمر ينطبق على التيارات الإسلامية التي حصر أهدافها نص المشروع النهضوي العربي بـ "حفظ الهوية من التبديد"، ففي هذا ابتسار شديد وغير موضوعي. فهذه التيارات طرحت وتطرح اهدافا تتعلق أيضا بمقاومة الاحتلال، والوحدة (ليس فقط العربية بل والإسلامية كذلك)، وتوسعت شعبياتها في بلدان عربية كثيرة بسبب اهداف العدالة الاجتماعية التي تطرحها، ولا يقل تركيزها على هدف التنمية المستقلة عن التركيز القومي، وهو على العموم تركيز على مفهوم غامض قد يقود إلى تعزيز الانغلاق وسوف نأتي عليه لاحقا.
خلاصة ذلك أن المنهجية التي يتبعها نص المشروع النهضوي العربي في صياغة المعضلات ثم الأهداف وحصر ملكية اكتشاف علاقاتها العضوية ببعضها البعض وتبنيها كمجموعة، ثم حرمان التيارات الأخرى من ذات الممارسة والإعلان، تؤدي إلى نتيجة معرفية وعملية مقلقة وخطيرة هي التالية: هناك توصيف غير دقيق لتطور الفكر والسياسة العربيين يقود إلى خلاصة غير دقيقة مفادها محاولة إعادة اختراع العجلة. الأهداف التي يعلنها المشروع النهضوي العربي هي التي حاولت المشروعات الأخرى تحقيقها ولم تفلح، فما هو الجديد هنا ولماذا سوف تنجح نفس الأهداف عندما يعلنها المشروع الذي بين أيدينا؟ إن افتراض عدم نجاح تلك الأهداف لأنها لم تكن مجموعة معا، اوكانت مجزأة على التيارات السياسية والفكرية العربية هو افتراض لغوي وليس حقيقيا، ويقود إلى تحليل رغائبي وليس تاريخيا، وفيه افتراض أن الشكل التجميعي الجديد لتلك الأهداف هو إضافة نوعية تساعد على تحقيقها.
 
 
       5-"التجديد الحضاري"
  
التجدد الحضاري كما يعبر عنه نص "المشروع النهضوي العربي" يعني التالي: "أن يكتسب العرب، اليوم، وسيلة لإطلاق ديناميات التقدم والتجدد في عمرانهم الاجتماعي والثقافي على النحو الذي يؤهلهم للحاق بغيرهم من الأمم المعاصرة التي أخذت بحظ من المدنية والكونية، وعلى النحو الذي يحفظ لهم خصوصيتهم الثقافية والقيمية". وحول مفهوم "التجدد الحضاري" وفي الفصل الذي يحمل هذا العنوان نقرأ الرؤية القومية العربية لهذه المسألة الشائكة، ومعبراً عنها بالأسباب الدافعة للتجدد الحضاري ثم الأهداف التي يستوجب تحقيقها لإنجاز التجدد المنشود، وصولاً إلى ما يسميه النص "نسق قيم نهضوي". هناك سببان يقدمهما النص يدفعان للتجدد الحضاري، الأول هو "ما يعانيه الوطن العربي تأخراً فادحاً في البنى الثقافية والاجتماعية نتيجة تراكمات حالة الانحطاط المزمنة فيه والمنحدرة منذ قرون"، والثاني "ما يعانيه الوطن العربي أشكالاً بائسة من الحداثة الرثة في البنى نفسها ... نتيجة اصطدامه بالغرب، وما أحدثه ذلك الاصطدام من ظواهر شوهاء في بناه".
في مُقاربة "التجدد الحضاري" التي يطرحها "المشروع النهضوي العربي" ليس هناك في الواقع "تجدد" فكري يخرج عن ما تداوله المفكرون والمثقفون العرب خلال قرنين من الزمن إزاء معضلة التخلف الحضاري وكيفية الخروج من المأزق التاريخي الذي يواجهه العرب. الطروحات الفكرية العربية التي يمكن أن نقول إنها شكلت التيار الرئيسي في الفكر العربي الحديث نادت منذ زمن بعيد بالمزاوجة بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة، بين الاستفادة من آفاق تجربة الحضارة العربية الإسلامية في أزمان ازدهارها، والاستفادة من الحضارة الغربية، وهكذا. إلى جانبها تواجدت بطبيعة الحال أفكار متطرفة في كل الاتجاهات، رافضة لهذا الجانب من الثنائيات أو ذاك ومشددة على الأخذ بالجانب المُضاد بكليته. لكنها كانت هامشية وبقي التيار الرئيسي للأفكار يحوم حول فكرة المزاوجة والتأليف بين الثنائيات. قليلون هم الذين رفضوا الغرب والحداثة والاستفادة منهما بهذه الدرجة أو تلك، حتى في أوساط عتاة الأصوليين. وقليلون من نادوا برفض التراث جملة وتفصيلاً والانقطاع عنه، حتى في أوساط عتاة الحداثيين. لكن "المشروع النهضوي العربي" يعيد موضعة نفسه في ذات المكان الذي وقف فيه مفكرون قوميون عرب منذ أكثر من قرن ونصف، حيث يُطالب بـ: "... تجدد حضاري يعيد استلهام كل ما هو نير وعظيم ومفيد في خبرتنا التاريخية الحضارية من جهة، ويعيد تأصيل كل ما هو متقدم وناجع وباعث على الانتهاض في المدنية الغربية من جهة ثانية، كي يكوّن منهما نموذجاً حضارياً متوزاياً - على نحو ما فعلت اليابان والصين".
والسؤال الذي يبرز هنا، مرة ثانية، هو لماذا لنا أن نتوقع مساراً ومستقبلاً جديداً آخر لأطروحة "التجدد الحضاري" كما يطرحها "المشروع النهضوي العربي" غير المسار المتعثر، حتى لا نقول الفاشل، الذي واجهها خلال العقود الماضية؟ فكرة المزاوجة، والوسطية، والنظر النقدي للتراث والماضي، وللحداثة والغرب، ليست جديدة وتكاد تكون الفكرة التي يتبناها الجميع ابتداء من الحكومات في العالم العربي، إلى الأحزاب والجماعات والحركات والمفكرين بمختلف التلاوين. ومع ذلك لم تحقق هذه الفكرة "التجدد الحضاري" الذي يتأمله الجميع. وأن يعود علينا "المشروع النهضوي العربي" بنفس الفكرة بعد مداولات وتأملات دامت خمس عشرة سنة أو أكثر فإن ذلك لا يقدم الشيء الكثير.
حتى يتم إنجاز "التجدد الحضاري" المنشود لا بد من تحقيق أربعة أهداف على الطريق، كما يشير نص "المشروع". أولها "ممارسة نقد مزدوج لسلطتين مرجعيتين تحكمان الوعي العربي منذ قرنين، وتمارسان عليه تأثيراً هائلاً إلى الحد الذي تشلان قدرته على التجديد أو التأصيل، هما: التراث والغرب". وثانيها "عدم السقوط في نظرة عدمية إلى التراث وإلى الغرب معاً بدعوى نقدهما ... والبحث عن أفضل السبل إلى بناء علاقة صحيحة وصحية بكل منهما". وثالثها: "إنهاء حالة النزاع داخل المجتمع العربي وفي أوساط نخبة بين العروبة والإسلام وإعادة إدراك الهوية في بعدها التركيبي الجامع ...". ورابعها: "حماية ما في الأمة من تنوع ثقافي مصدره روافد ثقافية شعبية متنوعة في المجتمع العربي واعتبار هذا التنوع عامل إخصاب وإغناء للثقافة العربية ينبغي استثماره، لا عامل انقسام وتهديد ينبغي وأده باسم الوحدة الثقافية". هذه الأهداف جذابة ووسطية وربما لا يختلف حولها وعليها كثيرون. لكنّ هناك تعميماً وغائية تجعل من الصعوبة قياس إنجاز تحقيق الهدف من ناحية، والأهم منه قياس درجة الارتباط بين تحقيق هذه الأهداف المعلنة وحصول "التجديد الحضاري". فالهدف الأول وهو ممارسة نقد للتراث والغرب هو أمر حصل في السابق ويحصل اليوم بلا انقطاع. وهناك مشروعات فكرية عميقة في طول وعرض العالم العربي خلال العقود الماضية اشتغلت على هذا النقد، ومع ذلك لم يتحقق "التجدد الحضاري". ما هو النقد الجديد والمختلف الذي يطرحه "المشروع النهضوي" لمرجعيتي التراث والغرب الحاكمتين للوعي العربي والذي يمكن ان يعيد موضعة المسار العربي على سكة النهضة؟ والهدف الثاني الذي يريد المشروع تحقيقه لإنجاز "التجدد الحضاري" يتعدى تفادي الوقوع في عدمية نقد التراث والغرب، بل بناء "علاقة صحيحة وصحية" بكل منهما. ومرة ثانية هذا الهدف هو ما كان يأمل الوصول إليه كثير من المفكرين والأحزاب والجماعات على مدار زمن طويل، وليس بالجديد، ومع التأكيد بأن النظرة العدمية للغرب أو التراث لا تشكل التيار الفكري والسياسي الأساسي في العالم العربي، وبالتالي لا يستحق "التخلي عنها" أن يكون هدفاً بحد ذاته. أما الهدف الثالث وهو "إنهاء حالة النزاع ... بين العروبة والإسلام" فهو أيضاً تنظير كلاسيكي وتفكير رغائبي اكثر منه تحليلياً. فابتداء اتخذت حالة النزاع هذه (والتي كانت محور النقاشات القومية ــ الإسلامية عند بدايات التفكير في "المشروع النهضوي العربي" في أواخر الثمانينيات) أشكالاً اخرى. فمن ناحية صارت حالة نزاع بين الإسلام السني والإسلام الشيعي، ومن ناحية ثانية تبلورت حالة نزاع إسلاموية ــ علمانية، عدا عن حالات الصراع الإثني والقومي (في العراق، السودان، وموريتانيا ...). وهذه النزاعات ذات طبيعة عملية وواقعية ودموية على الأرض، ويحتاج "المشروع النهضوي العربي" أن يقدم مقاربته تجاهها لا أن يحصر نفسه في إشكالية صارت تتخذ شكلاً نظرياً وكلاسيكياً أكثر منه عملياتياً. وفي الهدف الرابع الذي يدعو إلى "حماية ما في الأمة من تنوع ثقافي ..." نلمس نفس التوجه التمنياتي الذي ربما لا يختلف عليه أحد. لكن المشكلة هنا أن هذا الانحياز للتنوع الثقافي الذي يتمناه وينادي به الجميع سرعان ما يتحطم أمام أي تجربة عملية. والسؤال الصعب والمطروح هو كيفية تحويل ذلك التمني إلى ثقافة مجتمعية فضلاً عن أن تكون سياسات أنظمة وتنظيمات.
 
       6- ضرورة الوحدة
  
الفصل الثالث في كتاب أو مانفستو "المشروع النهضوي العربي" الذي يقدم الرؤية القومية الراهنة لأزمة ثم نهضة العرب يحمل عنوان "الوحدة" ويتحدث عن ضرورتها الوجودية. ويعلن في مقدمة الفصل أن "قضية الأمة العربية منذ ميلاد الوعي القومي المُشتبك مع حركة التتريك وإلى حد الآن هي تحقيق التوحيد القومي". ويؤكد النص مركزية الوحدة العربية بشكل قاطع لا لبس فيه لأنه "لا نهضة للأمة من دون وحدتها القومية"، مستطردا "إن الوحدة ضرورة حيوية ووجودية للأمة العربية ... ليست فقط لأننا أمة لها عوامل توحيدية من مواريث تاريخها، بل أيضا لأننا نحتاج إليها من أجل التنمية ورفع مستوى المعيشة للمواطن، ومن أجل حماية الشعب والدفاع عن الوجود القومي والمصالح المشروعة، خاصة في عالم تتزايد فيه التكتلات الكبيرة كضرورة للمنافسة والبقاء".
يشير "المشروع النهضوي العربي" ايضا إلى تاريخ الفشل في تحقيق الوحدة العربية المنشودة، سواء بين الأقطار العربية مجتمعة، أو على مستوى ثنائي (تجربة الوحدة المصرية ــ السورية في الستينيات)، أو على مستوى التجمعات الإقليمية الشاملة (مثل الجامعة العربية) أو الجزئية (مثل اتحاد المغرب العربي، أو مجلس التعاون الخليجي، أو مجلس التعاون العربي). لا يتوقف النص كثيرا عند أسباب ذلك الفشل، كما لا يتطرق لمحاولات فرض الوحدة بالقوة على طريقة صدام حسين، لكنه يقر بأن مياها كثيرة جرت تحت جسور العرب والعالم، وتحولات كبرى وقعت تفرض "الحاجة إلى إعادة وعي مسألة الوحدة في ضوء معطياتها وتحدياتها، واشتقاق الصيغ والأساليب المناسبة لتحقيقها".
وفي مكان آخر يعيد النص التأكيد على منطلق الاستفادة من تجارب الإخفاق الماضية، واستيعاب التحولات الكونية التي تفرض نفسها على العرب كما غيرهم بما يفترض "إعادة صوغ مطلب الوحدة في ضوء دروس الماضي ومتطلبات المستقبل، وذلك من خلال تجاوز الأسباب الذاتية التي أعاقت المشروع القومي الوحدوي على أسس صحية وواقعية".
التأكيد المستمر على ضرورة إعادة النظر في مسألة الوحدة استنادا إلى دروس الماضي وتحولات الحاضر مدخل متوقع ومقدر في آن معا، ولا مناص عنه بطبيعة الحال، ويفرض نفسه كأداة تحليلية لمضمون الطرح الذي يحمله فصل "الوحدة" في المشروع النهضوي العربي. بمعنى آخر سوف يتم التأمل في أفكار وافتراضات وسيناريوهات "الوحدة" كما ترد في النص من منظور تطبيق أو عدم تطبيق مدخل "الاستفادة من دروس الماضي" و"استيعاب التحولات الكونية". وهذا سيقودنا إلى معرفة ما إن كان النص الوحدوي العربي يعيد إنتاج ذاته الغائية والمتجاوزة التي نعرفها منذ الخمسينيات والستينيات، أو أنه يطرح صيغة جديدة كليا تتواءم مع التغيرات والتحولات وعملية وواقعية.
احد دروس الماضي القريب والمرير بشأن الوحدة العربية يشير إلى ضرورة التخفف من الرطانة واللفظية ذات النبرة العالية لما تحمله من طاقة تخويفية من ناحية، وما تثيره من عدم واقعية. وأحد مفردات ذلك التخفف هو الكف عن استخدام لفظة الوحدة العربية والتعويض عنه بالتعاون الإقليمي العربي، أو الاتحاد الفيدرالي العربي أو سوى ذلك. تعبير الوحدة العربية يعني مباشرة الوحدة الاندماجية والتخلي عن السيادات وهما أمران يضربان في جوهر "قداسة" النظام العربي القائم على فكرة الدولة السيادية الحديثة. أي شكل من أشكال التوحد بين الكيانات السياسية هو تطور طبيعي تفرضه الظروف والمصالح، لا الأيديولوجيا والإرادوية. وكلما اقترب الفكر القومي أو أي فكر آخر من الصيغة الأولى لإدراك التطور، وابتعد عن الثانية ــ أي عن رسم النهايات المثالية لواقع هش، فإنه يلقى استقبالا أفضل لدى الشرائح التي يستهدفها.
والدرس الثاني الذي لا يخفى على صاغة المشروع النهضوي العربي هو تكرس مبدأ السيادة الوطنية ــ القطرية وشبه استحالة تجاوزه، وتعمق شبكة العلاقات القطرية العربية مع دول العالم، وخاصة القوى الكبرى، على قاعدة السيادة والاستقلال القطري، بما يوفر لهذه السيادات حماية دولية وأممية تتجاوز نطاق العرب والعروبة.
وتفاقم هذا مع واقع الضعف والإنهاك المتواصل لما يمكن أن يعتبر رؤى مشتركة حقيقية وليس مجاملاتية بين النخب العربية، سواء أكانت سياسية ام أمنية، أو تبلور أهداف اقتصادية وتنموية متناغمة، أو مقاربات ثقافية وحتى دينية متقاربة. وهكذا تتفاوت الأهداف السياسية، وطبيعة التحالفات الإستراتيجية التي تقوم عليها، بين الدول العربية، وهو تفاوت مشهود منذ بداية عصر الاستقلال. لكن صمود ذلك التفاوت نقله بثبات وترسخ إلى الشعوب العربية التي أصبحت بعد عقود طويلة من ذلك الاستقلال أقرب إلى "دين ملوكها" وعلى غير ما كانته في بدايات "الوعي القومي". لا يستطيع أحد الزعم بأن الخلافات السياسية وأنماط التحالفات الإستراتيجية والاقتصادية المتناقضة التي تتبناها الأنظمة العربية محصورة فقط في دوائر النخب الحاكمة. بل إن الأمر في حقيقة اختلافاته القطرية يشمل النخب الاقتصادية والفكرية والإعلامية والمزاج الشعبي. لقد تكرست "قطرية" ما بعد الاستقلال خلال عقود طويلة، وتعمقت. صحيح أن هناك وجدانا عربيا مشتركا يبرز على السطح في المناسبات الكبرى، خاصة الكارثية، على شكل تضامن عاطفي، لكن هذه المشاعر العاطفية تتوقف عند حدودها الخاصة بها، واستمرار تضخيم اعتبارها عاملا مؤشرا على الوحدة العربية يعد كارثة ابستمولوجية لم تستفد من "دروس الماضي، وتحولات الحاضر". فالحساسيات المتبادلة بين الشعوب العربية، ومرة اخرى ليس بين النخب الحاكمة فقط. تصل في أحايين كثيرة إلى أمدية مدمرة وتنتج على قضايا سخيفة (أنظر مثلا تطور الحساسية المصرية ــ الجزائرية بسبب كرة القدم، حتى لا نذكر الحساسية الكويتية والخليجية ــ العراقية بسبب الغزو الصدامي).
يقر "المشروع النهضوي العربي" أنه "لا تكون الوحدة هدفا مطلوبا لدى الأمة إلى متى وجدت هذه مصلحتها فيها. فحين تكون الوحدة إطارا لتحقيق السوق القومية، وتعظيم الثروةة وتحسين شروط المعيشة للمواطنة وتوفير الحقوق المدنية والسياسية وكفالتهاة وتحقيق المشاركة السياسية، وتوزيع الثروة توزيعا عادلا بين الطبقات والفئات والمناطق، وتعزيز الأمن القومي ...، تكون حينها قد قدمت جوابا على معضلات المجتمع العربي، وتكرست هدفا تناضل من أجله الأمة جمعاء". وهذا الإقرار ربما كان الأهم والأدق موضوعيا ومن ناحية التحليل السوسيولوجي والسياسي، ويبتعد عن المثالية والإرادوية التي وسمت أجزاء أخرى من فصل "الوحدة" في النص. الوحدة تكون مطلوبة إن حققت أهدافا ومصالح ملموسة على الأرض شعر بها الأفراد، وطالبوا بها لأنها تحقق لهم تلك الأهداف والمصالح. وهذا كله مرتبط بطبيعة الحال بشرط تكويني شارط لأية عملية وحدوية وهي الديموقراطية وقيام تلك الوحدة على الرغبة الشعبية، عن طريق الاستفتاء. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن هذا الشرط الأخير، شرط الرغبة الشعبية ودور ورأي الشعوب العربية في الوحدة المنشودة يبرزه "المشروع النهضوي العربي" بشكل جلي وقاطع. وهو تطور كبير وإيجابي يترك خلفه أي طروحات أو احتمالات بقيام تلك القوة أو أجزاء منها بالقوة والفرض القسري. يقول النص في تأكيده هذه النقطة: "لكن الوحدة التي نتطلع إليها ... لا يمكن إلا أن تقترن بالديموقراطية من وجهين: من حيث تقوم بواسطة الرضا الشعبي، ومن خلال الاختيار الحر الديموقراطي (عبر الاقتراع أو الاستفتاء)، فلا تأتي بصورة فوقية أو انقلابية أو عن طريق الإلحاق القسري، ثم من حيث تنطوي في تكوينها على مضمون ديموقراطي تقوم فيه المؤسسات الدستورية المنتخبة مقام الفرد، الزعيم".
 
      7- أيديولوجيا الوحدة
 
نص "المشروع النهضوي العربي" يعطي فكرة "الوحدة العربية"، وكما هو متوقع، اهتماماً مركزياً. وبرغم وقفة سابقة حول هذا الموضوع ضمن سلسلة هذه المقالات ركزت على المقاربة الوحدوية في النص "النهضوي". إلا أن فكرة الوحدة كما وردت في سياق المشروع تحتاج إلى تأملات إضافية. وهذه السطور تناقش على وجه التحديد ما ورد من معالجة لإشكالية العلاقة بين القومي والوطني (القطري). وعلاقة الأطراف الخارجية بـ "الوحدة" وموقفهم النظري والعملي منها. وكذلك علاقة الوحدة بالأقليات غير العربية في بلدان المنطقة.
حول الأمر الأول، يتوقف نص الوحدة في المشروع النهضوي العربي عند معضلة "العلاقة بين القومي والقطري". مؤكداً في البداية على ترسخ "الدولة القطرية". ويتشبث في استخدام لفظة "القطري" التي تتضمن حمولة إدانة فائقة وتاريخية للدولة العربية الحديثة. وقليلا ما يستخدم النص لفظة "الدولة الوطنية" والتي هي الترجمة العربية الأقرب للمصطلح الإنجليزي الأصلي nation-state. والإحجام الواضح عن استخدام اللفظة الثانية هو عملياً إعلان موقف سياسي وأيديولوجي ضدها. يعيد تكرار ما نعرفه من موقف كلاسيكيات الأدبيات القومية التي استرذلت "الدولة القطرية" واعتبرتها طارئة في مسيرة التوحد العربي المُفترضة ماضيا ومستقبلا. لكن هذه الموقف الاسترذالي الذي يعلنه تبني مصطلح وتخل عن آخر لا يتعدى التشبث الأيديولوجي بشعار وممارسة آفلة. سرعان ما تتناقض مع التحليل السياسي والتاريخي الذي يورده النص نفسه. والذي يقول إن الدولة "القطرية" ... "لا يمكن ان تزول من الوجود لمجرد أن معظمها نشأ نشأة غير شرعية كحصيلة لفعل التجزئة. ولا لمجرد وجود إرادة وحدوية في زوالها. ذلك أن هذه الدولة نجحت - عبر أجيال ثلاثة - في بناء بعض من شرعيتها (شرعية الأمر الواقع) التي تمدها بأسباب البقاء". ما يقره النص هنا هو حقيقة صلدة كبرى من حقائق الحالة العربية الراهنة. وليس تفصيلا طارئا على هامشها. وهذه الحقيقة تقول إن "الدولة القطرية" الطارئة، رغم ضعفها، وهشاشتها، وعدم شرعيتها من منظور القوميين، وتحالفاتها وولاءاتها الخارجية، وعدم شعبيتها المُفترضة، إلا أنها هي، وليست مشروع الوحدة، ما تمكن من الاستمرار والنجاح، وفي ما خص شرعية هذه الدولة على وجه التحديد لا يقول لنا النص، المتسرع هنا، ما هي الشرعيات الأخرى التي تقوم عليها الدول غير شرعية الأمر الواقع؟ فسواء كانت دولا نشأت في أعقاب تجزئة أو أعقاب توحد فإن الشرعية الوحيدة التي عبرها تستمر هذه الدولة أو تلك هي عمليا شرعية الأمر الواقع (باستثناء الدولة القائمة على الغصب واحتلال الآخر). ولا ينفي هذا الواقع الرفض اللفظي لها.
لكن رغم ذلك يُسجل لنص "المشروع النهضوي العربي" محاولته المهمة في صوغ نوع من المصالحة بين "القومي والقطري". وذلك على قاعدة اعتبار أن تقدم وتنمية وقوة "الدولة القطرية" يصب في نهاية المطاف لصالح مشروع الوحدة. وبالتالي يقطع مع بعض المقاربات القومية المتطرفة التي كانت ترى في نجاح "الدولة القطرية" إمعاناً في البعد عن الوحدة وتأكيداً على عدم الحاجة إليها. وهنا يقول النص "كلما أحرزت الدولة القطرية تقدما في توحيد كيانها الوطني، وفي تحقيق التنمية الاقتصادية والعلمية، وفي توزيع الثروة توزيعاً عادلاً، وفي بناء اسس حياة ديموقراطية، وفي حفظ أمنها الوطني وتنمية قدراتها الدفاعية من أجل ذلك، توافرت لمشروع الوحدة العربية مقدماته التحتية الضرورية". ترسم هذه المصالحة النظرية خطا فاصلا مع أية تصورات قد تشترط إضعاف أو تدمير "الدولة القطرية" كشرط لقيام دولة الوحدة. وكأن الثانية لا بد أن تقوم على أنقاض الأولى. وسواء في الحالة العربية أو في الحالات الأخرى فإن التجربة التاريخية تشير إلى أن ترسخ الثقة المحلية، والسيادة "القطرية"، وارتفاع مستويات التنمية والاقتصاد، وخفوت المخاوف من الدول المجاورة يدفع بالمزاج السياسي والشعبي نحو قبول أشكال وصيغ تعاون إقليمية اوسع تقوم على قاعدة تعظيم المصالح المشتركة للدول المنخرطة في الصيغة الإقليمية المعنية. لكن يتردد النص ويحجم عن اعتبار المصالح المشتركة هي جوهر ومحرك أي صيغة من صيغ التعاون الإقليمي، ونلمح هنا التوتر بين ما هو مؤدلج سابقا، وما هو مثبت واقعا بالسياسة والتاريخ المعاصرين، ذلك أن الآلية الحقيقية والناجعة للعمل المشترك هي من أسفل إلى أعلى وبالتدريج ووفقا لتناغم مصالح كل الأطراف والوحدات المشاركة في صيغة التعاون الإقليمي.
الأمر الثاني الذي يستحق وقفة خاصة به هو استسهال النص إحالة جزء من مسؤولية إعاقة "الوحدة العربية" على الخارج والمؤامرات الخارجية. مُعيدا إنتاج أحد المناظير الإبستمولوجية التي تعزز الشلل الذاتي في التفكير العربي، ففي أكثر من موقع يشير إلى الأطراف الخارجية والمشروعات الإقليمية، الشرق أوسطية والمتوسطية، أو مناطق واتفاقيات التجارة الحرة، التي تهدف "إلى فك الرابطة القومية والإقليمية بين البلدان العربية، وإعادة ربط هذه بمراكز إقليمية أو خارجية وتزوير هويتها"... كما "تنشط قوى الهيمنة العالمية إلى تمزيق النظام العربي أو إلحاقه بأطر اوسع غير عربية". هناك تعميم وتعويم في التحليل هنا، فمن ناحية اولى ليس هناك مشروع وحدة عربية يستحق أن تنتفض قوى "الهيمنة العالمية" ضده وتتآمر عليه، ومن ناحية ثانية، وخاصة في المشروعات المتوسطية واتفاقيات التجارة الحرة، حاولت كثير من الجهات ضمن "قوى الهيمنة العالمية"، وخاصة في اوروبا، الضغط على الدول العربية كي توحد موقفها (لا أن تمزقه!) ازاء كثير من الاتفاقيات لكي تأتي بـ "موقف عربي كتلوي" حيث يسهل ذلك على اوروبا التعامل مع العرب ككتلة واحدة، وهذا ما كان مأمولاً من الحوار العربي-الأوروبي الذي استمر سنوات طويلة ثم توقف لأن العرب فشلوا في الوصول إلى مواقف محددة ومشتركة إزاء كثير من القضايا، القفز عن حقيقة العجز الذاتي وإحالتها إلى نظرية المؤامرة هو إبقاء على براديم وهاجس الغرب الذي يتحكم في كل تفاصيل حياتنا، وهو براديم مُحبط للإرادة وللفعل الإيجابي، لا يعني هذا تبرئة الغرب ولا قوى الهيمنة العالمية من البطش والحروب والتآمر في المنطقة لتحقيق مصالحها. لكن هذا ديدن السياسة في التاريخ. والكرة تكون دوما في ملعب من يسمح بحدوث ذلك كله في ملعبة ولا يقاومه واللوم الأكبر يقوم عليه.
الأمر الثالث الذي يلفت الانتباه في "المقاربة الوحدوية" في النص النهضوي هو تقديمه لنظرية بالغة الحسم، وضعيفة الأساس الموضوعي والعلمي والعملي، تجاه علاقة الوحدة بالأقليات غير العربية، فهنا ينزلق التنظير في حماسة غير موضوعية تنقله من واقعية التأكيد على الشرط الديمقراطي واعتباره بوابة "الوحدة". بمعنى ضرورة أن تسعى الشعوب العربية نحوها وتعبر للوصول إلى استنتاج مفتعل يقول فيه إن النظام الديمقراطي (في سياق أطروحة الوحدة) "يؤمن إمكانية حل قومي لمسائل الاندماج لدى الجماعات الإثنية في الوطن العربي داخل دولة الوحدة". هناك اولاً ميكانيكية ساذجة يفترضها النص بأن الديمقراطية توفر الإندماج لهذه الأقليات، والتي تدحضها التجربة التاريخية المعاصرة حيث يقود الخيار الديمقراطي والاستفتاء في بعض الأحيان إلى التجزئة والمطالبة بحق تقرير المصير (عربيا مثل جنوب السودان، ومطالبات جنوب اليمن، واوروبيا مثل دول البلقان، واحتمال انقسام بلجيكا ديمقراطيا، وربما في المستقبل المتوسط اسكتلندا عن بريطانيا، وكاتالونيا عن اسبانيا). وهناك ثانياً السؤال الذي لا يعالجه النص وهو لماذا تريد جماعة إثنية معينة غير عربية عرقياً أن تندمج وتذوب في إطار عربي أوسع من إطار "الدولة القطرية" الذي تعيش فيه، وما هو "الحل القومي" الذي يوفره لها مثل ذلك الاندماج، في حين إن "القطري" على "قطريته" مجحف بحقوقها؟ لماذا، مثلا، نفترض ان يتحمس أكراد العراق، أو أمازيغ الجزائر، أو فولار موريتانيا لوحدة عربية سوف تزيد من تذويبهم وتهديد قومياتهم وهوياتهم الإثنية التي يصارعون للحفاظ عليها ضد ما يرونه سيطرة عربية حتى في بلدانهم القطرية؟.
 
 
       8- نمط بناء الوحدة
تحت عنوان "في نمط بناء الوحدة" في نص "المشروع النهضوي العربي" نلحظ شدا وجذبا بين مقاربات واقعية وأخرى غائية وطوباوية، يعكس توتر المرحلة الانتقالية في الفكر القومي العربي، من حقبة ومناظير أيديولوجيا صارمة إلى حقبة أكثر واقعية وأقل أيديولوجية. ثمة تخفف حميد من الحمولة الأيديولوجية التي أثقلت جوانب اخرى من "المشروع"، والتي لا تزال تطل برأسها هنا وهناك، ونرى تواضعا عمليا في الابتعاد بمسألة "الوحدة العربية" أكثر ما يمكن عن أي طروحات إندماجية، والتأكيد على ان الوحدة المُبتغاة هي وحدة فيدرالية تجمع الكيانات القائمة في صيغة من الصيغ الاتحادية. من المهم ابتداء إيراد الاقتباس الحرفي هنا الذي يؤكد أن ثمة "درساً غنيا في مسألة الوحدة العربية مفاده أن إطارها الكياني والدستوري الأنسب لن يكون صيغة الدولة القومية الإندماجية، وإنما صيغة الدولة القومية الاتحادية".
ويفصل في وصف الدولة الاتحادية فيقول إنها "تقوم من اجتماع الكيانات العربية القائمة وتراضيها على مؤسسات اتحادية مشتركة تنتقل إليها السلطة الجامعة مع استمرار سلطاتها المحلية. وفي الأحوال كافة لا بد من أن يكون الإطار الاتحادي القومي محل تراض وتوافق بين الكيانات والقوى العربية كافة".
هذه المقاربة الواقعية تطرح سؤالا له علاقة بكيفية التعبير عن الهدف الكلاني الوحدوي الذي يبتغيه المشروع النهضوي العربي وطريقة صياغته. فما دام ذلك الهدف يحوم حول صيغة من الصيغ الفيدرالية التي قد يكون أقصى تمثلاتها في واقع عالم اليوم هو الاتحاد الأوروبي فلماذا لا يُعاد صوغ خطاب الوحدة العربية بما في ذلك تعبير "الوحدة العربية" نفسه بشكل يعكس هذا الوعي. فعوضا عن ذلك التعبير يمكن استخدام تعبير "اتحاد الدول العربية" أو "الدول العربية المتحدة"، بما يعطي قدرا كبيرا من الطمأنينة للكيانات العربية التي لها خبرة تاريخية سيئة عبر العقود الماضية في تجارب وطموحات وحروب الوحدة التي كان النموذج البسماركي القسري يقود وجدانها القومي لكن بعيدا عن اختلاف وافتراق الشروط التاريخية والموضوعية.
والمسألة هنا ليست قطعا لفظية بل هي أيضا ناقلة وحاملة للهدف والدور والحدود التي يطرحها المشروع.
وفي مكان آخر يتحدث النص، بواقعية في حين وبغائية في حين آخر، عن جملة من الحقائق الأساسية التي لا يمكن تجاهلها في سياق إنجاز هدف "التوحد القومي"، أول الحقائق (الواقعية) هو أن ذلك التوحد المرتجى لا يحدث تلقائيا ولكن يحتاج إلى إرادة ومشروع سياسي، والثاني أنه طويل الأمد، والثالث أن كافة المداخل إلى الوحدة ممكنة (الاقتصادية، والسياسية والأمنية).
وكل ذلك واضح ومقنع، والأهم منه التأكيد على احتياج أي علاقة وحدوية إلى "مدخل تعاوني عربي بيني" يؤسس للترابط والتداخل بين البنى الإنتاجية والاقتصادية والأمنية والسياسية العربية. فما نعرفه جميعا هو أن العلاقات البينية والتعاونية في تلك المجالات بين الدول العربية تنحدر إلى الحدود الدنيا.
بعض أسباب ذلك يعود إلى تشابه أنماط الإنتاج والسلع بحيث لا توفر أسواق تلك البلدان مجالات تكاملية مغرية للاقتصاد والتجارة البيني، وأسباب اخرى، خاصة تلك التي تعيق التكاملات السياسية والأمنية والإستراتيجية، تعود لتعمق الشكوك بين الدول العربية وتواريخها المريرة.
لكن يورد النص أيضا جملة من "الحقائق" التي ينزلق بها وبسببها إلى غائية لا ضرورة لها وتعيد التذكير بكلاسيكيات الافتراضات القومية التي ورطت مفكرين وسياسيين وعسكريين في القناعة بها والبناء عليها. ومشكلة هذه "الحقائق" الافتراضية لا تكمن في هشاشة علاقتها مع الواقع الموضوعي، بل أيضا في نقضها لكثير مما تم تسطيره في نص "المشروع النهضوي العربي" نفسه، بحيث يصبح النص محيرا إذ يطرح الشيء ونقيضه في آن معا.
فمثلا على أي أساس يورد النص أن من جملة تلك "الحقائق" القول القاطع إن "الوحدة هدف الأمة بمعظم طبقاتها وفئاتها، وبمعظم أحزابها ونقاباتها وجمعياتها وتياراتها الفكرية المختلفة. وهذه جميعها القوى المدعوة إلى النهوض بعبء النضال من أجل تحقيق هذا الهدف".
في مواضع أخرى كان النص قد أكد في اكثر من مرة أن الوحدة لا تقوم إلا بناء على توافق مصلحي وإن رأت الدول والمجتمعات العربية أن مصلحتها تتجسد في تحقق الوحدة. اما هنا فإن النص يعود إلى خطاب أيديولوجي يضع الأجندة لكل الأمة بكل شرائحها قاطعا أن مصلحة التيارات والفئات والشرائح الفكرية تكمن في الوحدة.
بيد أن التناقض يأخذ مدى أوسع في "الحقيقة" التالية التي يوردها النص وتقول: "إن تحقيق الوحدة العربية يواجه مهمة ملحة هي حل المعضلات الموضوعية والذاتية التي تواجه ذلك التحقيق: معضلة التباين في درجة التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بين الأقطار العربية ... ومعضلة المؤسسية الناجمة عن هشاشة فكرة المؤسسة في الوطن العربي ... ومعضلة عدم التوازن في القوة البشرية، الاقتصادية، العسكرية بين أطراف كبرى وأطراف صغيرة ... ومعضلة الخلاف بين الفصائل القومية وتشرذمها، ثم معضلة التدخل الخارجي المعيق، باستمرار، لمشروع التوحيد القومي". يجدول لنا هذا النص عددا من المعضلات الكبرى المعيقة لتحقق الوحدة العربية ويضعها كمهمة تواجه مشروع التوحيد القومي، بمعنى لا بد من حل هذه المعضلات والتخلص منها لتمكين مشروع الوحدة من التمثل والحدوث على الأرض.
والمحير هو أننا نقرأ بعد سطور قليلة فقط ما يلي: "فإن مما لا يرقى إليه شك ان سائر الأهداف النهضوية العربية من تنمية، واستقلال، وعدالة، وأمن، وتقدم ... إلخ ممتنعة عن التحقيق، بل مستحيلة، دون توحيد قومي".
التناقض في الأطروحتين بارز ومحير ومؤسف. فمن ناحية يشترط النص حل كل تلك المعضلات حتى تتحقق الوحدة، ومن ناحية ثانية فإنه يرى أن حلها مستحيل من دون قيام تلك الوحدة. النقطة الثانية التي يمكن إيرادها هنا، وعلى نفس المستوى النظري الغائي، متعلقة في الأطروحة الأولى التي تريد حل قائمة المعضلات كطريق يقود إلى الوحدة. فإن افترضنا هنا أن تلك المعضلات التي تواجه البلدان العربية سواء منفردة أو على شكل جماعي تم بالفعل حلها والتخلص منها، وتحسنت وتطورت أوضاع البلدان العربية وأصبحت قوية بعد حل المشكلات الكبرى، فعندئذ لا تغدو هناك أية حاجة للوحدة أصلا. فهذه الوحدة هي الترياق الذي سيحل المشاكل، فإن حلت المشاكل من دونها وخلال حقبة التحضير لها فإن الوحدة تصبح لا لزوم لها.
9- وعي الديمقراطية يتميز نص "المشروع النهضوي العربي" الذي يعكس الرؤية القومية المعاصرة للنهضة العربية المنشودة، ويشكل المانفيستو الفكري والسياسي لها، وصيغ عبر مداولات طويلة تجاوزت فترتها الزمنية خمسة عشر عاماً، بتركيزه على المكون الديمقراطي في الاجتماع السياسي العربي. والتركيز على الديمقراطية وإعلاء شأنها في "المشروع" يعتبر الإضافة الأهم والحقيقية في الرؤية القومية المعاصرة، والأولوية التي تُمنح لها يجب أن تُرى فعلا بكونها نقلة كبيرة في تفكير القوميين. ونستشعر ذلك من خلال التوقف المعمق في النص عند المسألة الديمقراطية وتخصيص فصل كامل لها، بخلاف الإشارات العابرة والخجولة التي كانت تتصف بها مقاربات القوميين للمسألة الديمقراطية خاصة وأن التجارب والنظم القومية التي سيطرت على بعض الدول العربية اتسمت بالاستبداد والدكتاتورية. ومن المفيد والإنصاف هنا اقتباس ما يعكس النظرة الجديدة والمُرحب بها والتي تقول: "إذا كان للمشروع النهضوي العربي الجديد، ما يميزه من سواه، من مشاريع النهضة التي سبقته، منذ القرن التاسع عشر، فهو في مضمونه الديمقراطي الذي يقوم عليه، أي في حسبانه الديمقراطية ركناً مكيناً من أركان النهضة، ورافعة من رافعاتها. كان يمكن القول فيما مضى، إن النهضة تتحقق بمقدار ما ينجح مجتمع او امه في إنجاز التصنيع، ونشر التعليم، وبناء الجيش الحديث، وتعظيم الثروة. وقد يصح ذلك إلى حد بعيد. لكن الذي ثبت بالدليل التاريخي ان الطريق إلى ذلك كله هي الديمقراطية بما هي النظام الذي يحرر مواطنيه من العبودية السياسية والخوف، ويطلق الطاقات الاجتماعية للإنتاج والإبداع والتنافس وتحقيق التراكم: المادي والمعنوي، ويعزز اللحمة الوطنية والقومية استنادا إلى رابطة المواطنة".
يقطع هذا النص مع تقاليد قوميي ويساريي عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات الذين لم يروا في أيه مركزية في الديمقراطية ترقيها كي تكون شرطا من شروط مشروع النهضة، أو أولوية ضاغطة أمام ما رأوه أولويات ومعارك أهم: المعركة مع إسرائيل، المعركة ضد الامبريالية، الوحدة العربية، الاشتراكية، وهكذا.
يرى النص النهضوي القومي الجديد أن "الديمقراطية ضرورة تاريخية وسياسية" بمعان ثلاثة هي كونها حقا عاما للشعب والأمة، والوسيلة الأمثل لإطلاق طاقات المجتمع والشعب، والقاعدة التي تُبنى عليها العلاقة بين الدولة والمجتمع في المجتمعات الحديثة، ويفصل في كل من هذه المعاني الثلاثة تفصيلا يؤكد جدة النظرة القومية إزاء المسألة الديمقراطية. لكن يجب أن يُضاف معنى رابع وأساسي إلى معاني الديمقراطية ومراميها هنا وهو كونها الوسيلة الوحيدة التي تروض الصراعات والتنافسات السياسية وتدجن تناقض المصالح داخل أي مجتمع عبر الإدارة السلمية لا الدموية. وهنا قد يقول صاغة النص النهضوي إن ذلك مُتضمن في المعنى الثالث للديمقراطية الذي يشدد على أنها القاعدة التي تؤسس لعلاقات المجتمع بالدولة لكن قراءة تفصيل ذلك المعنى تفصح عن تركيز على أن الديمقراطية تقوي المجتمع إزاء أي تدخل خارجي وتعمل على تمتينه بحيث يتم ردم الفجوة الراهنة بين الشعب والدولة. وهذا على صحته يظل قاصرا عن احتواء المعنى الرابع المُضاف هنا وهو إدارة الصراع السياسي والمصلحي الداخلي والذي يقوم بداهة وطبيعية داخل أي مجتمع، ولا علاقة له بالخارج.
كما يرى نص المشروع النهضوي العربي أيضا أن الديمقراطية نظام شامل للحكم ولا تقبل التجزئة، وانه ما من نظام يمكن وصفه بالديمقراطي ما لم تتحقق فيه سبعة عناصر أو مبادئ هي التالية: الحرية، التعددية السياسية، النظام التمثيلي، حرية الاقتراع، حق الرقابة على السلطة، الفصل بين السلطات، التداول الديمقراطي على السلطة، النظام الدستوري، النظام الاجتماعي العادل. ويؤكد هذا مرة أخرى إيجابية التحول نحو تبني الفكرة الديمقراطية عن وعي وإدراك وتجربة مريرة. لكن يجب أن يُضاف إلى هذه المبادئ السبعة ثامن آخر يقع في قلب النظام الديمقراطي وهو المحافظة على حقوق الأقليات. ففي التقليد القومي الكلاسيكي كما في التقليد الإسلاموي الحركي الراهن ثمة تشديد على أن الديمقراطية هي تجسيد رغبة وتوجهات الأغلبية وتمكينها من تمثلها في الحكم والقوننة، وهذا صحيح نصفيا إذ لا يكتمل إلا بالنصف الثاني الذي يركز على أن الديمقراطية هي أيضا حامية الأقليات من استبداد الأغلبية ذاته. وأن تحكم الأغلبية بالحكم يقع تحت سقف خط أحمر من الحريات لا يجوز تعديه.
بيد أن الإشكالية الأهم في المقاربة القومية الجديدة إزاء المسألة الديمقراطية تكمن في مزاوجة الشورى والديمقراطية، والمحاولة اليائسة لإيجاد معادلة ترضي أكثر من طرف وتستجدي براغماتية سياسية تسقط الجدل الفكري المهم والرصين. نص المشروع النهضوي العربي على العموم يراوح بين تقديم الأطروحة الفكرية والبرنامج السياسي، وهي مراوحة لا مناص عنها لكن تقع في شرك استخدام الأداة الصح في المكان الخطأ في بعض الأحيان. بمعنى آخر، نلحظ في أكثر من موقع في النص أن المناقشة الفكرية تقطعها محاولة تثبيت موقف سياسي أو أيديولوجي مسبق، او تحولها من مناقشة فكرية جادة إلى ملاطفة فكرية تحاول بناء جسور سياسية خاصة مع الإسلاميين على حساب الموقف الفكري. ليس القصد هنا بطبيعة الحال تخطئة بناء الجسور السياسية وإقامة الجبهات الموسعة، لكن ذلك يقوم على أسس سياسية وبراغماتية وليس فكرية وأيديولوجية. فمهما قيل مثلا في وجود الأرضيات المشتركة بين الشورى والديمقراطية، ومهما كانت المنطلقات البراغماتية والتصالحية حسنة النوايا عند الطرفين، فإن ذلك لا يحل التناقضات الكبيرة بينهما. وهنا فإن الوضوح الفكري لا الغموض هو الذي يبلور ويشحذ الأفكار ويطورها.
فعلى سبيل المثال يقول النص: "إن محاولة دق إسفين بين الديمقراطية والشورى وفك الارتباط بين معنييهما بدعوى الاختلاف بينهما في الفلسفة الضمنية المؤسسة لكل منهما، أو بدعوى برانية الديموقراطية عن الإسلام وتلازمها مع العلمانية، لا تخدم النضال من أجل الديمقراطية في شيء". وهنا نرى في هذه المقولة القاطعة نزوعا براغماتيا سياسيا يريد عبر توكيد الموقف المسبق أن ينفي أو يهمش خلافا عميقا ويقع فعلا على مستوى الفلسفة الضمنية بين الشورى والديمقراطية. فالشورى مكون من مكونات فهم النظام الإسلامي الذي ينظم آليات الحكم وفق اعتبارات واضحة أهمها أن التشريع والقانون وأسس الشرعية تكمن في الدين - هذا من دون الانخراط في معمعة الجدل فيما إن كانت تلك الشورى ملزمة أم معلمة. بكلمة واحدة الدين هو اساس الشرعية وهو الناظم الأساسي للاجتماع وكل ما عداه، بما في ذلك الدستور والأمة، يقع تحت سقفه. أما الديمقراطية فهي، بابتسار مخل، لا تعترف بسيطرة الدين عليها بل تخضع الأديان كلها تحت سقفها، وتعتبر أن الأمة والمواطنة هي أساس الشرعية. والتطبيق النظري والفعلي لهذه الفكرة النظرية هي قبول أن يُحكم أي بلد في العالم الإسلامي من قبل حزب علماني أو شيوعي مثلاً والإقرار شرعيا بمثل هذه الحالة (أي أن لا تكون عبر انقلاب أو إجبار). والقبول أن يُسمح في بلدان العالم الإسلامي لأحزاب علمانية ومتعددة الأفكار حتى لو كانت ملحدة. إذا كان تزاوج وعدم انفكاك الشورى عن الديمقراطية يسمح بذلك ويسمح لأي حزب أو جمعية مناهض للأديان بالعمل القانوني، ويمنح الحرية لممارساتاجتماعية وسلوكية تراها الأديان غير شرعية فإن ذلك التزاوج يمكن ان يكون عمليا وتجسيدا واعدا لأفكار نظرية، وليس تنظيرا مجاملاتياً.
والنقطة الأخرى حول المزاوجة بين الشورى والديمقراطية متعلقة بما يورده نص المشروع النهضوي العربي من أن المبادئ التي قام عليها النظام الديمقراطي موجودة في النظام الإسلامي مثل "سلطة الأمة ومرجعيتها والرقابة على الحاكم، وهي التي عبر عنها مفهوم الشورى الإسلامي". وهنا يتحدث النص بتوسع عن التجربة والمبادئ الإسلامية في الشورى وكيف تتداخل مع الديمقراطية وتعكسها. ومرة اخرى فإن ما يمكن استشعاره من مجاملة فكرية للإسلاميين في مثل هذه المقاربات هو أكثر بكثير من التحليل الفكري المعمق الذي يرمي إلى تأسيس نظرة ثاقبة لما يمكن ان يكون نهضوياً وما لا يمكن.

 
ارسل الى صديق طباعـة أضف تعليقك العودة إلى الأعلى

صفحة البداْه
الصفحة الرئيسية
الحدث
عيون وآذان
شؤون فلسطينية
شؤون اسرائيلية
شؤون عربية
شؤون دولية
ثقافة
أرشيف الموقع
أرشيف المجلة
مكتبة العودة
أيام البلاد
دراسات فلسطينية
صحف عربية
الصحف العبرية
رياضة
صحة
مواقع صديقة
صور مختارة
أعط رأيك
مساهمات الزوار
دراسات
حبر
تحت المجهر / معتصم حمادة
اليسار والمقاومة الشعبية.. «الديمقراطية» نموذجاً
حديث الساعة
واشنطن تضبط الإيقاع.. نتنياهو يرسم الأهداف .. المفاوض الفلسطيني يشكو .. ويطالب!
حديث الإسبوع
استفتاء تركيا.. تصويت على الإصلاحات أم على حكم أردوغان؟
أحوال
عمر سليمان مرشحا للرئاسة في «حرب الملصقات»
متابعات
المفاوضات: تداعيات الفشل.. ومخاطر «النجاح» ( ملف )
من فمهم
تنويعات إسرائيلية على موقف نتنياهو.. تزيده قوة
كاريكاتير
ابحث في الموقع
لاستقبال النشرة الدورية

:الاســــــم

 

:البريد الإلكتروني

 
أنت الزائر رقم